وكالة القدس للأنباء - خاص
الممارسات الصهيونية القاسية ضد الأطفال الفلسطينيين الأسرى، خير دليل على جرائم العدو ضد الطفولة والقانون الدولي وحقوق الإنسان، ولم تفلح كل التدخلات والمناشدات الانسانية من وضع حد لهذه الإنتهاكات، بل الواقع يزداد بشاعة مع زيادة حجم الإعتداءات وسن القوانين التعسفية ضد الأطفال، وكل ذلك موثق بالمعلومات والأدلة حسب التقارير الدولية.
كيف يعيش هؤلاء الأطفال في غياهب زنازين القهر والتعذيب، ما هي الأساليب والوسائل الإجرامية التي تطبق عليهم، وكيف يجهد الاحتلال في محاولة تدمير نفسية هؤلاء الأطفال باعتبارهم جيل التحدي المقبل؟
نظرة واحدة على الإحصاءات والوقائع تكشف التفاصيل
بلغ عدد الأطفال الفلسطينيين الأسرى في سجون الاحتلال، وفق إحصاء العام 2015م، قرابة (350) طفلًا قاصرًا، يعيشون ظروفاً ظالمةً في سجون "عوفر" و"مجدو" و"هشارون" وسجن "جفعون" بالرملة.
يعاني هؤلاء الأطفال من أوضاع احتجاز قاسية وغير إنسانية، تفتقر للحد الأدنى من المعايير الدولية لحقوق الأطفال وحقوق الأسرى. فهم يعانون من نقص الطعام ورداءته، وانعدام النظافة، وانتشار الحشرات، والاكتظاظ، والاحتجاز في غرف لا يتوفر فيها تهوية وإنارة مناسبتين، والإهمال الطبي وانعدام الرعاية الصحية، نقص الملابس، عدم توفر وسائل اللعب والترفيه والتسلية، الانقطاع عن العالم الخارجي، الحرمان من زيارة الأهالي، عدم توفر مرشدين وأخصائيين نفسيين، الاحتجاز مع البالغين، الاحتجاز مع أطفال جنائيين "إسرائيليين"، الإساءة اللفظية والضرب والعزل والتحرش الجنسي، والعقوبات الجماعية، وتفشي الأمراض.
قتل واعتقال الأطفال ملاذ العدو الأول
وعلى الرغم من أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتحديداً اتفاقية حقوق الطفل، شددت على ضرورة توفير الحماية للأطفال ولحياتهم ولفرصهم في النمو والتطور، وقيّدت سلب الأطفال حريتهم، وجعلت منه "الملاذ الأخير ولأقصر فترة ممكنة"، إلا أن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" جعلت من قتل الأطفال الفلسطينيين واعتقالهم الملاذ الأول.
وخلافاً لالتزاماتها بتوفير ضمانات قضائية مناسبة لاعتقال الأطفال ومحاكمتهم بموجب اتفاقية حقوق الطفل والقانون الدولي الإنساني، طبقت سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" أوامر عسكرية عنصرية على الأطفال الفلسطينيين الأسرى، وتعاملت معهم من خلال محاكم عسكرية، تفتقر للحد الأدنى من معايير المحاكمات العادلة، خصوصاً الأمر العسكري 132، الذي يسمح لسلطات الاحتلال باعتقال أطفال في سن 12 عاماً.
ويعتبر الكيان الصهيوني الوحيد في العالم الذي يحاكم الأطفال في المحاكم العسكرية، حيث يتم محاكمة ما بين 500-700 طفل فلسطيني سنوياً في هذه المحاكم وتقدر هيئة الاسرى أنه منذ عام 2000، وحتى أيلول 2015 اعتقلت قوات الاحتلال "الإسرائيلي" 8500 طفل فلسطيني، وحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية، وجهت لغالبيتهم تهمة إلقاء الحجارة.
وتتخذ سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" من قضية الأسرى الفلسطينيين مورد دخل دائم، سواء كانوا أطفالاً أم لا، وذلك من خلال فرض غرامات مالية جائرة وباهظة؛ فقد تحولت قاعات المحاكم العسكرية "الإسرائيلية" إلى سوق لابتزاز ونهب الأسرى وذويهم؛ الأمر الذي أرهق كاهل عائلاتهم في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فغالبية الأسرى يحكم عليهم بدفع غرامات مالية، مصحوبة بأحكام بالسجن، خاصة في محكمتي عوفر وسالم العسكريتين.
أطفال مرضى بدون علاج
الأطفال الأسرى محرومون من الرعاية الصحية والعلاج الطبي المناسب. وعادة ما تكون أقراص المسكنات هي العلاج لمختلف أنواع الأمراض. ووفقاً لإفادات الأطفال الأسرى، فإن سلطات وإدارات السجون ترفض إخراج الأطفال المرضى إلى عيادات السجن، وحتى إن أخرجتهم فإنهم يتعرضون للضرب والشتائم والمضايقات حتى من الأطباء والممرضين. كذلك، فإن إدارات السجون لا توفر طبيباً مقيماً بشكل دائم في عيادة السجن. ولا تزال سلطات الاحتلال تماطل، وأحياناً ترفض إجراء عمليات جراحية للأطفال المصابين بأمراض تستدعي عمليات جراحية فورية. فهناك أطفال بحاجة إلى عمليات لإزالة شظايا أو رصاص من أجسادهم، وهناك أطفال يعانون من أمراض نفسية، ومن أمراض عيون وأذن. وتفيد إحصائيات وزارة الأسرى أن حوالي 40% من الأمراض التي يعاني منها الأطفال الأسرى هي ناتجة عن ظروف اعتقالهم غير الصحية، وعن نوعية الأكل المقدم لهم، وناتجة عن انعدام النظافة.
القوانين الدولية تنص بصراحة على ضرورة الرعاية الطبية للأسرى وقد جاء في المادتين 91 و92 من اتفاقية جنيف الرابعة "يجب أن تتوفر في كل معتقل عيادة مناسبة، يشرف عليها طبيب مؤهل، وأن يحصل المعتقلون على ما يحتاجونه من رعاية طبية، وكذلك تركيب أي أجهزة طبية ضرورية للمحافظة على صحتهم في حالة جيدة، وبشكل مجاني"،"ويجب أن تجرى فحوص طبية للمعتقلين مرة واحدة على الأقل شهرياً، والغرض منها مراقبة الحالة الصحية والتغذية العامة، والنظافة، وكذلك اكتشاف الأمراض المعدية، ويتضمن الفحص بوجه خاص مراجعة وزن كل شخص معتقل، وفحصاً بالتصوير بالأشعة مرة واحدة على الأقل سنويا".ولكن إدارة السجون "الإسرائيلية" سواء التابعة للجيش أو لمصلحة السجون تضرب بتلك القواعد الدولية ذات العلاقة بالرعاية الطبية والصحية للمعتقلين المرضى عرض الحائط، وخصوصاً الأطفال الأسرى، حيث يوجد بين الأطفال الأسرى، من يعانون أمراضاً مختلفة، ومحرومون من الرعاية الصحية والعلاج المناسب، وغالباً ما تكون أقراص المسكنات (الأكامول) هي العلاج لشتى أنواع المرض، ولا توفر إدارة السجون طبيباً مختصاً لعيادات السجون، وعادة ما يتوفر ممرض فقط، وتماطل إدارات السجون في موضوع إخراج الأطفال المرضى إلى العيادة الطبية، في ظل إهمال متعمد؛ ما ينذر بزيادة الحالات المرضية بين الأطفال، ومن أهم العوامل التي تساعد على انتشار الإمراض قلة النظافة وانتشار الحشرات، والفئران في الأقسام والسجون التي يحتجز بها الأطفال؛ الأمر الذي ساعد بشكل خاص على انتشار الأمراض الجلدية المعدية.
واتخذت سلطات الاحتلال من قضايا الأسرى الأطفال مورداً للدخل، من خلال استمرار سياسة فرض الغرامات المالية الجائرة والباهظة، وخاصة في محكمتي "عوفر" و"سالم"، التي تحولت إلى سوق لابتزاز ونهب الأسرى وذويهم، فلا يكاد يخلو حكم إلا ويرافقة غرامة مالية قد تصل إلى عشرة آلاف شيكل؛ الأمر الذي أرهق كاهل عائلاتهم في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أصلاً في الأراضي الفلسطينية، وذلك كله يتعارض مع اتفاقية حماية الطفل وبشكل خاص المادة (16) منها .
شهادات أطفال أسرى
ويروي الأسرى الأطفال المحررون تجارب سيئة من التنكيل الجسدي والنفسي الذي يتعرضون له، مما يترك آثاراً ترافق الطفل من أبرزها ما اصطلح عليه "فوبيا الاعتقال".
الأسيرة المحررة ملاك الخطيب ابنة الأربعة عشر عاماً روت قصة إعتقالها حين كانت قرب مدرستها وكانت تهمتها قذف الحجارة وحيازة سكين.
وقد قضت ملاك 45 يوماً في السجن وصفتها بالسيئة جداً، مضيفة أنها لم تكن تنام بسبب أصوات التعذيب في الزنزانات المجاورة.
أما الأسير القاصر زيد علي زيدان (17 عاماً) من قلقيلية، المعتقل منذ شباط 2015، ويقبع في قسم الأشبال في سجن "مجدو"، فيقول إن جنود الاحتلال هاجموه واعتقلوه وبطحوه أرضاً، وانهالوا عليه بالضرب المبرح بأيديهم، وأرجلهم، وعلى كافة أنحاء جسمه، ثم قيدوه إلى الخلف، وعصبوا عينيه، واقتادوه إلى معسكر "صوفين".
وأوضح زيدان بأن الجنود شبحوه في ساحة المعسكر في البرد الشديد، وتحت المطر أكثر من خمس ساعات، وكان كل جندي يمر عنه يقوم بضربه على بطنه، وقدميه، وركله ركلات قوية ومؤلمة.
فيما أفاد الأسير يزيد سويدان ( 16 عاماً) من قلقيلية، المعتقل منذ كانون الثاني 2015، ويقبع في "مجدو"، أنه استجاب لبلاغ طلبه إلى الحكم العسكري، وهناك اقتادوه إلى معسكر ‘صوفين’، مقيدا، ومعصوب العينين، وتم شبحه في الساحة في البرد الشديد ساعات طويلة.
ولفت أنه تم نقله بعدها إلى معسكر ‘حوارة’ العسكري، وجرى اعتداء وحشي عليه من قبل أحد الجنود، الذي قام بضربه ضربات قوية على وجهه، مسببًا له جروح في أنفه حيث سالت الدماء.
كما أفاد الأسير القاصر تامر عياد صوف (17 عاماً) من سكان سلفيت، الذي يقبع في سجن "مجدو"، ومعتقل منذ آذار 2003، أن جنود الاحتلال اعتقلوه من بيته وهم مقنعين، وعصبوا عينيه، وقيدوه وجروه مسافة 150م خارج البيت، وخلال جره وقع على الأرض أكثر من مرة، وأصيب بجروح بليغة، وكدمات في كافة أنحاء جسمه.
وأشار البيان أنه تعرض لضربات أثناء تواجده في الجيب العسكري على وجهه، وظهره بواسطة بنادقهم وأرجلهم، واقتادوه إلى مركز تحقيق "الجلمة".
كما تعرض لساعات طويلة من التحقيق، وهو مكبل الأيدي، ودون طعام أو شراب، ومشبوحًا على كرسي صغير محني الظهر، كما هدده المحققون بإحضار والدته، ووجهوا له الألفاظ النابية والشتائم، إضافة إلى قيام المحققين بصفعه على وجهه عدة مرات.
وقال رئيس "نادي الأسير الفلسطيني" قدورة فارس:" إن السبب في زيادة وتيرة اعتقال الأطفال هو أن من تصدى لمشروع الاحتلال خاصة في البلدة القديمة من القدس هم أطفال".
ووصف "إسرائيل" بأنها "غارقة في همجيتها وتسجل في كل عام انحداراً في سلم القيم شأنها شأن كل الاحتلالات".
وأدان فارس ما سماه صمت المؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية التي لديها خطاب نمطي تجاه حقوق الإنسان الفلسطيني تعايشت معه "إسرائيل".
من ناحيته قال المستشار القانوني لـ "الحركة العالمية للدفاع عن أطفال فلسطين" خالد قزمار:" إن لدى الحركة توثيقاً لكل ما يتعرض له كل طفل فلسطيني منذ اعتقاله مروراً بالتحقيق وحتى الإفراج عنه".
ويحدد قزمار الغاية الأولى من التوثيق وهي "فضح "إسرائيل" التي تقدم نفسها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط بينما مئات الأطفال يحاكمون أمام محاكم عسكرية، وهذا لا يحدث في أي دولة في العالم".
وتحدث قزمار عن أهمية سعي فلسطين للإنضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يعيه كل "إسرائيلي" بأن الاحتلال لم يعد يوفر له الحماية لدى مغادرته "إسرائيل"، على حد قوله.
إلى متى يبقى الطفل الفلسطيني عرضة لهذا الإرهاب، وما وسيلة الردع الحقيقية لمنع العدو من الاستفراد به ؟ وإلى متى يستمر الصمت الدولي إزاء ما يجري على هذا الصعيد ؟
إنها أسئلة تحتاج لإجابات سريعة شافية، لإن إنتهاك حقوق الطفل على النحو القائم في سجون العدو، وصمة عار على جبين الأمة.
