تناقلت بعض وسائل الإعلام والمواقع الالكترونية الفلسطينية نبأ توزيع رئيس السلطة محمود عباس تقريراً صادراً عن أحد مراكز الدراسات الفلسطينية على نخبة من الشخصيات السياسية الأردنية على هامش عشاء سياسي أقيم في عمَّان قبل عدة أيام، حسب صحيفة "رأي اليوم" اللندنية.
ويتناول التقرير الستراتيجي الفلسطيني بالشرح والتحليل توصيات "لجنة بيتون" التي شكلها وزير التعليم "الإسرائيلي" نفتالي بينيت، مطلع العام الجاري برئاسة الشاعر "الإسرائيلي" إيريز بيتون، وتتعلق بضرورة دمج الثقافة والتاريخ اليهودي الشرقي بشكل أفضل في نظام التعليم "الإسرائيلي".
وهدفت اللجنة للبحث في تحديد الطرق لموازنة المنهاج التعليمي "الإسرائيلي" ليشمل تركيز أكبر على قصة اليهود من البلدان الإسلامية. ويتم انقاد المنهاج منذ عقود لانحيازه المفترض للتاريخ اليهودي الأوروبي أو الأشكنازي، مع إهمال التقاليد والثقافات السفاردية والشرقية – الخاصة بإسبانيا والدول الإسلامية.
وبعد تسلمه توصيات اللجنة صرَّح نفتالي بينيت بالقول "بعد 68 عاماً، نحن نصحح ظلم تاريخي"...
“سوف يتعلم طلاب اسرائيل القصة الصهيونية والتاريخية الكاملة، ومن ضمنها التراث الغني لليهود الشرقيين”.
ولتحقيق هذا الهدف أوصت اللجنة بضرورة تعليم الأدب والتقاليد الشرقية والسفاردية في المدارس، وتقديم برامج تلفزيونية حول المساهمات الثقافية وتاريخ اليهودية الشرقية؛ وإنشاء يوم وطني تكريماً لليهود من الدول الإسلامية.
وفي أعقاب نشر تقرير اللجنة وتوصياتها، ثار نقاش في المجتمع "الإسرائيلي" بين مؤيد ومعارض لتوصياتها. فالمؤيدون اعتبروا تقرير اللجنة تصحيحاً للظلم التاريخي الذي لحق باليهود الشرقيين... في المقابل انقسم المعارضون للجنة إلى قسمين: الأول اعتبر أن توصيات اللجنة جارفة وكبيرة ويصعب تحقيقها، وما هي الا علاقات عامة لوزير التربية والتعليم في سعيه لجذب مؤيدين من الجمهور الشرقي للتصويت له ولحزبه في الانتخابات المقبلة، حيث أن تنفيذ التوصيات شبه مستحيل بسبب التكلفة الكبيرة التي يحتاجها. أما التوجه المعارض الثاني فقد اعتبر أن التقرير فيه تشويه للتاريخ الصهيوني من جهة، وتشويه لثقافة الشرقيين من جهة ثانية.
كما أن غالبية ردود الفعل "الإسرائيلية" أكدت على أن التقرير الذي صدر في "إسرائيل" أخيرا وتناول موضوع التعاطي مع تراث اليهود الشرقيين في جهاز التربية والتعليم أعاد إلى مقدمة الأجندة "الإسرائيلية" موضوع التمزق الطائفي- الإثني في المجتمع "الإسرائيلي" (بين شرقيين وأشكناز) بعد أن سيطر لفترة طويلة الاعتقاد بأن المجتمع في "إسرائيل" تجاوز أو على الأقل غيّب هذا الانقسام الطائفي تحت السجادة.
كما أكدت أن هذا التقرير جاء في إطار توجهات اليمين في "إسرائيل" لتغيير النخب القديمة من خلال التستر بغاية "تحقيق العدالة الثقافية".
التقرير الفلسطيني
التقرير الفلسطيني الذي وزعه محمود عباس في عمان وصف توصيات لجنة "بيتون" "الاسرائيلية" حول اليهود الشرقيين بأنها كبيرة وجارفة وجذرية وبنفس الوقت لا يمكن تنفيذها.
إا أن التقرير الفلسطيني وفي استخلاصه المكتوب اعتبر أن هذه التوصيات مؤشر قوي على التوجهات الشرقية الجديدة نحو إعادة إنتاج هوية شرقية "إسرائيلية" لها امتداد خارجي في المنفى.
وتوقع التقرير الفلسطيني أن تأخذ الإتجاهات نحو هوية شرقية "إسرائيلية" زخماً جديداً في المستقبل، وأن يتشكل يمين يهودي شرقي في مؤسسات "إسرائيل" يتعارض جذرياً مع اليمين الأشكنازي المألوف.
وجاء في التقرير الفلسطيني خلاصة تتحدث عن استمرار الحرب الثقافية الدائرة في "إسرائيل" وعن أن تقرير "لجنة بيتون" يحاول بناء سردية مساوية للسردية اليهودية الأشكنازية الأوروبية ويسلط الضوء على حركة اليمين عند اليهود الشرقيين لتغيير النخب القديمة لاعتبارات ثقافية وتاريخية وليس لاعتبارات أيديولوجية وسياسية.
لماذا اهتم محمود عباس بتوصيات "لجنة بيتون"؟.. ولماذا وزع التقرير على النخب الأردنية؟ وما هي الرسالة التي اراد أو ينشرها "الرئيس الفلسطيني" من وراء توزيع التقرير الذي يناقش توصيات "لجنة بيتون"؟..
هل يريد أن يساهم في الإضاءة على "الحرب الثقافية الدائرة" والتمزق الطائفي الإثني في كيان العدو بين السفارديم والأشكيناز؟
أم أنه يسعى لاستطلاع المشهد "الإسرائيلي" في ضوء محاولة إنتاج "هوية شرقية إسرائيلية" تبنى على سردية يهودية شرقية مساوية للسردية اليهودية الأشكينازية الأوروبية؟..
أم أنه يريد التحذير من مخاطر تشكل يمين يهودي شرقي في مؤسسات (الكيان) يتعارض جذرياً مع اليمين الأشكينازي؟..
وليس آخراً، يبقى السؤال، لماذا اختار النخب الأردنية ومن عاصمة المملكة لتوجيه رسالته؟.