وكالة القدس للأنباء – خاص
يعتبر الإدمان على المخدرات من أكبر الآفات الخطرة التي تهدد حياة الشعوب، وتحديداً بين أوساط الشباب، لما تسببه من حالات ضياع وبؤس. لذا قامت بعض الدول والحكومات بإيلاء هذه المشكلة اهتماماً مميزاً، فخصصت له دور رعاية ومؤسسات سخرت لها كافة الإمكانات الطبية والنفسية والإنسانية والاجتماعية.
أما في مجتمعنا الفلسطيني الذي يعيش أوضاعاً معيشية واقتصادية صعبة، وتغيب عنه المساعدات أو تقلص، فإن معاناته مزدوجة عندما يصادف مثل هذه الحالات، وبخاصة أن المدمن لا تتوافر لديه إمكانات العلاج الخاصة.
القيمون على "مركز إنسان" الذي تأسس لإنقاذ هذه الحالات في مخيم برج البراجنة، لاحظوا هذا الوضع القاتم، وما آل إليه، فعملوا بكل جهودهم لمساعدة الذين سقطوا في فخ هذه الآفة.
"وكالة القدس للأنباء" زارت المركز والتقت المشرفين عليه، وحاورت المدمنين الذين يتلقون العلاج.
عملية إنقاذ المدمن وتحسين وضعه
وأوضح المشرف على "مركز إنسان"، نضال يعقوب، أن تأسيس المركز العام 2013 ، سببه تزايد ظاهرة المخدرات داخل المخيم، وكانت "اللجنة الأمنية" تتعامل مع الموضوع بطريقة خاطئة، بحيث تحبس المدمن أو المروج لفترة أسبوع أو أسبوعين وبالأكثر ثلاثة أشهر، وتقوم بعدها بإخلاء سبيله، وبذلك لا نكون فعلنا شيئاً لإنقاذ المدمن، وتحسين وضعه، وهنا تبلورت لدينا فكرة اتباع أسلوب مختلف، فهذا الإنسان مريض ويجب التعامل معه على هذا أساس وليس مجرماً، فقمنا ببناء غرفة على السطح، وبدأنا نعمل بها على علاج ثلاثة مدمنين، وبعدها تطورت الفكرة حتى استطعنا الحصول على قطعة أرض منحنا إياها أحد الأخوان، أنشأنا عليها غرفتين ومطبخاً وحماماً وجنينة صغيرة للمرضى، ثم قمنا بتوسيعها حتى اكتمل المشروع وأصبحنا نستقبل 12 مريضاً، وتقوم جمعية "أطباء بلا حدود" بمساعدتنا في الإشراف على المرضى من خلال الدعم الطبي والفني واللوجستي، وأنشأت لهذا الغرض عيادة طبية في داخل المركز للمتابعة".
وأضاف يعقوب لـ"وكالة القدس للأنباء":"الفكرة الثانية من المشروع، هي البحث عن طريقة مناسبة للتعامل مع الأهل، والتواصل معهم لأن أغلب المدمنين على المخدرات تكون مشكلتهم أسرية، وتبين بعد دراسات، إن المشكلة يبدأ في المنزل بالأساس، وكان سبب حالات أخرى المال، فبعض أهالي المدمنين يسخون بإعطاء المال لأولادهم، دون سؤالهم أو متابعتهم وجهة صرف أولادهم لهذا المال، حتى أن أم أحد المدمنين التي مرت عليه حالة الفطام، أخذته عند طبيب لمتابعة علاجه ولم تتواصل معي لمتابعة حالته وتقييم وضعه ".
وشرح مشرف المركز أن:" المريض يمر بعدة مراحل في العلاج: مرحلة ما قبل التأمل، وهي مرحلة لا يكون المريض يفكر فيها بالعلاج، ومرحلة التأمل عندما تتوفر أرضية التفكير بالعلاج والتخلص من الإدمان، وأثناء العلاج يصل المريض لمرحلة النكث بعد الحزم والعزم، وذلك بسبب صعوبة التخلص من تأثير مادة الهيرويين، لأنها متغلغلة في جسده، ونسبة نجاح هذه الحالات لا تزيد عن 10% وأقل من ذلك، فمن بين10 حالات ينفذ حالتين أو واحدة، وأحياناً لا ننجز شيئا وينكث مرة وإنثتين وثلاث، وهذا ليس فشلاً فالنكث جزء من دورة العلاج، وأنا أقوم بمتابعتهم بهذا الخصوص من خلال التقرب منهم حتى أكون معهم في حالة النكث، وحصلت حالة مع مريضِ متعافِ خرج من المركز إلى بيته ، ولكنه ما لبس أن إتصل بي يريد العودة إلى المركز لأنه وجد تاجر المخدرات أو المروج أمام بيته، وبالفعل قمت بإعادته إلى المركز خشية تعرضه لإنتكاث جديد والعودة إلى التعاطي".
وأكد يعقوب، أنه "لا يوجد بالمخيم تجار مخدرات بل يوجد مروجون لها، فالمروج يحصل على كمية قليلة من المخدرات من خارج المخيم حتى يؤمن كمية التعاطي الخاص به بالمجان، يحاول ترويجها بالمخيم ، فالقوى الأمنية بالمخيم قامت بعدة حملات بالمخيم، وإذا قارنا المخيم بمساحته وبالمقياس الديمغرافي بالمناطق المحيطة ونسبة الناس المتعاطية، منطلع صفر %، فالمشكلة هي عند القوى الأمنية اللبنانية ويجب القيام بحملة مداهمات لأوكار تجار المخدرات بالمناطق المحيطة بالمخيم والقضاء عليهم جذرياً، لأن المروج في المخيم يشتري المخدرات من تلك المناطق".
الصعوبات التي يواجهها العلاج
وقال القائم على مركز إنسان، نمر النمر بأن "المركز يعنى بمعالجة الشباب على مختلف أعمارهم من مرضى تعاطي وأدمان مخدرات، وذلك مجاناً نظراً للتردد الذي يصيب أي مدمن حينما يتجرأ بكامل إرادته للذهاب إلى العلاج الخاص، فيكتشف التكاليف الباهظة التي يتم طلبها من المراكز التي تهتم بهذا الشأن، لذلك إخترنا هذا المكان والزمان بمخيم برج البراجنة، حتى يكون العلاج ضمن المواصفات المطلوبة لمراكز الإدمان التامة ".
وأضاف:"كان التأسيس على شكل مراحل، بدأنا في غرفة بسقف زينكو على السطح، وكنا نعالج فيها فقط مرحلة الفطام عند المدمن، وبعدها قمنا بتوسيع المركز وحولناه من مركز فطام لمعالجة المدمنين على المخدرات إلى مركز تأهيل لرعاية الشباب، عدد المدمنين المتواجد في المركز يصل إلى 12 كحد أقصى ، وهذا الرقم معتمد لدى كافة المراكز المتخصصة في علاج الإدمان، حتى لا يكون هناك ضغط في المركز ينعكس سلباً على حالة المدمنين وراحتهم".
ورأى أن:"أكبر مشكلة نواجهها بعد مراحل الفطام والشوائب والفقدان وبناء الإنسان، هي مرحلة الحياة، فبعد التخريج يواجه المدمن الحياة بالشكل الطبيعي، ولازم يكون مؤمن له شغل، لازم يكون مؤمن له حياة كريمة خارج نطاق المركز حتى يستطيع التأقلم مع الحياة، وهذا عند المدمن الفلسطيني ليس موجوداً، وحاولنا نتواصل مع عدة مؤسسات في هذا الشأن ولكن للأسف لم نصل إلى نتيجة".
وأشار النمر إلى أن "نسبة شفاء المدمن في المركز 49%، وطالما يتجاوب مع الدكاترة والمعالجين النفسيين نصل إلى نتيجة 100% ، ولكن بمجرد خروج المدمن من المركز، تبقى نسبة إمكانية العودة للتعاطي 51%، فبالتالي مشكلة الحياة يجب أن تكون على عاتق الفصائل الفلسطينية، مجتمع المؤسسات العاملة داخل المخيم الـ(NGOS) للإهتمام بوضع المدمن وخروجه مجدداً إلى الحياة ".
وأكد أن "إنسان" هو المركز الفلسطيني الوحيد لعلاج الإدمان، ونحن نستقبل المدمنين من جميع الجنسيات وليس مقتصراً على علاج المدمن الفلسطيني، وقد قمنا باستقبال استاذ جامعي لبناني منذ فترة والحمد لله قطع فترة العلاج، وهو الآن يمارس حياته بشكل طبيعي".
ولفت النمر أن" نسبة نجاح علاج حالات الإدمان هي 51% ، ويعود سببها للإرادة الكبيرة لدى الشخص المدمن وقدومه من تلقاء نفسه للمركز لتلقي العلاج".
المتعافون من الإدمان يروون قصتهم
وقال المتعافي من الإدمان وهو حاصل على شهادة في إدارة الأعمال ، محمود علاء الدين(24 عاماً) من مخيم عين الحلوة، لـ"وكالة القدس للأنباء"، أنه لجأ إلى "مركزإنسان" منذ أربعة أشهر حتى يتخلص من مشكلة التعاطي لمادة الهيرويين ".
وروى علاء الدين قصة بداية تعاطيه عندما التقى بأصحابه الذين قدموا من اليونان إلى مخيم عين الحلوة، حيث طلب من أحدهم بأن يجربها، وبدأ يتعاطاها كل ليلة حتى أصبح مدمناً عليها، ويريد فعل أي شيء للحصول عليها وعندما شعر بالذل لرفض صاحبه بإعطائه جرعة، وأنه يريد مالاً مقابل الجرعة، قرر علاء الدين جدياً التوقف عن التعاطي وطلب من أهله حبسه في المنزل ومعالجته، وعندما عجز عن فعل ذلك، قرر المجيء إلى المركز لتلقي العلاج".
ويقول علاء الدين أن حياته تدمرت عندما بدأت مادة الهيرويين تضرب مكان الأعصاب في رأسه، فلم يهتم بمعمله، وكان كل همه الحصول على هذه المادة القاتلة، وهو ينصح الشباب بعدم الاقتراب منها، ومن أدمن عليها فليتركها ويأتي للمركز لتلقي العلاج، لأن اسمها شبهة في حد ذاتها ".
وأشار حسان محمد رحال(17 عاماً) من مخيم برج البراجنة وهو يعمل في مهنة الديكور والجفصين، إلى أنه بدأ تعاطي مادة الفريبيز(كوكايين وباز) منذ سنتين ، عندما التقى بصاحبه ووجده يفصل الكوكايين، وطلب منه تجربتها، وبدأ يتعاطاها كل يوم، ووقتها انحصر تفكيره بفعل أي شيء للحصول عليها، وأصبح يتعامل بطريقة هجومية مع أفراد أسرته وأصحابه والبيئة المحيطة به".
يتمنى رحال بأن ينتهي من هذا الوهم الذي أحاط به وخرب حياته منذ سنتين، وهو يريد الإنتهاء من فترة العلاج والعودة إلى المدرسة وإكمال مرحلة الثانوية التي تركها، بسبب سموم هذه المادة، والتي وصفها بالـ"القذرة"، ناصحاً الشباب بالإبتعاد عنها ومن جربها عليه تركها واللجوء إلى المركز لتلقي العلاج".
تظهر تجارب الشباب الذين وقعوا في شرك التعاطي بالمخدرات، حجم الكوارث النفسية والجسدية والاجتماعية التي لحقت بهم وبعائلاتهم، وتأثير ذلك على حياتهم وعملهم ومستقبلهم.
والنصائح التي وجههوها لبقية الشباب والأهل، لمحاربة هذه الآفة، دليل على حرصهم على مجتمعهم والاستفادة من الأخطاء التي ارتكبوها، والصمود في وجه الاغراءات واتباع المتورطين أو المروجين للمخدرات.
هذه النصائح أيضاً قائمة على أن الإنسان الفلسطيني يختلف بتوجهه وأسلوب حياته عن الآخرين، فهو إبن قضية وعليه أن يركز جلَ إهتمامه عليها، وبالتالي عليه أن يدرك أن أحد أبرز استهدافه يكمن في توريطه بالتعاطي والترويج للمخدرات من قبل الأعداء.
