/مقالات/ عرض الخبر

قوانين استعمارية همجية

2016/06/22 الساعة 12:38 م
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

راغدة عسيران

كلما اشتدت المقاومة وتوسعت، كلما انكمش العدو على نفسه وأطلق العنان لعنفه وهمجيته وكراهيته للشعب المقاوم. بذرة همجيتة متجذرة فيه منذ الولادة، أي منذ قدوم أولى المستوطنين الى أرض فلسطين لاستعمارها واستيطانها، وطرد أهلها، وذلك لأن أي مشروع استيطاني هو في الأساس منافي لكل القيم الإنسانية ويحمل كل أشكال العنف في طياته، الفردي والجماعي، المؤسساتي والمنفلت. والمشروع الصهيوني الذي يمثل قمة الهجمة الغربية على الوطن العربي لا بدّ وأن يكون في قمة الهمجية، لا سيما عندما يصطدم بمقاومة مستمرة، مقاومة شعب يرفض الخضوع والإنكسار، رغم تواطؤ المتواطئين وتخاذل المتخاذلين، من العرب والمسلمين، الى جانب الغربيين والشرقيين.

منذ إقامة الكيان الصهيوني، بمساعدة الدول الغربية والمجتمع الدولي، أصدرت مؤسساته المئات من القوانين الخاصة بالشعب الفلسطيني والشعوب العربية الرافضة لوجوده : قوانين لسرقة الأراضي بطريقة "شرعية" في كل مناطق فلسطين وضمّ أراضي عربية الى كيانه، قوانين لقتل بطريقة "شرعية" كل من يواجهه ويقف ضد مشروعه، قوانين لمنع الفلسطينيين من الإستفادة من أرضهم ومياهها وزراعتها وفقا لاحتياجاته، قوانين لمنع بناء منازلهم وتوسيع قراهم ومدنهم لتلبية احتياجات نموهم الطبيعي، قوانين لتدمير منازلهم وحرق أرضهم ومحاصيلها المخصصة في الحلم الصهيوني للاستيطان اليهودي. لقد صدرت قوانين لمنع لمّ شمل العائلات الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948 وفي القدس، إضافة الى عرقلة لمّ شمل العائلات الفلسطينية في قطاع غزة وباقي المناطق الفلسطينية. فتشتيت الشعب الفلسطيني الذي أحدثه الكيان خلال نكبة عام 1948 متواصل حتى الآن، وفي أدق تفاصيله، حيث العائلة الواحدة غدت ممنوعة، "شرعيا" وفق القوانين والأوامر الصهيونية، من العيش بكامل أعضاءها، في نفس المكان (من يذكر اليوم معاناة مبعدي كنيسة المهد، المشتتين بقرار المجتمع الدولي الداعم للصهاينة ؟).

أصدرت مؤسسات كيان العدو العشرات من القوانين تشرع قتل الفلسطينيين، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. صدرت قوانين خاصة بالمعتقلين، من "قانون شاليط" الى قانون التغذية القسرية، وقانون خاص يسمح بالتعذيب خلال التحقيق، وقانون يمنع أي عملية تبادل لأسرى فلسطينيين من أراضي 48، الى جانب الأوامر الأمنية والممارسات غير المشرعة من قبل مؤسساته، التي يمارسها منذ إقامة هذا الكيان، والتي تعتبرها المؤسسات الدولية والجمعيات الخاضعة لها "غير شرعية"، دون ان تتمكن حتى الآن من إيقافها أو الحدّ منها.

منذ إنتخابات الكنيست الأخيرة عام 2013، ووصول ما يسمى باليمين المتطرف، أي الصهاينة الأكثر همجية، الى الحكم في الكيان، يتسارع التشريع الصهيوني ليشمل كافة نواحي حياة الفلسطينيين : قوانين قمعية بحق الفلسطينيين، مثل قانون حظر الحركة الإسلامية في شقها الشمالي، قانون يشرع اقتحام وتهويد المسجد الأقصى وكان قد شرع الكنيست الصهيوني قبل ذلك تهويد العديد من المقدسات والأماكن الأثرية الفلسطينية، الى جانب مشاريع تهويدية واستيطانية لا تحتاج الى تشريعات خاصة، في كافة مناطق البلاد.

وقبل أيام، صدر ما سماه الكيان "قانون الإرهاب"، الذي اعتبره البعض من "أقسى القوانين التي ستفرض على الشعب الفلسطيني"، لا سيما من يقاوم ويتحدى الإحتلال وعنفه، في حين اعتبره آخرون "قانون عنصري"، على اعتبار أن القانون خاص بالفلسطينيين، لا يشمل المستوطنين اليهود. ولكن القانون الجديد لا يأتي بجديد من حيث الممارسة الوحشية والهمجية منذ إقامة الكيان، غير أنه قام بتشريع بعض هذه الممارسات، استندت أم لم تستند الى أوامر عسكرية. تعتقل اليوم المؤسسة الصهيونية من يكتب على صفحة التواصل الاجتماعي آراءه المؤيدة للمقاومة والرافضة للتهويد، دون أي تشريع صهيوني، ويقبع المئات من المعتقلين في السجون دون أي مبرّر، بحجة أنهم يشكلون خطرا على أمن الكيان، وتستطيع هذه المؤسسة إطالة مدة الإعتقال لسنوات دون أي تشريع من قبلها، وتستطيع تحويل انتهاء مدة الأسر الى اعتقال إداري، كما حصل مؤخرا مع القيادي في الجبهة الشعبية، بلال كايد. دمّرت الآلاف من المنازل، بحجج مختلفة، قبل تشريع تدمير منازل عائلات الفدائيين، واقتلعت الآلاف من عائلات القدس، قبل صدور تشريع يسمح باقتلاع عائلة فدائي مقدسي نفذ عملية ضد الصهاينة، من مكان سكنها وتشتيت أبناءها. ما يعني أن الممارسة الهمجية (الاعتقال والقتل والتدمير والتهجير) تسبق غالبا أي تشريع في الكيان الصهيوني. فالقانون لا يعني إلا محاولة إضفاء صفة قانونية لمن يعتبر أن هذا الكيان هو "دولة يحكمها القانون" وليس كيان تحكمه العصابات الاستيطانية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن وصف "قانون الإرهاب" الأخير بالقانون العنصري، إلا إذا توهّم البعض أن الكيان الصهيوني سيصبح يوما "دولة لجميع مواطنيه" يحكمها القانون، الدولي أو غيره، وأن المجتمع الدولي سيناهض القوانين الصهيونية لأنها منافية للقيم الإنسانية. ولكن انتخاب الكيان الصهيوني مؤخرا لرئاسة اللجنة القانونية الأممية، بدعم دول عربية وإسلامية، يشكل صفعة لكل تلك الأوهام.

فقانون "الإرهاب" الأخير ليس إلا قانون آخر يضاف الى قوانين سابقة أصدرها المستوطن، يشرّع بعض ممارسات القتل والقمع الحالية، محاولا ترهيب الشعب الفلسطيني ووصدّه عن المقاومة، كي تنطلق مشاريعه الاستيطانية والتهويدية دون معوقات، لا سيما بعد أن أمنّ صمت وتواطؤ المطبّعين العرب والمسلمين.

المصدر: وكالة القدس للأنباء

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/94519

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة