تشهد الساحة العربية في هذه المرحلة من تاريخها، تحولات استراتيجية خطيرة على وقع ما يجري من أحداث دموية مؤلمة في عدد من الدول العربية، وفي المقدمة منها سوريا، العراق، اليمن، مصر وليبيا.
وقد أظهرت هذه الأحداث التي أنتجت قتلاً وتهجيرا وتدميراً ممنهجاً على كل الصعد والمستويات، لم تشهد مثله المنطقة من قبل، وتحتاج الدول المستهدفة بهذه الأحداث الدموية لعقود عدة للخروج من آثارها ومآسيها، أن المستفيد الأكبر من كل ما جرى ويجري، آنياً وعلى المديات البعيدة هو العدو "الإسرائيلي" الذي تمَّ إخراجه وبشكل كلي من دائرة الصراع والمواجهة، واستبداله بعدو مفترض هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بحجة سعيها لامتلاك سلاح نووي قد تهدد به جيرانها من الدول الخليجية.
ووفق المنطق الذي حكم هذه الأحداث، وبشكل خاص في سوريا واليمن، انقسمت الدول والقوى السياسية العربية إلى محورين محكومين باتجاهين سياسيين مختلفين: ضمَّ الأول، دول "الجامعة العربية" وتركيا ومعهم المعسكر الغربي الأمريكي الأوروبي (ومن ضمنه كيان العدو الصهيوني)، دعم بالمال والسلاح والرجال معارضي النظام في سوريا؛ أما الثاني والذي وقف الى جانب النظام فقد اشتمل على إيران وبعض القوى السياسية اللبنانية والعراقية، إلى جانب روسيا الإتحادية ومجموعة دول "البريكس"...
في ظل هذا الواقع المأساوي، الذي يزداد سوءاً، وهذه الإصطفافات التي انعكست سلباً وانقساماً أفقياً وعمودياً على الشارع العربي والفلسطيني والإسلامي، كان لافتاً الدور السياسي المميز الذي لعبته "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، داخل فلسطين وخارجها، إنطلاقا من وعيها للمخاطر الآنية والمستقبلية على القضية المركزية للأمة، والتي ستنجم عن هذه الحروب العبثية التدميرية، التي قدمت للعدو الصهيوني فرصة ذهبية للإفلات من آثار هزائمها التي بدأت في مثل هذا اليوم من العام 2000 وتلاحقت في العام 2006 وأعوام 2012 و2014، ومآزقها السياسية والإقتصادية، واتساع موجات المقاطعة في أوروبا وأمريكا... كما أعطته الغطاء لتوسيع مخططاته الإستيطانية ومواصلة سياسات التهويد والصهينة التي تسارعت في القدس وفي قلب المسجد الأقصى المبارك، وتعزيز نهجه الفاشي العنصري الذي يستهدف كل ما هو عربي وفلسطيني على كامل الأرض المحتلة (48/67)...
إنطلاقاً من هذا الوعي العميق، والتزاماً بمبدأ أولوية الصراع مع العدو الصهيوني باعتباره الحلقة المركزية لصراع الأمة مع أعدائها، وأن فلسطين كانت وستبقى قبلة المجاهدين، وميدان كفاحهم واستشهادهم، دعت "حركة الجهاد الإسلامي..." منذ بداية الصراعات "الأهلية" لسلوك طريق الحل السياسي بين أبناء البلد الواحد، وتجنيب هذه البلاد، خاصة، والمنطقة، عامة، ويلات التدخلات الأجنبية، التي وجدت بما يجري ضالتها لتدمير طاقات الأمة وتفتيت مجتمعاتها وسرقة ثرواتها الطبيعية واستنزافها لعقود عدة... وبنفس الوقت يوفر الأمان والإستقرار لكيان العدو الصهيوني... مثلما كانت قد دعت ومنذ اندلاع الخلاف بين حركتي "فتح" و"حماس"، لسلوك طريق الحوار والمفاوضات لحسم الخلافات بين الحركتين الفلسطينيتين، وقدمت الكثير من المبادرات، وقادت الكثير من الحوارات واللقاءات لتقريب وجهات النظر وفتح أبواب المصالحة بين الطرفين.
وكان واضحاً، أن مواقف "حركة الجهاد الإسلامي"، تنبع من مفهومها ورؤيتها العميقة للصراع العربي الصهيوني التي أرسى أسسها الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي، التي شكلت مقياسها وميزانها الذهبي لنسج التحالفات، وإقامة العلاقات السياسية مع الدول العربية والإسلامية ومجموع القوى والحركات المقاومة، وعنوانها الثابت هو اقتراب هذه الدول وهذه القوى من القضية الفلسطينية أو ابتعادها عنها، ولا أي شيء آخر!..
لذلك لم يعرف تاريخها يوماً الإنزلاق في المعايير الطائفية والمذهبية، ولا المصالح الذاتية والآنية، ولا الإنغماس في الصراعات الجانبية، التي كان للساحة الفلسطينية نصيب وافر منها، وذلك حفاظاً على الوحدة الوطنية والمجتمعية، وصون القضية وحماية قواها المقاومة، وإطلاق أسر الشعب الفلسطيني السجين في قطاع غزة، وتعزيز صموده... رغم كل السهام التي وجهت إليها في فترات عدة، والمصاعب التي واجهتها ولاحقتها جراء سياسة النأي بالنفس عن كل الصراعات البعيدة عن فلسطين وقدسها ومسجدها المبارك... وظلت ثابتة على مبادئها ومنطلقاتها مثبتة بوصلتها على صدر العدو الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين...
وانطلاقا من كل تلك الثوابت والمواقف الواضحة والصريحة، تواصل حركة "الجهاد الإسلامي" دورها وتحركها على أكثر من مستوى وصعيد لإنهاء حالة الإنقسام القائمة في الساحة الفلسطينية منذ نحو عشر سنوات، وتبذل كل ما في وسعها مع الدول والقوى المؤثرة والفاعلة لوضع حد لهذا الصراع الأخوي، بما يخدم القضية الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني وصموده... غير عابئة بما يروج من مشاريع تسووية ومبادرات، تحاول الجهات الفاعلة هنا وهناك تذليل العقبات من أمامها، وبشكل خاص محاصرة قوى المقاومة أو ما تبقى منها، وإسقاط نهجها.
وفي هذا السياق تجيء تحركات واتصالات وفد "حركة الجهاد الإسلامي" باتجاه القاهرة اليوم، وطهران بالأمس، لتضيء على الدور الهام والمحوري الذي تؤديه حركة تضع نصب أعينها فلسطين أولا وأخيراً... ولن تنفع كل المهاترات الإعلامية والسهام السامة التي تملأ الصحافة الصفراء في ثني الحركة عن دورها أو حرفها عن خط سيرها ووجهتها الفلسطينية.
سمير أحمد/أمين فرع الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين في لبنان
