كأن دولة الاحتلال «الإسرائيلي» باستيلائها وضمها للأراضي الفلسطينية في سباق مع الزمن. لم يسبق في أي مرحلة ووقت بعد احتلال 1967 أن كانت مصادرة الأراضي والاستيلاء عليها بهذا التسارع وبهذا التغول وبهذه الفجاجة ووقاحة المبررات.
لا يكاد يمضي أسبوع تقريباً إلا وتعلن دولة الاحتلال عن مصادرة وضم آلاف الدونمات في مناطق مختلفة من الضفة الغربية وبشكل خاص في القدس والمناطق المحيطة بها، ثم في الأغوار.
من الأمثلة:
الاستيلاء منذ احتلال 1967 وحتى الآن على 77.5% من مجموع أراضي الغور باعتبارها خط الدفاع الشرقي عن دولة الاحتلال. والاستيلاء على4000 دونم من أراضي بيت لحم مرة واحدة لخلق تواصل جغرافي بين مستوطنات غوش عتصيون، وقبلها الاستيلاء على 2000 دونم من أراضي «يطّا». والاستيلاء على 2800 دونم في منطقة أريحا وعلى 1400 دونم في جنوب نابلس. وقرار الاستيلاء على 1200 دونم تمتد من أراضي القدس الشرقية إلى البحر الميت.
بالإجمال، فمنذ العام 1967 تم الاستيلاء على 41.9% من مجموع أراضي الضفة الغربية، حسب منظمة "بتسيلم" "الإسرائيلية".
لقد ظل الاستيلاء على الأرض وضمها على كل مساحة الوطن الفلسطيني، وفي المناطق والدول المجاورة هدفاً ثابتاً ومستمراً وعنصراً مركزياً في صلب العقيدة الصهيونية.
البداية كانت بعيد قيام دولة الاحتلال، حينها بالاستيلاء الواسع على الأرض بإزالة نحو 540 قرية من منطقة 1948 وتهجير أهلها ومصادرة أراضيها لغايات تثبيت احتلالها وتوسيع مساحة سيطرتها وخدمة مشاريعها الإسكانية والاستثمارية والأمنية، والبداية مستمرة وتتوسع. أما بالنسبة للدول المجاورة، فما أعلنه نتنياهو مؤخراً حول أبدية بقاء الاحتلال في هضبة الجولان السورية المحتلة، مثل كافي الدلالة.
كانت دولة الاحتلال تتذرع وتبرر مصادرتها وضمها للأراضي بالضرورات العسكرية أو الاحتياجات الحيوية، لأن القانون الدولي كان ولا يزال يعتبر أراضي الضفة تحت الاحتلال ولا يجوز التصرف بها بأي شكل. في السنوات الأخيرة لم تعد دولة الاحتلال تشعر بالحاجة للبحث عن تبريرات وتفسيرات للمصادرة والضم، رغم أن هذا الفعل يتعارض تماماً مع الموقف الدولي وقوانينه وقراراته.
الثابت أن استيلاء دولة الاحتلال على الأرض وضمها يتوافق ويسير بالتوازي وبنفس التسارع مع مسار حركة الاستيطان التي تشهد تغولاً هي الأخرى. الاستيلاء على الأرض وضمها يخدم بالدرجة الأولى والأساسية حركة الاستيطان. إن أي دراسة لنسبة تزايد الاستيلاء على الأرض وضمها ستظهر أنها تتوازى إلى حد كبير مع نسبة تزايد الاستيطان، سواء كان ذلك ببناء مستوطنات جديدة أو توسيع مساحات ما هو قائم، أو بناء وحدات سكنية جديدة. وإذا كان هناك مساحات صودرت ولم تذهب مباشرة إلى الاستيطان، فإنها تذهب لخدمة تواصله وأمنه، أو لحماية أمن حدود دولته، كما هي الحال في منطقة الأغوار المحاذية للحدود مع الأردن.
أصبح واضحاً، أن هذا التسارع غير المسبوق في سرقة الأرض يتغذى وينتج عن توافق لافت من قبل أغلبية طاغية في المستويات الرسمية والحزبية والمجتمعية في دولة الاحتلال تجاهر برفض حل الدولتين لإفشال أي مبادرة أو مسعى لأي حل سياسي من أي مصدر أتى. وهو توافق قائم على التمسك المبدئي بدوام الاحتلال ورفض التخلي والانسحاب من أي شبر من الأرض المحتلة.
بعد هزيمة 1967 وسيطرة دولة الاحتلال على كل الضفة الغربية، أصبح الاستيلاء على الأرض وضمها لا يقوم على البعد السياسي والعقيدة الصهيونية فقط، بل أخذ يكتسب بعداً إضافياً يتساوق مع البعد السياسي ويوفر له قاعدة وخلفية ومرجعية، هو البعد الديني التوراتي الذي أخذ يتعمق وينتشر بتسارع يسبق قرارات الجهة المعنية بالاستيلاء والضم.
البعدان السياسي والديني المذكوران حاولا معاً، البحث في الحفريات الآثارية والتنقيب في آثار الممالك اليهودية القديمة في محاولة يائسة لاكتشاف ما يعزز روايتهم التوراتية / الصهيونية. وفي عملية البحث هذه أباحوا لأنفسهم التعدي على مقدسات إسلامية ومسيحية. ورغم كل ادعاءاتهم وليهم لعنق الحقائق فقد فشلوا فشلاً ذريعاً في إقناع العالم بأي رواية لهم أو تقديم أي برهان حسي حقيقي ومقبول لروايتهم.
إن البعد الديني بتفاعله مع البعد السياسي الصهيوني كانا وراء تكثيف الاستيلاء على الأرض وضمها في القدس والمناطق المحيطة بها، وفي الوقت نفسه وراء تكثيف الاستيطان فيها وزيادة عدد مستوطناتها وتضخيمها، وكانا الأساس وراء قرار ضم القدس وإعلانها عاصمة أبدية لدولة احتلالهم على الرغم من رفض العالم لهذا القرار وعدم التعامل معه.
الاستيلاء على الأرض وضمها، ورغم تركيزه على القدس والمناطق المحيطة بها، إلا أنه تمدد وشمل جميع مناطق الضفة الغربية.
أما منطقة ج (C) بتصنيفات اتفاقات أوسلو والتي تشكل ما نسبته 60% من مجموع مساحة أراضي الضفة الغربية فقد ظلت كما نصت تلك الاتفاقات رهينة تحت السيطرة الأمنية والإدارية لدولة الاحتلال. وقد حرصت دولة الاحتلال منذ الاتفاق على منع البناء العمراني الفلسطيني فيها أو إقامة المشاريع الكبيرة، أو التوسع بالشوارع والمرافق العامة الضرورية فيها. وحرصت على أن تبقى باستمرار صاحبة القرار في التقسيمات الإدارية وفي كل أمر يتعلق بحياة أهل الأرض وسكنهم وحركتهم وتطورهم الإداري والاقتصادي وعلاقتهم بأرضهم واستثمارها. كما ظلت ترفض أي اتفاق يغير وضع هذه المنطقة ويلحق أياً من أجزائها بالسيطرة الأمنية أو الإدارية للسلطة الوطنية الفلسطينية.
وبهذا الشكل من السيطرة ومن الإجراءات ظلت المنطقة (ج) طوال تلك السنين وحتى الآن احتياطاً لدولة الاحتلال تستوطنه بشكل منفلت من كل عقال حتى أصبحت نسبة السكان الفلسطينيين فيه أقل من 20% .
في كل ما تقدم عن سياسة التسارع غير المسبوق بالاستيلاء على الأرض وضمها، كما في كل سياساتها، فإن دولة الاحتلال تستفيد إلى أقصى الدرجات من حال الضعف الذي يعيشه النظام العربي بشكل عام وانشغاله حتى الانهماك بالمشاكل المؤلمة التي تحصل في عدد من دوله ما يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية.
من الواضح أن دولة الاحتلال بمؤسساتها المختلفة والأغلبية الطاغية من أحزابها وقواها المجتمعية ومواطنيها قد حسمت خياراتها بالنسبة للعلاقة مع قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه بلاءات أصبحت واضحة جداً، من أهمها: لا للانسحاب من الأراضي المحتلة.. لا لدولة فلسطينية بأي شكل.. لا لأي قيود من أي جهة على حريتها في الاستيلاء على ما تريده من أرض فلسطين وضمه.. لا لعودة اللاجئين.. لا لرفع الحصار عن قطاع غزة.. لا لأي مؤتمر دولي حول الصراع الفلسطيني الصهيوني.. لا لأي مساعٍ وحلول دولية..الخ.
صحيفة الخليج الإماراتية / صادق الشافعي