/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

فلسطيني يطوّر الساعة الشمسية: الطموح لا يعرف نهاية!

2016/04/29 الساعة 10:56 ص
فلسطيني يطور الساعة الشمسية
فلسطيني يطور الساعة الشمسية

وكالة القدس للأنباء - خاص

هو ليس بمحمود درويش، الشاعر الذي خطّ بقلمه أجمل العبارات عن بلده، وليس بإدوارد سعيد، ذلك المفكر السياسي الذي تألق وأبدع في مجاله، أو حتى بعالم فيزياء وذرة، كمنير نايفة، وغيرهم من "مشاهير" الأدباء، الشعراء، العلماء والمفكرين. ولكن هو مثلهم في الهوية والانتماء، مثلهم في حبّه للعلم وللمعرفة ويستحق أن يندرج اسمه على قائمة "المشاهير الفلسطينيين".

مرضي يوسف غضبان، هو ابن القرية الفلسطينية "شعب"، الواقعة في قضاء عكا، وُلد في لبنان سنة 1957 في كنف عائلة بسيطة مؤلفة من ستة ذكور وأنثيان.كان والده يعمل في الزراعة، ويعاونه أولاده من أجل توفير أجرة العمّال.

تلقى مرضي علومه الابتدائية في مدرسة المقاصد (المرج) لينتقل بعدها لمدة سنتين إلى مدارس الأونروا. بعد ذلك انتقل من مدرسته الأخيرة إلى مدرسة الأخوة الوطنية، ليتابع  دراسته المتوسطة. وفي ذلك الوقت، اضطر والده المزارع، إلى بيع ما تمتلكه زوجته من حلي، لكي يتمكن من تسجيل ابنه في المدرسة الإنجيلية ليتلقى علومه الثانوية. وخلال الحرب الأهلية،  ونظراً للأوضاع الصعبة التي عاشها لبنان آنذاك، أقفلت المدارس أبوابها، عندها راح مرضي يعمل في تنظيم الفواتير لمشغل خضار، لكي يساعد عائلته في المصروف.  وعندما عاد الاستقرار إلى المنطقة، وفتحت المدارس أبوابها من جديد، تابع مرضي دراسته في ثانوية جب جنين الرسمية.

كان هذا الشاب الفلسطيني طموحاً، فأراد أن يدخل كلية الهندسة في جامعة بيروت العربية، ومع ارتفاع الأقساط الجامعية في ذلك الوقت، اضطر مرضي أن يعمل خلال العطلة الصيفية، في محل خضار، ولمدة عشرين ساعة في اليوم، ليتكمن من دفع التكاليف الباهظة، والتي استمرت لمدة خمس سنوات.

في سنة 1982 حصل مرضي على شهادة البكالوريسفي الهندسة الكهربائية، اختصاص " قوى" من الجامعة العربية في بيروت،  وكونه فلسطيني الهوية، كانت فرص العمل المتاحة أمامه ضئيلة جداً في لبنان وخارجه، لهذا فتح شغله الخاص في كاراج  " للف الموتورات" سنة 1983، واستطاع بإصراره وحبّه للعلم اكتساب الخبرة العملية بمفرده، لأن مختبرات الجامعة كانت قد استهدفت من قبل العدو الإسرائيلي أيام الاجتياح. ولأن الصدق والأمانة كانوا من شيمه، بقي مرضي مستمراً في مصلحته حتى اليوم.

ومع افتتاح كلية الشريعة في الأزهر في البقاع، أحب مرضي أن يزيد من معرفته، فانتسب إليها ونال شهادة في الشريعة سنة 2004.ونظراًلتردي الأوضاع الأمنية في البلاد عام 2006، تراجعت حركة العمل وزادت ساعات الفراغ، عندها شغل وقته في مراقبة حركة القمر ووضع العديد من القراءات، وفي تلك الفترة انضم مرضي للمشروع الإسلامي لرصد الأهلّة، وتمكّن من انجاز ما يسمى بكرة النجوم عام 2007 والتي تدل على مواقع المجموعات النجمية وأسماء نجومها الشهيرة.

بعد ذلك وسّع مرضي آفاق المعرفة لديه، فعمل على مراقبة حركة الظل وتحديد أوقات الصلاة من خلاله، الأمر الذي ساعده على الانضمام لجمعيات فلكية، منها الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك عام 2008. وفي السنة نفسها عمل على تطوير الساعة الشمسية التي تحتوي على 33 معلومة فلكية تختصر على الطلاب دروساً كثيرة في مادة الجغرافيا، وأضاف إليها معلومات لم توجد في أي ساعة عملت من قبل، وبناء على هذا، حصل على براءة اختراع من وزارة الاقتصاد في عام 2014،وتمّ وضع هذه الساعة في مركز الأزهر في البقاع كأثر علمي.

ومع دراسته للهندسة والشريعة من جهة، واهتمامه بحركة القمر والظل من جهة أخرى، تمكّن مرضي من تحضير رسالة الماجستير سنة 2011 بعنوان" رؤية الهلال بين الشرع والحساب" ونال على تقديرممتاز. وبعد ستة شهور من نيله شهادة الماجستير، طمح إلى المزيد، فعمل على موضوع جديد لرسالة الدكتوراه وكانت بعنوان "الفلك في القرآن الكريم" فوجد أن هناك 500 آية قرآنية تتحدث عن علم الفلك وبيّن أن القرآن الكريم لا يدل على وجود نهاية لهذا الكون بل ما سيحصل هو تغيّر في نظامه، وحصل مرضي على الدكتوراه سنة 2015 بتقدير جيد جداً.

في السنة ذاتها بدء الشيخ الغضبان بإعطاء العديد من المحاضرات والدورات وعقد الندوات الدينية وندوات  متعلقة بعلم الفلك ووضع مقرّراً بعنوان "الفلك الشرعي"الذي يدرّس لأول مرة في لبنان، وانضم أيضاً إلى مركز الفلك الدولي، فضلاً عن اللوحات التي عمل عليها، وحدد من خلالها  الخسوف، والكسوف، ومواقيت الصلاة، والأشهر القمرية، من سنة 2015 وحتى سنة2048.

والجدير ذكره أن الشيخ مرضي أقام العديد من المعارض في علوم والآت الفلك في الأزهر،وعُمان والإمارات.وفي 28 أيار من هذا العام، سيشارك في مؤتمر في إسطنبول يهدف إلى توحيد التقويم الهجري وتوحيد بدء الصوم عالمياً، وذلك بسبب الإشكاليات التي تحصل في كل عام. 

وفي حديثه مع وكالة القدس للأنباء، قال مرضي إن الصعوبة التي واجهها في حياته، تكمن في قلة فرص العمل المتاحة أمامه وعدم استطاعته دخول نقابة المهندسين، أو الحصول على إجازة عمل شرعية تخوّله العمل في أي مؤسسة رسمية، مؤكداً أن هذه الصعوبات يواجهها أي طالب فلسطيني أينما وُجد وأينما حلّ في لبنان، فالفلسطيني المقيم في لبنان منذ ثمانية وستون سنة ما زال حتى الآن يُعامل معاملة الغريب، في حين أن فرص العمل متوفرة أمام الأجانب أو من يحمل أي جنسية أخرى.بالإضافة إلى ذلك، فإن الشيخ الغضبان لم يحصل على أي منحة جامعية أو مساعدة مادية من أي جهة، لأنه رفض الانضمام إلى أي تنظيم أو حزب يقدم المنح للأفراد المنتمين إليه.

أما عن إنجازاته العلمية، فقال لنا إنها تطلبت منه وقتاً ومجهوداً كبيراً، مشيراً إلى أن التكاليف المادية لإنجاز هذه المشاريع كان يدفعها من جيبه دون مساعدة أي جهة أخرى.

وفي سؤالنا له، عن واقع المبدعيين الفلسطينيين في لبنان، أجاب أنه لا يوجد أي إهتمام بأي مبدع فلسطيني في لبنان ولا بإنجازاته، متمنياً  أن يتم تبنيهم في إطار وطني فلسطيني ،كماهوالحال مع الطفل الفلسطيني الذي صنّف كأصغرعالِم في العالم وتبنته بريطانيا،بسبب النظريةالحسابية التي وضعها، وأن يتم جمعا المبدعين الفلسطينيين، من مختلف المجالات، وتعقد بينهم اللقاءات والاجتماعات الدائمة، لتشجيعهم على تقديم مزيد من الإبداع، مشيراً أن الشعب الفلسطيني لا يخلو من المبدعين.

لم يتوقف طموح الشيخ مرضي غضبان بعد، بل مازال يرغب في تعلم أصول اللغة العربيةمن نقطة الصفر، وحتى الآن مازال يقرأ، يبحث ويفتش في الكتب بحثاً عن مزيد من العلم. وختم حديثه قائلا ً: "ما في نقطة على السطر للطموح."

هو رجل دين وعلم، قدّم الكثير،وما زال يسعى نحو المزيد، وأكد أن العلم لا يوقفه عمرٌ. هو فخرٌ لنا ولشعبنا الفلسطيني، الشعب الذي سُلبت منه أرضه، ولكن من المستحيل أن يُسلب منه سلاح العلم والمعرفة.

 

 

 

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/91867

اقرأ أيضا