وكالة القدس للأنباء – خاص
عندما ظنوا أن أبواب الحياة أقفلت في وجههم، فتح لهم باب رعاية جديد، وعندما ظنوا أن ذاكرتهم الفلسطينية بدأت تضعف، أعيد تنشيطها من خلال القراءة والكتابة وتذكر رحلتهم الماضية، وعندما ظنوا أن يد الحنان تراجعت عن احتضانهم وجدوا من يعوضهم عن ذلك بتقديم العون والمساعدات الممكنة، في المقابل قدَم البعض منهم نتاجاً لإثبات الذات وزيادة المساعدة.
هذا ما يمكن أن يلخصه أي زائر لـ "دار الشيخوخة النشطة" في مخيم برج البراجنة. فالمسنون أسرة واحدة وقلب واحد، تجمعهم الأماني والأفكار والرؤى الواحدة.
"وكالة القدس للأنباء" التقت المشرفين عن هذه الدار والمسنين الذين يترددون عليها، للاطلاع على مزيد من التفاصيل، فأوضحت مديرة الدار السيدة سحر سرحان لـ "وكالة القدس للأنباء"، أن " الهدف من تأسيس الدار في سنة 2006 وفي مخيم نهر البارد سنة 2008، هو استقطاب الفئة المستهدفة المهمشة من المسنين التي ليس لها معيل كالأرامل و الذين كبروا بالسن ولم يتجوزوا ناهيك عن الحالة الإقتصادية والإجتماعية التي يعاني منها المسن."
تكوين أسرة ثانية
وأضافت:" يعتبر الدار الأسرة الثانية للمسنين، ونقوم بفتحه الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة الثالثة عصراً، ويأتي المسنين الساعة العاشرة ومن الساعة العاشرة والنصف حتى الساعة الثانية عشر والنصف نقوم بعدة برامج ومنها : برامج حركية، برامج ذهنية وترفيهية وإحياء المناسبات الدينية والوطنية بالإضافة إلى المسابقات، وكل برنامج له هدف معين ونقوم أيضاُ بنشاطات شهرية منها "الطبق المميز" ،"حبة البركة" ،"اللقمة الطيبة" و"لقاء الأجيال"، ونرسل المسنين إلى الحاج والعمرة كل سنة، حيث أرسلنا عدداً كبيراً منهم إلى الحاج والعمرة في السنوات الماضية وسنرسل عشرين شخصاً للعمرة في 15 الجاري بدعم من رئيسة " دار الشيخوخة النشطة"، السيدة ملك النمر وبعض الداعمين من أصحاب الخير."
وتابعت:" يبلغ عدد المسنين القاطنين في هذا الدار الستين مسناً ومسنة وفي نهر البارد يوجد سبعين مسناً ومسنة ويوجد مسنين لا يستطيعون الحركة حيث نهتم بهم بشكل كامل، ونقوم باستئجار البيوت لهم ونرسل لهم وجبات الطعام، ونقوم بالإهتمام بهم بكل شيء من حيث المأكل والمشرب والملبس والنظافة والرعاية الصحية، ونحن غيرنا فكرة النظر إلى المسن بنظرة الشفقة، لأننا نعتبره المرجعية ونقوم بإشراكه بكل النشاطات للإستفادة من خبراته، ففي بعض النشاطات الزراعية في نهر البارد، استعنا بخبرات رجل مسن يبلغ من العمر خمسة وتسعين عاماً حيث أرشدنا على طريقة الزرع وبالفعل بعد أربعة شهور أثمرت الشتلة بشكل جيد."
وأشارت :" تختلف أعمار المسنين القاطنين في الدار ومهارتهم عن مسني نهر البارد بسبب طبيعة الأرض، واهتماماتهم الشديدة بالزرع، ففي هذا الدار تصب إهتماماتهم بالأشغال اليدوية والتطريز والتفصيل وشغل الكنفة والحفاظ على القطبة الفلسطينية، أما في نهر البارد فكون المسنين فلاحون فهم يهتمون بالعمل بالأراضي والفلاحة، و يرتكز غذائهم على الزرع لذلك نجد فئة أعمار المسنين أصغر من مسني نهر البارد حيث تناهز أعمارهم التسعين سنة."
وقالت:"بالإضافة إلى الإهتمام بالمسن الفلسطيني، نقوم بالإهتمام بالعرس الفلسطيني لإحياء العرس الفلسطيني، حيث نختار فلسطينيين مخطوبين نقوم بتزويجهم لمساعدتهم على اتمام الزواج بخطوات سريعة، على طريقة العرس الفلسطيني حيث تزين العروس والعريس على الطريقة الفلسطينية بكل تفاصيله من ناحية الزفة "إحلق يا حلاق"، وطريقة استقبال العريس والذهاب إلى بيت العروس وغيره من أمور."
وختمت:" ما ينتجه المسن من مطرزات ووجبات طبخ نعود بتوظيف هذا الدخل في الرعاية الصحية والطبابة والإستشفاء، فلا يوجد دعم خارجي لهذه الدار، فإذا الأونروا وفرت ضمان الشيخوخة للمسن الفلسطيني تكون قد خففت الكثير من العبء عن كاهلنا، فنحن نعتبرهم أهلنا وهم الجيل الأخير الشاهد على نكبة فلسطين."
العمل على تنشيط الذاكرة
وقالت المنشطة في "دار الشيخوخة النشطة"، نوال الجمل:" أقوم بمتابعة المسنين ومواكبتهم بكل مشاكلهم وأمراضهم ونشاطاتهم، بتكثيف النشاطات الذهنية والنشاطات اليدوية والتي من خلالها نحاول دائماً أن نبقيهم بحيويتهم، فنشاطات محو الأمية والنشاطات الرياضية تساعدهم على التركيز وتنشيط الذاكرة، بقراءتهم وكتابتهم التي تركوها وهم أطفال في الصفوف الأولى، وأصبح لديهم ثقة بنفسم بأنهم عادوا إلى الكتابة التي تركوها منذ عشرات السنوات، وكما أطلب منهم بأن يكتبوا مواضيع إنشاء لكي يصبح لديهم قدرة على التعبير، وطريقة الدرس تتم عن طريقة اللعبة و"لقاء الأجيال" حيث أطلب منهم مساعدة أطفال نأتي بهم إلى الدار، بتلوين الرسومات وكتابة الحروف، وأما من ناحية النشاطات الحركية فنقوم بإرسالهم كل يوم ثلاثاء إلى نادي "مجيدو" في المخيم كي نبقيهم بحيوية ونشاط، والمسن الذي لا يستطيع الحركة في استخدام الأدوات الرياضية نطلب منه فقط الذهاب إلى النادي، ونكون بذلك ساعدناه على الحركة بالذهب إلى هناك."
وأضافت:" أصبح لدى المسنين شخصية لافتة في مجتمعنا الفلسطيني داخل المخيم، حيث أصبح لديهم القدرة على المشاركة في العمل الجماعي، ما إنعكس إيجابياً على نفسيتهم، فهم يتصرفون كأسرة واحدة داخل الدار، لأنهم يتعاملون مع بعضهم بأريحية تامة لم يجدوها بين أبنائهم، وهناك نقطة لافتة في طريقة التعامل مع المسنين حيث نسعى جاهدين في تلبية كل طلباتهم في كل النشاطات التريفهية واختيار الأكل ، ففي كل أول سنة نجتمع معهم ونسألهم عن أمنياتهم لتحقيقها، فبعضهم طلبوا الذهاب إلى السنما ولصعوبة الذهاب إليها جلبنا شاشة سينما إلى الدار، وكل واحد يختار الفيلم الذي يريد، وأيضاً في العاصفة الأخيرة لبينا طلباً لهم بإقامة نشاط تحدي العاصفة الثلجية حيث قاموا بصنعٍ تمثال "رجل الثلج يتحدى العاصفة ديمتري".
وختمت:" نساعد المسنين من خلال هذه النشاطات على التقليل من هاجس "التبرك" لديه، وتجعلهم أكثر حيوية ونشاطاً في إكمال مرحلة الشيخوخة، كما أن "لقاء الأجيال" يساعد على تنشيط ذاكرتهم، فبإرسال الأطفال إلى الدار نراهم يحتضنوهم ويرجعون بالذاكرة إلى أيام فلسطين من خلال حديثهم لهم عن أيامهم في فلسطين، وعن ضرورة العودة إلى فلسطين."
وقالت المسنة في "دار الشيخوخة النشطة"، ليلى مغربي من مدينة عكا:" أنا مبسوطة كتير بين أهلي وناسي بالدار ونلقى معاملة جيدة من قبل القائمين والمشرفين على الدار، حيث يقوموا بتعليمنا القراءة والكتابة والطبخ ويقمون لنا نشاطات ورحلات ترفيهية حيث كنت وحيدة وأشعر بالوحدة في منزلي فلا يوجد لدي أحد في هذه الدنيا، وهذه السنة السابعة في هذه الدار وأشكر كل العاملين فيها على تأمينهم كافة الرعاية والدعم النفسي والمعنوي."
واعتبرت المسنة حليمة أحمد بدوي، من بلدة الكابري، أن "هذه الدار هي الأسرة الحقيقية لأنني وجدت الراحة والطمئنينة والأمان فيها، وتعلمت التفصيل والتطريز وأشياء كثيرة فيها، بعد وفات والدتي منذ ثلاث سنوات أصبحت وحيدة ، وعندما جئت إلى هنا تغيرت حالتي إلى الأحسن وأصبح لدي أصدقاء كثر أعزهم أكثر من أقربائي، وأتمنى أن أبقى هنا لحسن المعاملة التي نلقاه من قبل المشرفين ولأنني أيضاً أتعلم الكثير خلال تواجدي في هذه الدار العزيزة."
وأشارت المسنة مريم عبد العال من بلدة الغابسية، إلى " أنني تعلمت أشياء كثيرة، تعلمت الصبر وطولة البال منذ قدومي إلى هذه الدار منذ أربع سنوات ولن يتسن لي تعلم القراءة والكتابة في حياتي ولكن في هذه الدار أصبحت أجيد الكتابة والقراءة بفضل المشرفين الذين يهتمون بنا بكل شيء ويسهرون على راحتنا، وتعلمت التطريز بالإبرة والتفصيل، ونحن هنا عائلة واحدة فإذا غابت أخت لنا عالدار نهم بالإستفسار عنها ونذهب للإطمئنان عن صحتها، وأشكر القيمين والمشرفين على تلبية طلباتنا في كل شيء فطيلة شهر رمضان يأخذوننا للإفطار في المطاعم، بعد أيام سوف يرسلنني إلى السعودية لأداء مناسك العمرة."
وقالت المسنة سهى سليس، من مدينة عكا :" أنا مريضة بمرض السرطان ولم أستطع أن أتجاهل المرض في منزلي حتى جئت إلى هذا الدار تحسنت نفسيتي واستطعت التغلب على مرضي، فكل شيء منظم هنا والمشرفين يؤمنوا لي الراحة والرعاية والطبابة والإستشفاء وكل الخدمات التي أريدها، فهم لا يبخلون عليَ بشيء وأدعو الله أن يوفق كل الداعمين والمشرفين على هذه الدار."