وكالة القدس للأنباء - خاص
يتوقف السياسيون والمحللون والمجاهدون والناشطون مرارًا عند الإنتفاضة الفلسطينية التي تفجرت في التاسع من كانون الأول العام1987م، التي تحل ذكراها الثامنة والعشرين اليوم، من حيث قدرتها على تحريك الماء الراكد في قضيتنا الأولى.. حينها توقف الزمن ليقرأ تغييرًا بارعًا أذهل العالم كله.. وفاجأ الأجهزة الإستخبارية الصهيونية على تنوعها وتشعبها، مثلما فاجأ قادة العدو السياسيين والعسكريين... بقدر ما فاجأ النظام العربي الرسمي الذي كان يعد العدة لتوسيع نهج "كامب ديفيد" التسووي.
شرارة الإنتفاضة
اندلعت شرارة الإنتفاضة الفلسطينية الأولى في الثامن من كانون الأول ديسمبر 1987م حينما كانت حافلات تقل العمال الفلسطينيين من أماكن عملهم "في الكيان الصهيوني" عائدة مساءً إلى قطاع غزة المحتل، وبينما هي على وشك القيام بوقفتها اليومية المقيتة أمام الحاجز الصهيوني للتفتيش داهمتها شاحنة عسكرية صهيونية، مما أدى إلى استشهاد أربعة عمال وجرح سبعة آخرين (من سكان مخيم جباليا في القطاع) ولاذ سائق الشاحنة العسكرية الصهيونية بالفرار على مرآى من جنود الحاجز.
أحداث الانتفاضة
صبيحة اليوم التالي اندلع بركان الغضب الشعبي، من مخيم جباليا حيث يقطن أهالي الضحايا الأبرياء ليشمل قطاع غزة برمته وتتردد أصداءه بعنف أيضاً في الضفة الغربية المحتلة، وذلك لدى تشييع الشهداء الأربعة، وقد شاركت الطائرات المروحية قوات الاحتلال في قذف القنابل المسيلة للدموع والدخانية لتفريق المتظاهرين، وقد استشهد وأصيب في ذلك اليوم بعض المواطنين، وفرضت سلطات الإحتلال نظام منع التجول على بلدة ومخيم جباليا وبعض الأحياء في قطاع غزة.
يوم الخميس في 10/12/1987م تجددت التظاهرات الشعبية والإشتباكات مع قوات العدو، حيث عمت مختلف مدن وقرى ومخيمات الضفة وقطاع غزة في أكبر تحدٍ لسلطات العدو وإجراءاتها التعسفية والقمعية ضد أبناء الشعب الفلسطيني.
وقد واجه أبناء شعبنا في الضفة وقطاع غزة رصاص قوات العدو بصدورهم العارية، وأمطروا جنود العدو الذين تمترسوا بسياراتهم المدرعة بالحجارة والزجاجات الفارغة وقنابل المولوتوف، مما أدى إلى استشهاد وإصابة العديد من المواطنين برصاص جيش العدو.
وفي قطاع غزة تحول الصدام بين الجماهير وقوات العدو إلى معركة حقيقية حيث كانت المدينة مغلقة تماماً، والطرق مسدودة بالمتاريس، وجميع المدارس والجامعات علقت الدراسة، والشوارع يملؤها الحطام، والدخان الأسود المنبعث من الإطارات المحترقة، ورفع المتظاهرون الأعلام الفلسطينية وصور الشهداء، وتعالت الهتافات المنددة بالعدو وقمعه وبطشه، وقد اعترف ناطق باسم جيش العدو واصفاً ذلك اليوم المتأجج قائلاً: أن "قنبلة مولوتوف ألقيت على عربة عسكرية وأن الأمور ساخنة جداً"
و يوماً بعد يوم، تصاعدت اعمال الانتفاضة حيث تصدى الشعب الفلسطيني بأكمله بجسده ودمه لكل آلة القمع والوحشية الصهيونية، ويومياً سطرت الجماهير الفلسطينية آيات من المواجهة البطولية للمحتلين، وسقط الآلاف من الشهداء والجرحى من أبناء فلسطين في أضخم انتفاضة جماهيرية عارمة شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنوات طويلة، بل شهدها العالم الحديث وأطولها، حيث أخمدت نيرانها بعد توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم.
القوى العاملة في الانتفاضة
مع اتساع نطاق الإنتفاضة مكاناً وزماناً؛ اندفع الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته وفئاته وقواه الحية التي يضمها المجتمع الفلسطيني من حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين إلى فتح، وحركة المقاومة الإسلامية والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وغيرها، وكانت بحق ثورة شعبية عارمة شارك فيها كل فلسطيني بيده أو بلسانه.
هل فوجئ الصهاينة بالانتفاضة الفلسطينية؟
كانت الانتفاضة بهذا الاتساع المكاني، والامتداد الزماني والشمول، والتنوع في الأساليب من الحجر والشعار على الجدران إلى التظاهر الصاخب العنيف، والقنابل الحارقة، والكمائن، والرصاص، والعمليات الاستشهادية مفاجأة مذهلة لكيان العدو وقادته السياسيين والعسكريين الذين ظنوا أن سنوات القهر، وإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان قد حطم روح الجهاد في الشعب الفلسطيني.
يقول زئيف شيف في كتابه (انتفاضة): "إن الفلسطينيين فاجأوا إسرائيل بفتحهم جبهة جديدة ضدها.. عنف مدني شعبي ولم يكن الجيش الإسرائيلي على استعداد لذلك... فلم تكن لديه التجهيزات الملائمة لمواجهة هذه الجبهة، وقد انكشفت إسرائيل بضعفها بغتة في الخارج ولسكانها على حد سواء!! وكانت المفاجأة في شمول الانتفاضة لجميع فئات السكان شباباً وشيباً، نساء وأولاداً ورجالاً قرويين، ومدنيين، متدينين، وعلمانيين... وهذه المفاجأة كانت أعنف من مفاجأتها بحرب يوم الغفران (حرب أكتوبر / تشرين الأول العام 1973) فإسرائيل لم تستطع ملاحظة ما يجري داخل بيتها، وفي غرفة نومها".
وقد استمرت الانتفاضة، وخيبت ظنون من اعتقد أنها لن تستمر لثلاثة أشهر ثم تتوقف ثم تعود بعد سنة أو سنتين للاندلاع من جديد!! خيبت ظنونهم، وكشفت خطأ تحليلاتهم وتوقعاتهم فاستمرت شهوراً وسنة وسنوات، حتى بلغت سبع سنين، تخف هنا لتشتد هناك، وتهدأ في مدينة لتلتهب في أخرى، حتى جن جنون قيادة الكيان الصهيوني، وتمنت لو أن البحر يبتلع غزة بمن فيها ليستريح إسحاق رابين من مصيبته فيها، ودفعته إلى أن يأمر جنوده بتكسير عظام أيدي الأطفال من رماة الحجارة، وكان للمشهد الذي التقطته أجهزة التصوير التلفزيوني الغربية لجنود صهاينة يكسرون أيدي بعض الشباب بالحجارة الكبيرة دوي هائل في سمع الرأي العام العالمي.
مراحل الانتفاضة الفلسطينية
المرحلة الأولى:
مرحلة المواجهة الجماهيرية الشاملة" حيث الإضرابات العامة، والتظاهرات العارمة، ورجم الجنود ومراكز الأمن بالحجارة والزجاجات الحارقة، وزرع المسامير في طرق سيارات الصهاينة، وخرق منع التجول، والعصيان المدني. وفي هذه المرحلة عُبئت الجماهير فكرياً ونفسياً وعاطفياً للقيام بهذا المجهود، وألحقت الإنتفاضة في هذه المرحلة خسائر اقتصادية بالمحتل الصهيوني الغاصب.
المرحلة الثانية:
مرحلة "المواجهة مع تنامي التكتيكات الموازية": لجأت الانتفاضة إلى مقاطعة الإدارة المدنية الصهيونية، واستقالة الموظفين الفلسطينيين من دوائر الاحتلال، وملء الفراغ المؤسساتي هذا بإدارة شؤون الشعب الفلسطيني المدنية بعيداً عن وجود الإدارة الصهيونية، مع استمرار التظاهرات والاشتباكات.
المرحلة الثالثة:
اتسمت هذه المرحلة بتراجع النشاطات الجماهيرية، وتنامي العمليات المسلحة التي يقوم بها أفراد متميزون في التنظيمات الفلسطينية، وقد بدأ هذا النوع من المواجهة بالتصاعد المنظم من أوائل العام (1992م)، وذلك بسبب توجه قيادة المنظمة إلى الانغماس في مؤتمر مدريد ل"التسوية".
سمات الانتفاضة الفلسطينية
لقد اتسمت الانتفاضة الفلسطينية العارمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ اندلاعها في الثامن من كانون الأول 1987م، بالشمولية والاستمرارية وترسيخها لحقيقة بارزة مفادها أن جماهير الشعب الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة والنقب بدت أكثر من أي وقت مضى موحدة في مواجهة العدو، ملتزمة بموقف سياسي موحد قاعدته وحدة المصير.
توقف الانتفاضة الفلسطينية
في سنوات الانتفاضة، وفي الوقت الذي كان الشعب فيه يجاهد ويراق دمه، جرت مفاوضات علنية في مؤتمر مدريد 30-10-1991م، ثم مفاوضات ثنائية في نيويورك امتدت من شهر 11-1991م، إلى شهر 10-1994م، وأخرى سرية بين بعض قادة "منظمة التحرير الفلسطينية" وبين وفد صهيوني في "أوسلو" عاصمة النرويج. واستيقظ الناس في 30 آب 1993م على إعلان اتفاق "أوسلو"، ووقع عليه في واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في 13-9-1993م باعتباره إعلان مبادئ، يخلص الكيان الصهيوني من ورطته في مواجهة الانتفاضة، ويقدم للطرف الفلسطيني نتفاً من الأرض الفلسطينية، كما تم توقيع اتفاق "الحكم الذاتي في غزة وأريحا أولاً" في القاهرة في 4-5-1994م، وسمح للسلطة الفلسطينية بالدخول إلى أريحا وقطاع غزة، في الشهر نفسه، ثم دخل رئيس المنظمة ياسر عرفات إلى غزة في تموز 1994م.
وبذلك توقفت إنتفاضة الحجارة، لأن أي تحرك يقوم به المجاهدون بعد الآن سيقف في وجهه أجهزة الأمن الفلسطينية التي كانت مهمتها الأساسية حفظ الأمن (الصهيوني) وقد توهم البعض أن أرضا فلسطينية تحررت، وأن الإحتلال سيجلو عن الأراضي المحتلة عام 67 وانه سيخلي المستوطنات، وأن اللاجئين والنازحين سيعودون... وقد حكم هذا السراب مسار منظمة التحرير والسلطة على حد سواء إلى ان أشهرت السلطة اعترافها بأن المفاوضات التي استمرت نحو 22 عاما كانت عبثية، وأن العدو اتخذ من اتفاق اوسلو ومسلسل التفاوض منصة لتنفيذ مخططات التوسع الإستيطاني ومشاريع التهويد والصهينة.
(حقائق وأرقام)
استشهاد 1550 فلسطينياً... واعتقال نحو 100000 فلسطيني خلال الانتفاضة.
وتشير معطيات مؤسسة الجريح الفلسطيني إلى أن عدد جرحى الانتفاضة يزيد عن 70 ألف جريح، يعاني نحو 40% منهم من إعاقات دائمة، 65% يعانون من شلل دماغي أو نصفي أو علوي أو شلل في احد الأطراف بما في ذلك بتر أو قطع لأطراف هامة.
كما كشفت إحصائية أعدتها مؤسسة التضامن الدولي أن 40 فلسطينياً سقطوا خلال الانتفاضة داخل السجون ومراكز الاعتقال الصهيونية بعد أن استخدم المحققون معهم أساليب التنكيل والتعذيب لانتزاع الاعترافات.
وفي إحصائيات غير رسمية فقد قتل 160 صهيونياً على أيدي أبطال المقاومة خلال الانتفاضة.