حافظ البرغوثي
يبدو الرهان الفلسطيني على تدخل الأمم المتحدة للجم المستوطنين وقوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية (المحتلة) مستبعداً حيث إنه رغم أن الأمم المتحدة اعترفت بفلسطين كدولة (غير عضو) فإنها لم تفعل شيئاً نحو تطبيق المواثيق الدولية بهذا الشأن بسبب الغطاء الداعم للكيان «الإسرائيلي» من قبل الولايات المتحدة والتركيز الدولي حالياً على أحداث سوريا والتدخل الروسي الذي أربك السياسة في الساحة الدولية.
منذ سنوات والسياسة «الإسرائيلية» تنصب نحو استفزاز الفلسطينيين بممارسات قمعية واستيطانية مستمرة وصلت ذروتها في الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى ومحاولة تقسيمه مكانياً وزمانياً على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل الذي يقع عملياً تحت سيطرة الاحتلال وتحول إلى كنيس يهودي بالمعنى الحرفي للكلمة، وبات الوصول إليه معقداً، والدليل ما حدث قبل مدة مع الشهيدة هديل الهشلمون التي قتلها الجنود بدم بارد بحجة محاولتها طعن جندي لكن الصور أثبتت عكس ذلك.
في حالة المسجد الأقصى فإن القدس تشهد حالة انتفاضية منفردة منذ سنوات وتدافع عن نفسها بالاعتكاف في داخل المسجد من قبل مصلين ومصليات إضافة إلى أنشطة شبابية في أحياء القدس لمواجهة المستوطنين، وكان هناك من يعوِّل على موقف دولي داعم يضع حداً للممارسات «الإسرائيلية» في الحرم القدسي، لكن هذا الأمل تبدَّد حيث إن الموقف الإسلامي كان موازياً للدولي من حيث عدم الاهتمام.
وفي مقابل ذلك كان قادة اليمين «الإسرائيلي» في الحكومة يدفعون باتجاه المزيد من الاستفزازات ويحثون الجماعات الإرهابية اليهودية على إيقاع المزيد من الأذى بالفلسطينيين في مدنهم وقراهم وكان حرق عائلة الدوابشة أحد تجليات هذه الفاشية. فالمستوطنون سواء في القدس المحتلة أو في الضفة بات عددهم يقارب الثمانمئة ألف وفيهم تيار يدعو لإقامة مملكة يهودا في الضفة الغربية وهو الذي أخذ على عاتقه مهمة هدم المسجد الأقصى وطرد العرب وبناء الهيكل المزعوم.
ومنذ فشل المفاوضات التي رعاها الوزير الأمريكي جون كيري بدأ «الإسرائيليون» يبشرون بانتفاضة فلسطينية محتملة وأطلق قادة الجيش تصريحات عن استعدادات عسكرية لقمع الانتفاضة وتدريبات وأسلحة الخ.. فيما بالغ قادة اليمين في الحديث عن هذه الانتفاضة ومنهم نتنياهو الذي يرمي إلى التغطية على برنامجه الاستيطاني التوسعي وتقسيم المسجد الأقصى بغطاء من الدم لخلط الأوراق وانتهاز اللحظة المريضة التي يمر بها العالم العربي لتحقيق مآربه كلها مرة واحدة في غفلة من الجميع.
وحتى الآن كانت الاحتجاجات والمواجهات مع الاحتلال عفوية وغير منظمة ومجرد ردود فعل شعبية تركزت في القدس المحتلة. لكن بعد عودة الرئيس الفلسطيني خالي الوفاض من الجمعية العامة حيث لم يحصل على ما أراده من حماية دولية واستمرار غطرسة القوة «الإسرائيلية» وقعت عملية انتقامية مسلحة شرق نابلس تبعتها عمليات فردية لشبان، ما يعني أن الغليان الشعبي بدأ يظهر على شكل عمل مسلح ولو بالسلاح الأبيض. لكن آفاق أية انتفاضة فلسطينية تبدو حالكة لأن الظروف الموضوعية على الأرض وفي المحيط لا تستجيب لمتطلبات الانتفاضة، والمزاج الشعبي ما زال متردداً لأنه يشعر بفقدان أي إسناد خارجي. والوضع الفلسطيني الداخلي ما زال هشاً بسبب الانقسام.. وهناك من يرى أن الوضع الاقتصادي أكثر صعوبة حالياً حيث هددت «إسرائيل» بطرد مئة ألف عامل فلسطيني وإغلاق الطرق وحرمان أهل القدس المحتلة من العمل والتنقل، وهذه كلها إجراءات عقابية اقتصادية تحتاج إلى إسناد ودعم عربي مادي لتعويضها.
لكن، مع ذلك بالإمكان الصمود والمواجهة في حالة تحقيق الوحدة الوطنية وطي صفحة الانقسام، لكن حتى الآن لا توجد بوادر لهذا التطور حيث ما زال التراشق الإعلامي بين طرفي الانقسام على أشده، وحتى عملية شرق نابلس التي تبناها جناح في كتائب الأقصى التابع لحركة فتح اعتبره أحد قادة حماس محاولة لرفع شعبية الحركة فيما اعتبره نتنياهو نتيجة لتحريض من السلطة على "إسرائيل".
عملياً لا يمكن الجزم بإمكانية اندلاع انتفاضة فلسطينية، لكن الوقائع تشير إلى انتفاضة مستوطنين ضد الفلسطينيين وهذا العنصر هو الذي يحدد مسار الأيام المقبلة في حالة استمرار الهجمة الاستيطانية الفاشية على شعب أعزل دون ردع دولي.
لكن المؤكد أن نتنياهو الذي استمع إلى نصائح قادة الأمن بعدم فرض عقوبات جماعية حتى لا يزداد الوضع تعقيداً ويخرج عن سيطرة الاحتلال يكتفي بتشديد قبضته على القدس المحتلة، لذلك سيحاول إحكام السيطرة على المسجد الأقصى واعتقال وإبعاد النشطاء في المدينة. فالهدف الآن لديه هو السيطرة على المسجد والعمل على تقسيمه في غياب أي وجود مقاوم بداخله وخارجه.
المصدر: صحيفة الخليج
