يخوض الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، معركة عصيان مفتوحة لتحقيق مطالب مُحقة لهم، بما يدفع قضيتهم إلى صدارة الاهتمام.
عناوين الإضراب الأساسية: وقف الاعتداءات والاقتحامات، إعادة الأسرى المعزولين، وقف المنع الأمني لزيارة عوائل الأسرى، إعادة بث الفضائيات التي أوقفت، وقف النقل التعسفي، تحسين العلاج ورفع العقوبات عن الأسرى الذين خاضوا الإضراب.
ويتخذ عصيانهم أشكالاً متعددة أهمها: عدم فتح الأقسام، عدم التعاطي مع التفتيش الأمني، عدم التعاطي مع الضباط، وعدم الرد على مناداة الأسماء، إعادة وجبات الطعام بشكل متقطع.
وهذا العصيان يمكن أن يتحول إلى إضراب مفتوح عن الطعام إذا لم تتحقق المطالب.
قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، هي في جوهرها وأساسها قضية يترابط فيها الوطني مع الإنساني، ترابطاً تاماً، ويتفاعلان فيما بينهما بشكل عضوي.
فالاعتقال، لجهة الأصل والأساس، نتيجة طبيعية للنضال ضد الاحتلال، واستمراره وتمدده واستيطانه وقمعه.
وهذا ما يوفر لهذا النضال، وبنتيجته، الأساس الإنساني، بانسجامه التام مع كل المواثيق والأعراف الإنسانية والدولية التي تشرّع الحق لهذا النضال وبالتالي للمناضلين الذين يتعرضون للاعتقال بسببه. والاعتقال من الجهة الثانية نتيجة طبيعية للنضال الوطني ضد احتلال ذي طبيعة استيطانية غاشمة يستهدف أرض الوطن وأهله ووجودهم وحقوقهم وحرياتهم، وهو نضال يتسق أيضاً مع الأعراف والقوانين الدولية المقرة، ومع قرارات المؤسسات والهيئات الدولية.
ويترابط الوطني والإنساني أيضاً في تجاهل وإنكار دولة الاحتلال، الاتفاقات والعهود الدولية كافة، المتعلقة بحقوق الإنسان من جهة، وحقوق الأسرى من جهة أخرى، وفي ضربها عرض الحائط بكل القوانين والإجراءات المقرة دولياً، للتعامل مع الأسرى: إن بتوفر مسوغات قانونية للاعتقال، وإن بالحق في محاكمة مدنية، وليس عسكرية كما هو حاصل، والحق بتوفر دفاع خاص، وإن بكافة أشكال معاملتهم داخل المعتقلات. يعيد العصيان البطولي الحالي استدعاء نضال الأسرى الذي ظلوا يخوضونه منذ نكبة 1948 ثم احتلال كل الأرض الفلسطينية بعد حرب 1967، ويشكل امتداداً طبيعياً لذلك النضال.
عنوان النضال
لقد تجاوز عدد الأسرى من الفلسطينيين الذين دخلوا سجون دولة الاحتلال المئة ألف، بحيث يصعب وجود بيت فلسطيني لم يدخل واحد من أبنائه تلك المعتقلات.
وشمل الاعتقال كل الأعمار والفئات الاجتماعية، وكل التنظيمات وهيئات المجتمع المدني، وكل المستويات القيادية أيضاً.
لقد تميزت الثورة الفلسطينية والنضال الوطني عموماً بالدور المهم الذي لعبه الأسرى.
إذ شكل نضالهم الموحد مكوناً أساسياً من مكونات المقاومة الفلسطينية العامة والشاملة، وعنوانا أساسياً من عناوين النضال الوطني الفلسطيني، يتكامل عضوياً، ويتفاعل بحيوية مع المكونات والعناوين الأخرى، من مقاومة شعبية على اتساعها وتنوعها، ومقاومة سياسية وتضامنية، وأخرى مسلحة.
ولعب الموقف المساند بكل أشكاله، ومن كل الناس على اختلاف اتجاهاتهم خارج المعتقلات، وتشكيل وزارة خاصة بالأسرى (أصبحت شؤون الأسرى والمحررين) واحتضان المحررين، دوراً مهماً في دعم صمود الأسرى ونضالاتهم والتعريف بها
ولم تمنع قضبان المعتقل من تبلور ما عُرف ب «الحركة الأسيرة» تأكيداً على انخراط الأسرى بالنضال الوطني الفلسطيني العام، وتفاعلها العضوي مع الشأن الفلسطيني في كل مكان، وفي أي شأن.
وأبرز الأمثلة على ذلك تقديم الحركة ما عرف ب«وثيقة الأسرى» التي شكلت انضج وأهم وثائق معالجة الخلاف والانقسام وأكثرها واقعية.
ولم تمنع قضبان الاعتقال الحركة الأسيرة من المساهمة في الحياة الثقافية، وأبرز الأمثلة على ذلك المسرحية التي ألفها أحد الأسرى، وتم عرضها على أحد مسارح حيفا، وأحدثت ضجة دفعت سلطات الاحتلال إلى وقف عرضها، ولا منعتهم أيضاً من الدراسة والتعلم، ومن المساهمة في الحياة الأدبية والثقافية.
معركة الحقوق
لقد انتزعت «الحركة الأسيرة» عبر نضالاتها المتصاعدة، والدامية في كثير من الحالات، العديد مما تسميه دولة الاحتلال امتيازات، بينما هي في الحقيقة حقوق مشروعة.
بداية من الحق بمرتبة نوم لكل أسير، والفورة اليومية ومدتها، وزيارات الأهل ودوريتها والحق بالدراسة وتقديم الامتحانات من السجن، والعلاج الصحي، والحصول على بعض وسائل الإعلام من راديو وقنوات تلفزيونية، والحق بلجان معترف بها تمثل الأسرى وتتفاوض باسمهم، وحقوق أخرى.
وقد انتزعوا هذه الحقوق باللجوء إلى كل طرق النضال الممكنة: من الإضراب العام إلى الإضرابات المحدودة، إن بالمدة، وإن بسجون بعينها، إلى الإضراب عن الطعام، إلى عدم الخروج إلى الفورة إلى رفع قضاياهم إلى الصليب الأحمر الدولي، وإلى المنظمات المعنية بحقوق الإنسان وإلى قوى ومنظمات الرأي العام الدولي.
ودفعوا في سبيل ذلك الكثير من العذابات والتضحيات، لنيل هذه الحقوق إضافة إلى ما دفعوه في أقبية التحقيق والتعذيب الرهيبة.
فقد فقدت الحركة الأسيرة أكثر من 200 شهيد، ومئات المعطوبين صحياً على مذبح الصمود في التحقيق من جهة، والنضال من أجل الحقوق من جهة ثانية، والإهمال الطبي من جهة ثالثة
وهنا أيضاً، لعب الخارج دوره المهم بالتعريف بتلك النضالات، وبالقمع والاضطهاد الذي يتعرض له الأسرى.
وبرز من أشكال النضال شكل الإضراب عن الطعام الذي يقوم به الأسرى، أو بعضهم، لفترات طويلة تصل بحياتهم إلى الخطر الشديد.
من أشهر الأمثلة الأخيرة على هذا الشكل النضالي «سامر العيساوي» ثم «خضر عدنان»، وآخرها الأسير «محمد علان» المضرب عن الطعام حالياً، ومع ذلك فمازال مصراً على الاستمرار فيه، وقد قال لمحاميه: «مستمر في الإضراب المفتوح عن الطعام، وأرفض الفحوصات الطبية حتى نيل حريتي، وفرصتي في الإفراج، مثل فرصتي في الشهادة، وحبي للحياة الكريمة دون ذل يدفعني إلى المقاومة من أجل نيل حريتي»، السبب المباشر للإضرابات العامة عن الطعام هو المطالبة بحقوق أو الدفاع عن حقوق.
أما السبب المباشر للإضرابات الفردية فهو مقاومة ظلم وقسوة الاعتقال المعروف ب «الاعتقال الإداري». وهو نوع من الاعتقال موروث من عهد الانتداب البريطاني، يعطي الحق لقائد المنطقة، العسكري الصهيوني، اعتقال أي مواطن فلسطيني لمدة ستة أشهر من دون محاكمة، بحجة استكمال إجراءات التحقيق، وتحديد التهم التي ستوجه إليه، أو لمجرد الاشتباه بأن المعتقل يشكل خطراً على أمن المنطقة، كما يعطيه الحق بتجديد الاعتقال لمرة أو اثنتين أو أكثر، حتى لو وصل إلى سنوات، كما حصل فعلاً، وقد وصل في حالة محددة إلى ست سنوات.
لقد نجح الإضراب الطويل والخطر لسامر العيساوي وخضر عدنان، ونالا حريتهما (أُعيد اعتقال سامر العيساوي، وهو يخوض اليوم إضراباً تضامنياً مع محمد علان)، أمّا محمد علان فمازال إضرابه مستمراً حتى الحرية أو الشهادة.
إن افتضاح أمر قانون الاعتقال الإداري ومفاعيله، يضع دولة الاحتلال في إحراج شديد لتناقضه التام مع كل قوانين وأعراف الديمقراطية، وحرية الإنسان وحقوق الأسرى السائدة في العالم.
ولأن الإضرابات المفتوحة عن الطعام، والخشية من استشهاد أحد المضربين، أكثر ما يفضح هذا القانون، فإن دولة الاحتلال قامت مؤخراً بإقرار قانون فاشي جديد يجيز لأجهزتها الاعتقالية الإطعام القسري للمضربين عن الطعام، عندما تقدّر وصول حياتهم إلى خطر الموت.
ولأنها مثل الذي يحاول أن «يكحلها فعماها». فقد وُوجه هذا القانون برفض ومعارضة شديدين بدأت بـ"كنيست" دولة الاحتلال نفسه (تم إقرار القانون بستة وأربعين صوتاً فقط) وامتدت إلى اتحاد الأطباء فيها، الذي رفضه ورفض تطبيقه، لأنه يتناقض مع حقوق الإنسان وحقوق الأسرى. وقد حصل فعلاً أن رفض مستشفى سوروكي إطعام الأسير المضرب عن الطعام محمد علان بالقسر، وعندما تم نقله إلى مستشفى برزلاي ليقوم بذلك، تكرر رفض التغذية القسرية. ناهيك عن المعارضة الإنسانية والدولية العارمة للقانون المذكور.
معركة الأسرى في معتقلات الاحتلال، ببعديها الإنساني والوطني ستبقى مفتوحة ومتجددة كمكون عضوي من مكونات النضال الوطني الفلسطيني، حتى انتهاء الاحتلال ونيل الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
المصدر: صحيفة الخليج الاماراتية