أعاد "الملتقى الوطني الفلسطيني الطارئ"، الذي عقد في إسطنبول السبت الماضي، فتح النقاش بشأن آلية تمثيل الفلسطينيين في الشتات داخل المجلس الوطني الفلسطيني، قبل أسابيع من الموعد المقرر لانتخابات المجلس، وسط خلاف حول آليات اختيار ممثلي الجاليات الفلسطينية في الدول التي يتعذر فيها إجراء اقتراع مباشر. وكان رئيس "السلطة" محمود عباس قد أصدر في فبراير/شباط الماضي مرسوماً يدعو الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى انتخاب المجلس الوطني في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، على أن تُجرى الانتخابات خارج فلسطين حيثما أمكن وبما لا يتعارض مع قوانين الدول المضيفة.
كما أُقر في يونيو/حزيران الماضي نظام انتخابي جديد يحدد عدد أعضاء المجلس بـ350 عضواً، بينهم 200 يمثلون الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات، وينص على انتخاب ممثلي الشتات مباشرة حيثما أمكن، مع اللجوء إلى "المجمع الانتخابي" أو التوافق في المناطق التي يتعذر فيها تنظيم اقتراع مباشر. لكن مشاركين في ملتقى إسطنبول يعترضون على استخدام هذه البدائل، ويطالبون بإيجاد آليات تسمح بإجراء اقتراع مباشر أوسع للفلسطينيين في الخارج.
وبينما تُطرح صعوبة إنشاء سجل انتخابي عابر للحدود واختلاف القوانين بين الدول ضمن التحديات التي تواجه ذلك، يرى رئيس الاتحاد الفلسطيني لأميركا الجنوبية، سمعان خوري، أن التطور التكنولوجي بات يتيح تجاوز معظم العقبات الفنية، وأن المسألة ترتبط أساساً، من وجهة نظره، بتوافر الإرادة السياسية.
وقال خوري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن "سقف التوقعات بشأن إجراء انتخابات مباشرة للمجلس الوطني الفلسطيني تشمل فلسطينيي الوطن والشتات لا يزال منخفضاً"، في ظل ما وصفه بتراجع ثقة الشارع الفلسطيني، ولا سيّما الشباب، بالقيادة السياسية الحالية. وحذر من تحول العقبات الفنية واللوجستية، وفي مقدمتها إنشاء سجل انتخابي فلسطيني دولي، إلى "ذرائع لتعطيل الانتخابات"، مضيفاً أن التطور التكنولوجي يتيح تجاوز معظم هذه العقبات "متى توفرت الإرادة السياسية الحقيقية".
التكنولوجيا والسجل الانتخابي
ويشكل إنشاء سجل للناخبين الفلسطينيين في الشتات إحدى المعضلات العملية أمام أي اقتراع مباشر واسع للمجلس الوطني، بسبب انتشار الفلسطينيين في دول متعددة واختلاف الأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم نشاط الجاليات فيها. لكن خوري يعتبر أن الإمكانات الرقمية المتاحة تقلل من وزن العقبة التقنية مقارنة بالعامل السياسي. وقال إن "الفرصة المتاحة لإجراء انتخابات ديمقراطية شاملة وتوحيد الشارع الفلسطيني وتجديد الشرعيات الوطنية باتت مهددة بالتبديد"، منتقداً توجه قيادة منظمة التحرير نحو تشكيل المجمعات الانتخابية في عدد من البلدان بدلاً من إجراء انتخابات مباشرة وتنافسية.
وأضاف خوري: "من هنا جاءت دعوتنا إلى عقد هذا الملتقى الطارئ للمطالبة بوقف تشكيل هذه المجمعات، والحفاظ على فرصة إجراء انتخابات حقيقية وشاملة، باعتبارها استحقاقاً وطنياً لا يجوز مصادرته أو الالتفاف عليه"، مؤكداً ضرورة ضمان حق الفلسطينيين في الوطن والشتات في اختيار ممثليهم وتجديد مؤسساتهم الوطنية.
ونظمت الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني، بالتعاون مع مؤتمر فلسطينيي تركيا، الملتقى في إسطنبول. وبحسب التقرير الصادر عن الجهة المنظمة، شارك فيه أكثر من 350 شخصية فلسطينية من الوطن والشتات، بينهم 216 حضورياً من أكثر من 17 دولة و162 عبر منصة "زووم"، مع مشاركة فلسطينيين من أكثر من 30 دولة. وناقش الملتقى التمثيل الوطني الفلسطيني ودور منظمة التحرير وإعادة بناء مؤسساتها، إلى جانب آليات توسيع المشاركة الشعبية وملف انتخابات المجلس الوطني.
وفي إعلان ختامي، رفض المشاركون ما وصفوه بـ"الإقصاء والتهميش والتعيين الانتقائي"، ودعوا إلى اختيار أعضاء المجلس الوطني عبر انتخابات مباشرة وحرة وشفافة. واستند الإعلان إلى المادة الخامسة من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تنص على أن أعضاء المجلس الوطني ينتخبون بالاقتراع المباشر من الشعب الفلسطيني، بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية. وتنص المادة السادسة من النظام نفسه على أنه إذا تعذر إجراء انتخابات المجلس الوطني يستمر المجلس قائماً إلى أن تتهيأ ظروف الانتخابات، كما تتيح للمجلس تعيين أعضاء لملء المقاعد التي تشغر لأي سبب.
خلاف حول "المجمعات الانتخابية"
ينص النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني لعام 2026 على إجراء انتخابات مباشرة في مناطق الشتات التي يمكن تنظيم الاقتراع فيها، فيما يتيح، في الحالات التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات المباشرة في مناطق الشتات، اختيار الأعضاء عبر المجمع الانتخابي أو التوافق، أو عبر التوافق والتعيين وفقاً لأحكام النظام. واعترض المشاركون في ملتقى إسطنبول على اللجوء إلى هذه البدائل، معتبرين أن المطلوب هو إيجاد آليات تسمح بأوسع مشاركة مباشرة للفلسطينيين في الخارج.
وكان رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح قد أعلن في 9 سبتمبر/أيلول الجاري أن ممثلي الجاليات الفلسطينية في الكويت والبحرين وقطر اختيروا عبر المجمعات الانتخابية، وقال إن هذه الآلية منصوص عليها في نظام انتخابات المجلس الوطني. كما عقد في بيروت في 15 سبتمبر اجتماع لاستكمال ترتيبات المجمع الانتخابي الخاص بتمثيل الفلسطينيين في لبنان. وبذلك، يدور الخلاف بصورة أساسية حول الحالات التي يُعتبر فيها الاقتراع المباشر متعذراً، وما إذا كانت الوسائل التقنية والتنظيمية الحديثة قادرة على توسيع نطاق التصويت المباشر بدلاً من الانتقال إلى آليات المجمعات الانتخابية أو التوافق.
مقترح لسجل فلسطيني
وطرح إعلان ملتقى إسطنبول إنشاء منصة للتسجيل العام للفلسطينيين في الوطن والشتات، يمكن أن تشكل أساساً لسجل للهيئة الناخبة، إلى جانب لجنة إشراف تتمتع بالخبرة والحياد وأساس قانوني واضح وآلية مختصة بالنظر في النزاعات المرتبطة بالانتخابات، كما تبنى الملتقى مبادرة "فلسطين الرقمية" وحملة "صوتي قراري لا للتعيين"، التي تسعى، وفق منظميها، إلى حشد التأييد لمشاركة الفلسطينيين مباشرة في اختيار ممثليهم.
ويضع هذا الطرح مسألة قابلية تنظيم انتخابات فلسطينية عابرة للحدود في صلب النقاش: فبينما تظل هناك تحديات قانونية وتنظيمية تختلف من دولة إلى أخرى، يرى خوري أن التكنولوجيا قادرة على معالجة جزء كبير من المشكلات المتعلقة بالتسجيل والوصول إلى الناخبين، وأن الاختبار الأساسي سيكون، وفق تعبيره، وجود إرادة سياسية تسمح بانتخابات مباشرة وتنافسية تشمل فلسطينيي الوطن والشتات.