قائمة الموقع

باريس تستضيف تل أبيب : آخر صرعات بلدية باريس الصهيونية

2015-08-13T08:43:46+03:00
باريس تستضيف تل أبيب
راغدة عسيران

 

تثير استضافة بلدية باريس لأقدم مستوطنة في الكيان الصهيوني تحت شعار "تل أبيب على السين" الذي سيقام اليوم، موجة عارمة من الإستنكار، كادت تؤدي إلى إلغاء هذا الاحتفال الصيفي الذي تقيمه سنويا البلدية. بعد عام على الحرب العدوانية الدموية على قطاع غزة وفي أثناء حروب أخرى تشنها المؤسسة الصهيونية على الشعب الفلسطيني، اتخذت بلدية باريس الإشتراكية قرار استضافة بلدية تل أبيب في أجواء ترفيهية لتكريس التعاون الفرنسي مع دولة الاحتلال.

لم تعلن بلدية باريس إقامة هذه الإحتفالية الاستفزازية إلا قبل أيام، خشية من ردود الفعل الشاجبة التي قد تؤدي الى إلغائها، ما اقترحته قبل أيام عضو في البلدية المنتمية الى "جبهة اليسار"، بعد صدور أولى الانتقادات لتلك الفعالية. أشعل الإعلان الرسمي عنها الردود الغاضبة من قبل مساندي الشعب الفلسطيني، الذين راسلوا رئيسة بلدية باريس، الإشتراكية آن هيدلغو، مذكرين إياها بالحرب الأخيرة على قطاع غزة وبحملات الإستيطان التي تقوم بها الحكومة الصهيونية الحالية، فيما ذكرت حملة "المقاطعة وسحب الإستثمار" في بيان لها حول الموضوع أن "مدينة تل أبيب مقامة على 7 قرى فلسطينية تم تدميرها وتهجير أهلها". وفي رسالة وجهها الى رئيسة البلدية، أورد الباحث عمر الصومي، الرئيس الأسبق لإتحاد العام لطلبة فلسطين وعضو في "حركة الشبيبة الفلسطينية"،  معطيات حول الرئيس الحالي لبلدية تل أبيب، رون هلداي، تؤكد على مشاركته في الحروب العدوانية وقصفه للقرى في جنوب لبنان، ومسؤوليته في عملية التطهير العرقي الحالية في مدينة يافا. على أثر أولى الإحتجاجات، تدخلت الشخصيات السياسية من برلمانيين وغيرهم، لدعم أو شجب قرار بلدية باريس، ومن بينها مساندة ممثل حزب اليمين المتطرف، "الجبهة الوطنية"، في باريس، لتلك الفعالية الترفيهية.

لقد بررت بلدية باريس عمليتها التجميلية للكيان المحتل بالقول أنها ستطلق مشاريع تنموية (تحلية المياه) مع بلدية بيت لحم، في نوع من "التوازن" بين الاحتلال الإستيطاني والشعب المحتل، لكي تضع حدا للأصوات المستنكرة. لم يقنع هذا التبرير مناصري الشعب الفلسطيني، بل اعتبره عمر الصومي في رسالته نوعا من إذلال الشعب الفلسطيني. فدعوا الى مظاهرات ضد الفعالية تحت شعار "أبارتايد على السين"، ما جعل السلطات الأمنية الباريسية تستدعي 300 مجند وشرطي إضافي لحماية الصهاينة من "المشاغبين" في ذلك اليوم المنتظر، الى جانب العشرات من عناصر "رابطة الدفاع اليهودية" المحظورة في الكيان والولايات المتحدة، التي تستدعيها السفارة الصهيونية في كل مناسبة، بحجة تأمين أمن اليهود المهددين من قبل "المعادين للسامية".

اتخذن الحملة المناهضة للفعالية منذ أيام منحى تصاعديا، لا سيما بعد تبرير البلدية لفعاليتها والانتقادات التي وجهها بعض "أصدقاء" الشعب الفلسطيني، من اليسار الفرنسي، لشعار "أبارتايد على السين" الذي رفعته الحملة المناهضة، بحجة أن هذا الشعار يؤجج الكراهية بين سكان البلد الواحد، وأن سكان تل أبيب غير مسؤولين عن الحروب والأعمال الإرهابية التي ينفذها بعض المستوطنين. بهذه الطريقة، يحمّل أعضاء بلدية باريس مسؤولية كل ما سيحصل خلال هذه الفعالية على المحتجين على قرارها. في حين يرفض بعض أعضاء بلدية باريس، الذين تربطهم علاقات صداقة مع الأحزاب اليمينية الاستيطانية، الرضوخ إلى "العناصر الأكثر راديكالية" من بين مساندي الشعب الفلسطيني، سجّل الحزب الشيوعي تعاطفه مع المحتجين على الفعالية بنشر بيان "حملة المقاطعة وسحب الإستثمار" على صفحات صحيفته اليومية فيما اقترح أعضاءه الممثلين ببلدية باريس تحويل هذه الفعالية الموالية للكيان المحتل الى فعالية "لدعم السلام في الشرق الأوسط"، بعد استغرابهم من جرأة رئيسة البلدية آن هيدلغو التي "سيّست" هذه الفعالية الترفيهية الشعبية، وبعد تذكيرها بأن المظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني في العام الماضي قد تم قمعها وسحب ترخيصها بسبب إمكانية حصول أعمال "عنيفة". فماذا عن إقامة يوم ترفيهي تحت سقف الإرهاب و"الأبارتايد" الصهيوني؟

إقامة فعاليات رسمية داعمة للكيان المحتل تشكل فرصة لتوسيع الفجوة بين مساندي الشعب الفلسطيني، من العرب والمسلمين وأيضا الفرنسيين، من جهة، وبين السلطة السياسية الفرنسية التي ترسخ أكثر فاكثر علاقاتها الإستعمارية مع الكيان المحتل وتبذل جهودها لمنع مقاطعته وفك عزلته الشعبية في العالم. فكل فعالية أو حدث مرتبط بفلسطين أصبح مناسبة لتعميق الوعي حول طبيعة الكيان الصهيوني، إذ لم تعد بعض الشرائح الفاعلة المؤيدة للشعب الفلسطيني تفصل بين الأراضي المحتلة عام 1967 وتلك المحتلة عام 1948، أو بين مستوطني تل أبيب ومستوطني آرييل، وبين السلطة السياسية والمجتمع "المدني" الصهيوني. ولكن بالرغم من هذا الوعي المتصاعد حول طبيعة العدو، تقف الإنقسامات والصراعات بين التيارات المتعددة، لا سيما بعد انفجار الوضع في المنطقة منذ 2011، حاجزا أمام حملات موحدة مؤيدة للشعب الفلسطيني تعطي ثمارها في الوقت الراهن.  

اخبار ذات صلة