حلمي موسى
منذ نشأتها و«إسرائيل» تخال أن مكانتها الاستراتيجية في المنطقة والعالم معرضة لأخطار جسيمة جراء افتقارها للموارد الطبيعية.
وعندما خاضت حرب أكتوبر (تشرين الأول 1973) التي تم فيها لأول مرة استخدام سلاح النفط شعرت بدونية هائلة دفعت كبار سياسييها واستراتيجييها إلى البحث عن بدائل للطاقة تلغي الامتيازات الممنوحة، في نظرها، للجانب العربي.
وعلى مر عقود أنشأت «إسرائيل» تحالفات مع دول على أساس توفير مصادر طاقة لها تجنبها الخضوع لإملاءات عربية.
ورغم أن استيراد الغاز الطبيعي من مصر كان ذروة مشاريع «إسرائيل» للطاقة بعد إنشاء أنبوب إيلات عسقلان لنقل النفط الإيراني في عهد الشاه، فإن الفرحة عمّت بعد أن شرعت بالعثور على الغاز في البحر المتوسط بكميات تجارية.
الواقع أن اكتشافات الغاز في البر الفلسطيني وخصوصاً قرب البحر الميت تعود إلى منتصف الخمسينيات، لكن ما تم اكتشافه حينها كان بالغ المحدودية واستخدامه كان محصوراً تقريباً في معامل الفوسفات القريبة.
كما أن اكتشاف حقل بحري قبالة عسقلان في مطلع التسعينيات لم يغير من واقع حاجة «إسرائيل» للطاقة شيئاً حيث ظلت بحاجة لاستيراد مشتقات النفط والنفط لتغطية احتياجاتها المتصاعدة.
ولكن تغيرت الحال عملياً عندما تم اكتشاف الحقول البحرية الكبيرة، خصوصاً «تمار» و«لفيتان» في البحر المتوسط فيما صار يعرف بالمنطقة الاقتصادية الحصرية.
حينها صار الحديث يدور عن مليارات الأمتار المكعبة من الغاز الطبيعي التي تكفي لسد احتياجات «إسرائيل» من الطاقة لعشرات السنين من ناحية ولتصدير قسم منها من ناحية أخرى.
استهلاك الغاز في الدولة العبرية يزداد سنوياً من 5 مليارات متر مكعب في العام 2010 إلى 10 مليارات متر مكعب في العام 2015.
وهناك تقديرات بأن حاجة «إسرائيل» للغاز ستصل في العام 2030 إلى 17 مليار متر مكعب سنوياً.
وكما سلف تم في نهاية الخمسينيات اكتشاف ثلاثة حقول صغيرة في الصحراء قرب البحر الميت احتوت تقريباً على ملياري متر مكعب من الغاز.
وفي العام 1999 تم اكتشاف حقل «نوعاً» قبالة شاطئ عسقلان والذي بدأت شركة الكهرباء في استخدام إنتاجه ولكن على نطاق ليس كبيراً.
وجاء التحول في مطلع العام 2009 عندما تم اكتشاف حقل «تمار» على بعد 90 كيلومتراً في البحر غربي حيفا واحتوى على 240 مليار متر مكعب من الغاز.
وبعد اكتشاف «تمار» بشهور تم اكتشاف حقل «داليت» على بعد 60 كيلومتراً من الساحل واحتوى على حوالي 8 مليارات متر مكعب من الغاز.
ولكن المفاجأة الكبرى جاءت في منتصف العام 2010 حينما تم الإعلان عن احتمال وجود مكمن غاز هائل في امتياز «لفيتان» يحتوي على 453 مليار متر مكعب من الغاز.
وفي شباط 2012 جرى الإعلان عن اكتشاف الغاز في حقل «تنين» على بعد 120 كيلومتراً شمال غرب حيفا قرب الحدود البحرية اللبنانية ويحتوي على حوالي 30 مليار متر مكعب من الغاز.
وألهبت هذه الاكتشافات التي اعتبرها البعض الاكتشافات الأكبر عالمياً في العقد الماضي أحلام «إسرائيل» بأن تتحول، لأول مرة، من دولة مستوردة للطاقة إلى دولة مصدرة لها.
وقادت هذه الأحلام إلى بناء نظريات حول تغييرات استراتيجية في مكانة «إسرائيل» الدولية عن طريق استخدام الغاز في العلاقات مع المحيط العربي ومع أوروبا.
وتحدث كثيرون عن تحالفات استراتيجية جديدة بين «إسرائيل» وتركيا حيناً وبينها وبين كل من قبرص واليونان حيناً آخر وعن تهدئة إقليمية بسبب الغاز مع كل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية.
ولكن الاكتشافات الغازية هذه خلقت إشكالات جديدة سياسية واقتصادية وأمنية.
فقد دارت خلافات بين «إسرائيل» ولبنان على الحدود البحرية بينهما وأنشأت «إسرائيل» قوة خاصة لحماية منصات استخراج الغاز في الحقول البحرية ولحماية حدود الامتيازات البحرية.
كما أن خلافات شديدة نشبت بين «إسرائيل» والسلطة الفلسطينية حول الامتيازات البحرية قرب قطاع غزة في ظل اتهامات ل «إسرائيل» بأنها تسرق مكامن غاز فلسطينية قرب حدودها البحرية مع القطاع وأنها تستثمر منفردة حقلاً مشتركاً.
وأبرمت شركات استخراج الغاز من حقلي تمار ولفيتان اتفاقات مبدئية لتصدير الغاز بكميات كبيرة إلى كل من شركات تسييل الغاز الأجنبية العاملة في مصر وإلى شركتي الكهرباء في الأردن والسلطة الفلسطينية.
وبلغ حجم العقود الأولية التي أبرمت بين حقل لفيتان وشركات أخرى خارج «إسرائيل» عشرات المليارات من الدولارات رغم أن المسموح بتصديره هو 40 في المئة من الغاز المكتشف.
واشتد الحديث عن تحول «إسرائيل» إلى قوة طاقة عالمية جديدة وهو ما وجه أنظار ليس الشركات وحسب وإنما السياسيون والجمهور بقوة إلى حقول الغاز ومكانتها في مستقبل الدولة العبرية.
وهنا بدأت الأمور في التعقد.
فلم تعد مسألة الغاز قضية اقتصادية ولا حتى سياسية أمنية واستراتيجية كما كانت وإنما صارت أيضاً قضية حزبية داخلية وموضع صراع داخلي متزايد.
وكادت صيغة توافق بين الحكومة وشركات استخراج الغاز الطبيعي من حقلي تمار ولفيتان أن تسقط حكومة نتنياهو الحالية.
فالصراع دار بين القوى السياسية ومراكز القوة الاقتصادية والأمنية حول نسب تصدير الغاز وحول طبيعة الاحتكارات الغازية خصوصاً أن شركتي «نوبل إنرجي» الأمريكية و«ديلك» «الإسرائيلية» تمتلكان النسبة الأكبر من امتيازات استخراج الغاز على الأقل في حقلي «تمار» و«لفيتان» الكبيرين.
وهكذا لم يكن صدفة أن انشغل المجلس الوزاري الأمني «الإسرائيلي» بمسألة الغاز والحقول البحرية أكثر من أي شيء آخر في الشهور الأخيرة.
وقد اعتبر رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو في ذروة النقاشات العامة حول ترتيبات صفقة الغاز الأخيرة أن ما يجري الحديث عنه هو «مشروعنا القومي للغاز». وعمل نتنياهو على تمرير الصيغة التي توصل لها ممثلوه مع ممثلي شركات الغاز خصوصاً «نوبل إنرجي» و«ديلك» في الحكومة لكنه اصطدم بمعارضة شديدة على الأقل من جانب ممثلي «كلنا» على رأسهم وزير المالية موشي كحلون وممثلي شاس على رأسهم وزير الاقتصاد أرييه درعي.
ولم يقتصر الأمر على التدخلات من جانب القوى السياسية في «إسرائيل» بل إن الولايات المتحدة، عبر سفارتها في «تل أبيب»، ومن منطلق حماية مصالح «نوبل إنرجي» الأمريكية تدخلت حتى مع ممثلي القائمة العربية المشتركة لتمرير الصيغة التي يريدها نتنياهو.
وعمل نتنياهو على الإيحاء بأن إفشال «مشروعه القومي للغاز» سوف يلحق أشد الضرر ب«إسرائيل» مستقبلاً خصوصاً أن الأمر يتعلق بعلاقات «إسرائيل» الإقليمية ومكانتها الدولية.
ورفض نتنياهو نقل القرار بشأن الغاز إلى الكنيست لكنه اضطر لذلك بعد ألاعيب حزبية في الحكومة وتّرت العلاقات داخل الائتلاف وكادت تعصف به.
إذ ثبت للجميع أن أعضاء الحكومة من غير الليكود ليسوا على استعداد لخسارة ناخبيهم من أجل تسهيل اتفاق نتنياهو مع حيتان الغاز الأمريكيين و"الإسرائيليين".
ولكن نتنياهو ظل يحاجج بأنه لا يريد إطالة أمد النقاش حول صفقة الغاز حتى لا تقع «إسرائيل» في «الشرك الذي وقعت فيه دول أخرى كثيرة خاضت نقاشات لم تتوقف وبقي الغاز في أعماق الأرض». وقال نتنياهو «إننا متأخرون لسنوات، وقد عملت من أجل إدخال إصلاحات على الاقتصاد «الإسرائيلي» جوبهت باعتراضات شعبوية». والواقع أن بنداً في قانون القيود التجارية لمنع الاحتكار يسمى «البند 52» أتاح للمسؤول عن منع الاحتكارات في الاقتصاد «الإسرائيلي» الاعتراض على صيغة الاتفاق بين الحكومة وشركات استخراج الغاز.
وأصر المسؤول عن منع الاحتكار على أن الاتفاق يعزز سيطرة احتكار نوبل إنرجي وديلك للغاز «الإسرائيلي» بسيطرتهما على 87 في المئة من حقول تمار ولفيتان وديلك وأن الحلول المقترحة في الاتفاق لا تنهي هذا الاحتكار.
وآمن نتنياهو أن بوسع وزير ماليته أو وزير الاقتصاد الالتفاف على قرار المسؤول عن الاحتكارات لكن الوزيرين رفضا ذلك ما قاد إلى انتقال القضية إلى الكنيست بسبب الحاجة لتعديل القانون.
وهنا كانت صدمة نتنياهو وشعور ائتلافه بالضعف ما اضطره للتراجع عن عرض المسألة وهو ما عرقل تمرير التسوية وبقاء أمر تطوير حقول الغاز معلقاً.
وقد اعتبر الكثير من قادة القوى السياسية والمنظمات المجتمعية الصفقة التي عرضها نتنياهو خنوعاً لحيتان رأس المال وللأمريكيين.
ولكن لا ريب في أن اكتشافات الغاز فتحت عيون «الإسرائيليين» على الأموال الطائلة التي تذهب إلى جيوب عدد من المقربين من رجال الحكم ما قاد إلى شدة الاعتراضات.
وفي كل حال فتحت اكتشافات الغاز أيضاً أبواباً جديدة ل«إسرائيل» في مجالات التحالف السياسي الداخلي والخارجي وكذلك فتحت آفاق تطوير صناعات ترتكز على الطاقة الرخيصة.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن جامعة مثل التخنيون اضطرت إلى التعاون مع جامعات نرويجية من أجل تطوير مساقات لتخريج مهندسي نفط وطاقة "إسرائيليين" في إشارة إلى الآفاق الجديدة.
المصدر: صحيفة الخليج الاماراتية
