تعرّف الغاية عادة على أنها الهدف الأعلى الذي يسعى شخص أو طرف إلى تحقيقه، بشكل نهائي وحاسم. بينما يعرّف المشروع على أنه الخطة الموضوعة أو المتبعة لتحقيق الغاية. وفي حين أن (الغاية) تعتبر أمراً ثابتاً وأساسياً وجوهرياً، لا ينبغي التنازل عنه بحال من الأحوال، فإن (المشروع)، وعلى العكس من ذلك، يتصف بالمرونة، وهو عرضة للتبديل والتطوير وحتى التغيير، نظرياً على الأقل.
في الحالة الفلسطينية، تختلف الغايات، مثلما تختلف المشاريع: ففي حين أن غاية الشعب الفلسطيني، بمجموعه، هو تحرير فلسطين والعودة إليها، فإن غاية منظمة التحرير الفلسطينية، حددتها بإقامة الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس "الشرقية"!
ونتيجة للاختلاف في تحديد الغاية، انسحب الاختلاف على تحديد المشروع: فهل هو مشروع مقاومة مسلحة (فصائل المقاومة المسلحة وفي مقدمتها حركتا الجهاد وحماس)؟ أم مقاومة شعبية (أغلب مؤسسات المجتمع المدني)؟ أم تفاوض (السلطة الفلسطينية)؟ أم المساواة في المواطنة (التجمع الديموقراطي على سبيل المثال)؟
إذن، نحن أمام نتيجة أولية تتعلق بصلب المشروع الوطني الفلسطيني، ربما هي التعبير الأقوى عن عمق أزمته. لسنا إزاء مشروع واحد، بل مشاريع متعدّدة. ولكل مشروع غايته المختلفة.
ولا تقف القضية عند هذا الحد، بل تجاوزته الى تركيب أكثر تأزّماً. ففي الممارسة اليومية، تضيق الفوارق الجوهرية والأساسية بين (الغاية) و(المشروع)، حتى تكاد تنعدم. وإلا فما معنى ترداد لازمة (لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات)؟! ألا يعني ذلك، بطريقة ما، أن المفاوضات باتت مطلوبة لذاتها، وبغض النظر عن نتائجها، وعن التطورات السياسية، وأنها أصبحت (غاية) في ذاتها.
أما المظهر الأشد تأزّماً فهو انهيار (الغاية) و(المشروع) كليهما. أو لنقل بصورة أدق: تداخل (الاستراتيجي) و(التكتيكي) الى حد مثير للدهشة والاستغراب وأشياء أخرى. ففي اللحظات التي يعجز فيها الطرف الفلسطيني عن الفعل أو المبادأة، فإنه يلجأ الى سياسة تقطيع الوقت والانتظار.. وغالباً ما تكون سياساته عبارة عن ردود أفعال لما يقرره أطراف آخرون. ويحتاج المرء الى كثير عناء لكي يصنّف هذا السلوك ضمن تعاريف محددة.
في المحصلة، فإن الوضع الفلسطيني ليس أمام أزمة في المشروع الوطني، بالمعنى التقليدي للأزمة، بل أمام مشاريع متعددة ومختلفة، تعبّر عن نفسها في حالة الانقسام الحاد على كافة المستويات السياسية، كما تعبّر عن نفسها أيضاً في وجود غايات ومشاريع لكل مجموعة فلسطينية تبعاً لأوضاعها وظروفها ومنطلقاتها الخاصة، التي فرضتها عليها الظروف وتطورات الصراع.
إيجاد مخرج لهذه الأزمة – المأزق يحتاج الى جهود كثيرة وكبيرة. ولكن الأكيد أن طريق المخرج تمرّ عبر بوابة استراتيجية فلسطينية موحدة، متفق عليها، في حدها الأدنى على الأقل، تعيد توحيد الكل الفلسطيني في إطار م. ت. ف. بما هي الإطار الذي لا يزال يحظى بشيء من المشروعية، وإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، تضمن تمثيل كل الشعب الفلسطيني، أينما وجد، بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948، ولو عن طريق التعيين، مهمته وضع الاستراتيجية الموحدة، وتجديد الميثاق الوطني الفلسطيني، وانتخاب لجنة تنفيذية، تأخذ على عاتقها تنفيذ المشروع الوطني.
أما حالة المراوحة والانتظار وردود الأفعال، فإن من شأنها فقط أن تعمق الأزمة، بانتظار طوفان قد يأخذ كل شيء في طريقه.
المصدر: نشرة الجهاد العدد 108
