/مقالات/ عرض الخبر

النقب في عين عاصفة الاحتلال

2015/05/13 الساعة 08:51 ص
عمليات الهدم في النقب
عمليات الهدم في النقب

كتب: سليمان الشيخ

لم تكتفِ السلطات الإسرائيلية بحرمان عشرات القرى الفلسطينية في منطقة النقب المحتلة، من أبسط الخدمات التي تقدمها الدول لمواطنيها، كالكهرباء والماء والطرق والمجاري الصحية والمدارس والمؤسسات الخدمية والصحية وغيرها من البنى التحتية الضرورية للعيش الإنساني السوي. وقد دأبت السلطات الإسرائيلية على حرمان بدو فلسطين في النقب من هذه الخدمات، وطالبتهم بإخلاء قراهم وأراضيهم بحجة أنهم يقيمون على أملاك تابعة للدولة، في حين أن السكان يعلنون بأن هذه الأراضي ورثوها أباً عن جد، كما أنهم لم يألفوا ولا يرغبون بحياة بديلة عن حياتهم، لأن الدولة المحتلة تعدهم بحياة ومساكن وتجمعات بديلة أخرى!

عندما يئس بدو النقب من وعود وممارسات الدولة تجاههم، خصوصاً وأنها لا تتورع عن هدم بيوتهم بين فترة وأخرى، فإنهم لجأوا إلى إنشاء مؤسسات خدمية بدائية وبسيطة، تستجيب لأدنى متطلباتهم الإنسانية كشراء مولدات كهربائية، أو حفر آبار لاستخراج المياه أو بناء مرافق صحية، أو توفير كتاتيب لتعليم الأطفال. إلا أن ذلك لم يرق لسلطة الاحتلال، فهددت وهدمت وقلعت، وأعلنت بأن المطلوب من «الغزاة» أي الفلسطينيين ويا لمآسي التاريخ ومفارقاته الجارحة والمؤلمة أن لا يبقوا حيث هم، وإلا فسيتم هدم ما يبنون. فما تفاصيل ما يجري في النقب؟

إحدى القرى وهي قرية العراقيب، تم تدميرها نحو 80 مرة خلال فترة لا تتجاوز الثلاث سنوات، فلماذا يتم تدمير هذه القرية؟ والجواب يأتي من خلال ممارسات المحتل: لأنها مقامة على أراضٍ تعود ملكيتها للدولة! هكذا وبين فترة وأخرى تأتي جرافات الاحتلال، وسياراته وجنوده، ويبدأون بهدم وتشريد السكان وإرعابهم، وتتقافز ماشيتهم وتختلط مع أطفالهم وكبار السن من بينهم، كي يتفادوا أسنان الجرافات الحديد، أو سلاح الجنود وهم يهدمون ويشردون ولا يبقون وتداً لخيمة قائماً في مكانه، أو لوح «زينكو» أو «إترنيت» يصد حرّاً أو قرًّا، أو رياحاً مليئة بسموم الحقد العنصري. إلا أن إرادة التحدي والإصرار على العيش والحياة على أراضٍ ورثها السكان من آبائهم وأجدادهم، تعيد، وقدر الإمكان ما تهدم تدريجياً، عندما تولي قوات الاحتلال الإدبار، فشمس الصحراء وأشعتها اللاهبة لا ترحم، كذلك هواؤها الحار ورمالها التي قد تعمي العيون، وهي تهب وتتوزع في الأرجاء.

لذا فإن إعادة البناء من مواد بدائية تتم بسرعة، لتعود الماشية إلى مراحها وهي تتقافز وتتسابق مع الأطفال.

هذه حكاية لا تنفرد بها قرية العراقيب بمواجهة مآسيها بين فترة وأخرى، بل هناك نحو 46 قرية فلسطينية في النقب، تواجه هذا المصير البشع، لأن سلطات الاحتلال تطلق ويا للمفارقة على السكان صفة «الغزاة» وأنهم يحتلون أراضي الدولة! لذا فإنها تطاردهم وتريد الاستيلاء على أراضيهم، وتسعى إلى تجميعهم في معازل وتجمعات محصورة في مساحة محدودة، وهم الذين تقوم حياتهم على التنقل ورعي مواشيهم في فضاءات مفتوحة بحثاً عن الماء والعشب,

وكانت سلطات الاحتلال قد أقامت معازل في سبعينات القرن الماضي لمجموعة من سكان النقب الذين استولت على أراضيهم وأملاكهم. والتجربة بحسب ما تشير تقارير عدة، هي من أسوأ التجارب والتجمعات، حيث يعاني السكان من البطالة وسوء العيش والحياة. وكانت السلطات ومن خلال خطة برافر بيغن تريد الاستيلاء على أراضي مواطنين آخرين في العام الماضي، إلا أن هبة السكان مع غيرهم من المتضامنين، أوقفت المخطط، لكن إلى حين، بحسب تقارير عديدة، وإن استمرت في مصادراتها للأراضي بين فترة وأخرى وبالمفرق.

مطالبة بالاعتراف

تمكن الإشارة هنا إلى أن أغلب القرى الفلسطينية في النقب، كانت قائمة ولها وجودها الحياتي المستمر قبل فرض قيام الدولة الصهيونية منذ العام 1948. مع ذلك فإن هذه الدولة لم توفر للسكان أية خدمات إنسانية من المفترض بالدولة التي تعتبر السكان من «رعاياها» أن توفرها، كالماء والكهرباء والطرق والمدارس والعناية الصحية، وغير ذلك. إلا أنها وحتى الآن لا توفر من ذلك شيئاً، بل هي تفرض على شبان تلك القرى الالتحاق بالخدمة الإلزامية في الجيش والقوى الأمنية، ليدخل أولئك الشبان في أزمة حياتية ونفسية خانقة. فهم عليهم «خدمة» دولة تمارس الاذلال والإهمال وعدم تقديم أية خدمة واجبة عليها نحو «مواطنيها». وعليهم في الوقت نفسه أن يباشروا بتأدية واجباتهم العسكرية والأمنية كأي جندي آخر.

وفي محاولة لوضع السلطات الحاكمة أمام مسؤولياتها والاعتراف بتلك القرى، انطلقت مسيرة على الأقدام من قبل بعض شبان القرى النقبية المحرومة من الخدمات مع متضامنين آخرين من أمام قرية «وادي النعم» في 26/3/2015 واستمرت في سيرها لمدة أربعة أيام وصولاً إلى مدينة القدس، بعد أن كابد المشاركون تعباً ومشقات في التنقل والغذاء والنوم وعوامل الطبيعة المتغيرة. ورفعوا شعار «نسير للاعتراف» وكان على رأس المشاركين في المسيرة المحامي أيمن عودة رئيس القائمة العربية المشتركة، وهو أحد النواب الفائزين في الانتخابات النيابية الأخيرة، واشترك معه نواب من القائمة أيضاً، من بينهم النائب اليهودي دوف حنين، الذي قال: «يدور الحديث عن عشرات الآلاف من (مواطني إسرائيل العرب البدو) الذين يعيشون في الصحراء وفي قرى غير معترف بها من دون حلول، وهذا أمر يحتاج إلى حلول طارئة».

أما النائب عودة، فقد ذكر «أن هناك ما يزيد على أربعين قرية غير معترف بها هنا في النقب، وهذه القرى كانت قائمة وموجودة قبل قيام دولة إسرائيل، وهي محرومة من الكهرباء والمياه وغير ذلك. أضاف: أفكر بهؤلاء الأطفال الذين يسيرون كيلومترات عدة كي يصلوا إلى مدرسة ابتدائية، هذه مأساة إنسانية! وقال: كيف لأطفال أن يناموا في العتمة وبلا كهرباء، وهم يشاهدون الحيوانات والطيور في زرائبها وأقفاصها في المستعمرات والكهرباء تشع وتشعشع فيها. حقاً إنها من المآسي الكثيرة في هذه البلاد! وقد قطعت المسيرة نحو مائة كيلومتر بما تخلل ذلك من تعب ومشقات، وهي المسافة القائمة بين النقب ومدينة القدس.

هناك حقائق لافتة تحرك المشاعر الإنسانية، وتدفع إلى الغضب والاستنكار، والمطالبة بكل الوسائل الممكنة إلى تغيير واقع شاذ، يتحدى كل ما درجت عليه الإنسانية من تعامل وممارسات، وتوفير حياة سوية. حتى القوانين الدولية تفرض على المحتل عدم المساس بالحقوق الإساسية. إلا أن المحتل الإسرائيلي يتجاوز كل حدود التعامل الإنساني والحقوق المشروعة، وخصوصاً في النقب الفلسطيني المحتل، وما جرى ويجري في «العراقيب» وغيرها من القرى، مثال ساطع على تحدي الاحتلال وقوانينه وممارساته الجائرة.

المصدر: المستقبل

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/74292

اقرأ أيضا