تمارس "إسرائيل" بأشكال مباشرة وغير مباشرة نوعاً من الابتزاز ضد المنظمات الدولية مستفيدة من وقوف الولايات المتحدة غالباً إلى جانبها من ناحية ومن نفوذها في عدد من هيئات صنع القرار ووسائل الإعلام الإعلامية من ناحية أخرى. ويمكن القول إن تقارير الأمم المتحدة، على الأقل في السنوات الأخيرة، تعبر بأشكال مختلفة عن مدى أخذ المنظمة الدولية "إسرائيل" بعين الاعتبار.
تشكل الجرائم "الإسرائيلية" في الحرب الأخيرة على غزة إحدى ترجمات هذا الأمر على الصعيد الدولي. وفيما حظرت "إسرائيل" التعامل مع لجنة تحقيق شكلها المجلس العالمي لحقوق الإنسان بسبب الطابع الاستقلالي لها تعاونت مع لجنة خاصة شكلها الأمين العام للأمم المتحدة للبحث في استهداف "إسرائيل" لمنشآت الأمم المتحدة أثناء الحرب. وبدا واضحاً أن التقرير الأممي هذا يأخذ "إسرائيل" بالحسبان أكثر مما ينبغي فضلاً عن أنه يتجاهل حقائق دامغة ويحصر نفسه ضمن أضيق نطاق . ولذلك ليس صدفة أن تقرير الأمم المتحدة هذا بقي سرياً ولم تشأ الأمانة العامة إظهار سوى جانب ضئيل منه على شكل إيجاز.
وفي كل حال فإن التقرير أظهر أن "إسرائيل" مسؤولة عن المساس بسبع منشآت تابعة للأمم المتحدة لقي فيها 44 فلسطينياً مصرعهم وأصيب 277 آخرين بجروح وأن المنظمات الفلسطينية استخدمت ثلاثاً من المنشآت الدولية لتخزين الأسلحة أو لإطلاق الصواريخ وقذائف الهاون. وبدا أن الأمم المتحدة، باسم النزاهة والموضوعية والحياد، تضع لجوء أحد المسلحين الفلسطينيين إلى منشأة أممية وهو هارب من قصف مثلاً مساوياً لاستهداف "إسرائيل" وقصفها منشآت تؤوي لاجئين فارين من خطوط القتال. وقد برأت الأمم المتحدة عملياً "إسرائيل" من اقتراف جرائم حرب موصوفة ومتعمدة عندما وضعتها في سياق واحد مع أخطاء يمكن أن يكون اقترفها أفراد من الفصائل الفلسطينية.
والفارق بين الأمرين جوهري ليس فقط لجهة شدة النيران المستخدمة من الجانبين وإنما كذلك لحجم الضرر من وراء كل منها مادياً وبشرياً طال الطرف الآخر.
وكانت "إسرائيل" قد اعترضت أصلاً على قرار الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بتشكيل لجنة التحقيق الخاصة هذه. ومارست هي والولايات المتحدة ضغوطاً هائلة لمنع تشكيل اللجنة أو لتأجيل تشكيلها إلى ما بعد انتهاء الجيش "الإسرائيلي" من تحقيقاته الخاصة بهذا الشأن. وتحت الضغوط جرى تحويل تفويض اللجنة من مجرد فحص الجهة المسؤولة عن استهداف منشآت الأمم المتحدة إلى فحص الاتهامات "الإسرائيلية" بشأن وجود أسلحة في منشآت الأمم المتحدة. وفي كل حال من بين عشرات الوقائع اختارت اللجنة التحقيق في عشر منها فقط .
وبعد تفويض اللجنة تم تعيين طاقمها من خمسة أشخاص برئاسة الجنرال الهولندي المتقاعد باتريك كامرات وعضوية مستشارة قانونية أرجنتينية هي ماريا ميلبورن ودبلوماسي أمريكي، لي أوبريان، وبروفيسور قانون كندي هو بيير لملين وضابط أمن هندي يدعى كي سي رادي. وقد رحبت "إسرائيل" بهذه التشكيلة وتعاونت معها كل من وزارة الخارجية وديوان رئاسة الحكومة "الإسرائيلية" وسمحت للجنة بزيارة غزة. وأنجزت اللجنة تقريرها وقدمته للأمانة العامة في الخامس من فبراير/ شباط الفائت. ومن الجائز أن تأخير نشر موجز التقرير حتى نهاية إبريل/ نيسان يشهد على الجدل الذي ساد أروقة الأمم المتحدة بشأن طريقة التعامل معه. وفي كل حال فإن التقرير الذي يحوي 207 صفحات صنفت جميعها على أنها "فائقة السرية" لم ينشر عنها سوى إيجاز من 27 صفحة صيغت بشكل دبلوماسي.
ووجه بان كي مون إلى جانب ما أعلن عن التقرير رسالة إلى أعضاء مجلس الأمن أعرب فيها عن شكره لـ"إسرائيل" على تعاونها مع اللجنة وامتدح قيامها بالتحقيق في أحداث الحرب خصوصاً تلك التي تضررت فيها منشآت الأمم المتحدة. وبالمقابل انتقد "السلطة الفلسطينية" التي لم تجر، حسب رأيه، تحقيقات في جرائم حرب قد يكون الجانب الفلسطيني قد اقترفها. وشدد على وجوب أن تجري "السلطة الفلسطينية" تحقيقات سريعة، ووفق المعايير الدولية.
وقد أدان بان كي مون استهداف "إسرائيل" لمنشآت الأمم المتحدة لكنه أعرب عن صدمته من استخدام الفلسطينيين، حسب التقرير، منشآت أخرى للأمم المتحدة لتخزين أسلحة ما جعلها عرضة للخطر. واتهم الفلسطينيين بأنهم على الأقل مرتين استخدموا هذه المنشآت لإطلاق النار وأدان استخدامهم لها لأغراض عسكرية مؤكداً أنه سيتخذ التدابير لمنع تكرار مثل هذه الاستخدامات.
وفيما انطلت عبارات الإدانة لـ"إسرائيل" على بعض الفلسطينيين والعرب ولم يلحظوا الجوانب الأخرى في التقرير كان واضحاً أن "إسرائيل" تعاملت بشكل أكثر تعقيداً مع التقرير. فقد قال الناطق بلسان الخارجية "الإسرائيلية"، عمانويل نحشون إن "إسرائيل" ستدرس نتائج التقرير وستواصل العمل في هذا الشأن مع الأمين العام للأمم المتحدة. وأكد في بيان أصدره أن "تعاوننا يجسد أنه عندما يكون مطلوباً منها المساعدة في فحص احترافي وغير مغرض، ترد "إسرائيل" بشكل منفتح، رغم تحفظات معينة لديها بشأن المسألة وتحفظات بشأن جزء من خلاصات التقرير واستنتاجاته".
وشدد نحشون على أن تقرير الأمم المتحدة يظهر بوضوح أن المنظمات الفلسطينية استغلت منشآت الأمم المتحدة في غزة وأن "إسرائيل" مستعدة للعمل مع "وكالة الغوث الدولية" لمنع استخدام منشآتها لأغراض "إرهابية" في المستقبل. وأشار إلى أن "إسرائيل" حققت في سبع حالات ضرب منشآت للأمم المتحدة في غزة وكانت بعضها مبررة وفي حالات منها فتحت ملفات جنائية .
والواقع أن "إسرائيل" شعرت بالرضى التام من تقرير الأمم المتحدة والذي رأت فيه عملياً "لائحة اتهام ضد وكالة الغوث"، وفق ما نشرت صحيفة معاريف. ونقلت الصحيفة بعد نشر موجز التقرير عن مصدر سياسي "إسرائيلي" رفيع المستوى قوله إن "تقرير الأمين العام للأمم المتحدة يشكل لائحة اتهام ضد "وكالة الغوث" بسبب تعاونها مع حماس" . وتؤمن "إسرائيل" أنها كسبت بتعاونها مع لجنة التحقيق وأن التقرير في خلاصته كان متوازناً وأن التعاون حال دون أن تغدو النتائج منحازة للفلسطينيين وبالإجمال منع تقريراً كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير .
بعض الفلسطينيين والعرب انتقدوا الأمين العام للأمم المتحدة على اكتفائه بشجب التصرفات "الإسرائيلية" باستهداف منشآت "وكالة الغوث" من دون اتخاذ إجراءات رادعة. وقال هؤلاء إن هذا الشكل من التعامل يدل على عدم جدية الأمم المتحدة في تقاريرها ويوفر مبررات لمسلكيات "إسرائيل" اللاحقة. فالأمم المتحدة لم تعمل بجدية من أجل منع تكرار الهجمات من جانب "إسرائيل" واندفعت للإشادة بتعاونها وإدانة الفلسطينيين، من دون أن توفر الحماية اللازمة للمدنيين حتى اللاجئين منهم إلى منشآتها.
ومن المؤكد أن أهم ما حظيت به "إسرائيل" في هذا التقرير هو السابقة التي يمكنها أن تدعيها. فهي تعرف بأنها تتعرض لتحقيقات دولية ليس فقط عبر "المجلس العالمي لحقوق الإنسان" وإنما أيضاً في "المحكمة الجنائية الدولية". وهي سوف تستغل هذا التقرير ورسالة بان كي مون إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي لنثبت من جهة أنها حققت بصورة مقبولة في الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وأنها لاحقت بشكل مرض المشتبه بوقوفهم خلفها.
وكانت "إسرائيل" قد شكلت لجاناً قانونية لتقديم المشورة في مسائل الملاحقة الدولية لجرائم الحرب انطلاقاً من أن التحقيق، ولو الظاهري، فيها يوفر مبرراً لإعفائها من الملاحقة القانونية. ولكن حجم الخسائر في الجانب الفلسطيني والتي زادت عن 2200 شهيد وأكثر من 11 ألف جريح في الحرب الأخيرة، أغلبيتهم الساحقة من المدنيين، فضلاً عن تدمير آلاف المنازل كلياً وجزئياً تظهر أن الجريمة أكبر من أن تختفي خلف تحقيقات في جرائم سرقة وادعاء أخطاء هنا وهناك .
وفي كل حال ورغم أن منظمات حقوق إنسان فلسطينية ودولية قدمت شهادات حول مئات جرائم حرب واضحة وصريحة، فإن الجيش "الإسرائيلي" لم يحقق سوى في 12 حادثاً فقط. وهذه هي التحقيقات التي أشاد بها الأمين العام للأمم المتحدة. وربما لهذا السبب تتوجه أنظار الفلسطينيين إلى "المحكمة الجنائية الدولية" التي يأملون أن تكون أقدر على إدانة الجرائم "الإسرائيلية" وتقديم مرتكبيها للعقاب.
ويستمد كثير من الفلسطينيين الأمل من تصريحات المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودة التي أكدت أن المحكمة الجنائية الدولية كفيلة بأن تحقق وتحاكم المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب بغض النظر عن مناصبهم. وأكدت أنها تدرك التعقيدات السياسية ولكن تفويضها في فلسطين كما في كل مكان آخر قضائي وليس سياسياً. ومعروف أن بنسودة بدأت جمع المعطيات قبيل اتخاذ قرار نهائي بشأن فتح تحقيق ضد "إسرائيل" أم لا بعد أن صارت فلسطين عضواً في ميثاق روما وفي "الجمعية العمومية للأمم المتحدة".
المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية