يوم 9/9/2005 تأسست «BDS» "حركة لجان مقاطعة إسرائيل"، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها، فأصبح لفلسطينيي اللجوء والشتات والمهجر وداخل أراضي «67 و48» المحتلة، ائتلاف مميز يضم جميع الانتماءات السياسية والأيديولوجية ويتوحد على برنامج عمل واضح يستند إلى مبادئ القانون الدولي، بالرغم مما فيه من ثغرات، فوجدت حركة لجان المقاطعة نفسها أمام أحد خيارين: إما القانون الدولي، أو قانون الغاب.. فقانون الغاب ليس لمصلحة الشعوب المضطهدة، أما القانون الدولي ففيه ما يكفي من الإيجابيات، في حال توفرت الرؤية المبدئية والعصرية، والذكاء والإرادة، والتحالفات الواسعة، وخطة العمل الممنهجة، وآليات المتابعة، والديمقراطية، والحوار البنّاء.
تشير الإحصائيات الرسمية الفلسطينية إلى أن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة لا يشكّلون سوى «38%» من الشعب الفلسطيني، ويشكّل فلسطينيو أراضي 48 نحو «12%»، بينما يشكّل فلسطينيو المهجر والشتات مانسبته «50%» من شعبنا.. لذلك يتوجه برنامج حملة لجان المقاطعة ويحدد الحقوق الأساسية الخاصة لهذه التجمعات الرئيسية الثلاثة المكونة للشعب الأصلاني لفلسطين التاريخية.. والتي تشكّل الحد الأدنى لمتطلبات حق تقرير المصير، وإلزام "إسرائيل" بتطبيق ما هو مطلوب منها ليتمكن الشعب الفلسطيني من إنجاز استقلاله الوطني، وعودته إلى أرضه وممتلكاته ودياره التي هجّر منها عام 1948.. وتتلخص تلك المطالب:
1 ـ إنهاء الاحتلال الإسرائيلي "الكولونيالي" لجميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967، وتفكيك المستوطنات، وجدار الفصل العنصري.
2 ـ الاعتراف بالحقوق القومية والمساواة الكاملة للمواطنين الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948.
3 ـ الاعتراف بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وعودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم كما هو منصوص عليها في القرار الأممي رقم 194.
عناصر القوة لحركة المقاطعة
يستند برنامج عمل «BDS« على ما أنجزته مبادرات فلسطينية ودولية عديدة تدعو لمقاطعة "إسرائيل" وسحب الاستثمارات منها.. ولاسيما تلك المبادرات التي أطلقها مؤتمر الأمم المتحدة لمناهضة العنصرية في مدينة ديربان بجنوب إفريقيا عام 2001، جنباً إلى جنب مع الانسجام المبدئي والأخلاقي والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان العالمية بوصفها الأساس الجوهري للحركة العالمية الرامية إلى مقاطعة إسرائيل.. كما أن تلك الجهود تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية هي: مراعاة خصوصية كل مرحلة، والتدرّج، والاستدامة.
تكمن عناصر القوة لحركة المقاطعة في أنها مكونة من ممثلين عن الاتحادات النقابية والهيئات النسائية والطلابية، والجمعيات الأهلية والشعبية، وفاعليات إقتصادية وثقافية وناشطين مستقلين، إضافة إلى تحالف القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية، ولها «أمانة سر» تتابع المهمات اليومية، تعتبر الغالبية العظمى من المنضوين في لجانها «متطوعات ومتطوعين»، عدا عن الممثلين الدائمين للحركة في «ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا» والبلاد العربية وفلسطين المحتلة فهم من المتفرغين.. إلخ، ولا تصنف الحركة كمنظمة غير حكومية "N G O" ولا تعتمد بتمويلها على جهات معينة، فتمويلها ذاتي وبسيط جداً، ويوظف مباشرة في تطوير الأدوات وتحسين الأداء.
لذلك لا يستطيع أحد أن يبتزها أو يلوي ذراعها، إذ لا تعاني من اشتراطات مصادر التمويل، ولا مجال للفساد أو الإفساد فيها، وإن تطوير عمل حركة المقاطعة يتطلب بالتأكيد زيادة ممنهجة في عدد المتفرغين المتابعين لمختلف المجالات التخصصية «الإعلام، البحث، الأرشفة، وتنسيق الحملات العالمية.. إلخ»، ويأتي هذا التوسع انطلاقاً من الحاجة الموضوعية، لا من الانتفاخ الذي يسببه التمويل عادة.. كما أن القرارات تتخذ عبر ممثلي هيئات المجتمع الفلسطيني في اللجنة الوطنية للمقاطعة، وهي الهيئة الموسعة أو التحالف الوطني الذي يضم متطوعات ومتطوعين، من غير الموظفات أو الموظفين.
غير أن العمل التطوعي في صفوف حركة المقاطعة "BDS" يواجه بعض الصعوبات، فالإسرائيليون وحلفاؤهم جربوا كل الأشكال الممكنة في حربهم ضد الحركة، بدءاً من تشويه سمعة المؤسسة والأفراد، إلى الاتهامات بمعاداة السامية والعنصرية، مروراً باللجوء لتجريم وحظر المقاطعة عبر تشريعات وقوانين تعسفية وخلاف ذلك، حتى أن نتنياهو وأثناء خطابه الأخير في "مؤتمر منظمة الإيباك الأمريكية" ذكر اسم حركة المقاطعة «BDS« أكثر من أربعة وعشرين مرة، مشيراً إلى المخاطر الجدية التي تشكلها الحركة على المصالح "الإسرائيلية".
الهجوم "الإسرائيلي" المضاد
عندما تأسست حركة المقاطعة عام 2005، أوكلت الحكومة "الإسرائيلية" إلى وزارة الخارجية مهمة إعداد خطة عمل لمواجهتها، وبما أن وزير الخارجية في الأعوام الأخيرة هو العنصري المتطرف الأحمق أفيغدور ليبرمان، فإن النتائج صبّت في مصلحة حركة المقاطعة.
واعتباراً من شهر حزيران 2013 عادت الحكومة "الإسرائيلية" لتوكل مسؤولية محاربة الحركة لوزارة الشؤون الاستراتيجية، وكشفت الصحافة البريطانية مؤخراً عن «مؤتمر سري» عقد في الأراضي البريطانية وترأسه وزير الشؤون الاستراتيجية "الإسرائيلي"، بمشاركة نشطاء من الحركة الصهيونية في أوروبا، بهدف التوصل إلى استراتيجية موحدة لمواجهة "BDS" وكان مؤتمراً على جانب من الأهمية بالنسبة "لإسرائيل" وأنصارها.. كما عقدت الحكومة "الإسرائيلية" في شهر آذار 2014 «مؤتمراً سرياً آخر تم تسريب قراراته إلى الصحافة "الإسرائيلية"، وأبرزها:-
1 ـ تخصيص «100مليون شيكل» إضافة إلى «30 مليون دولار» زيادة عن المبالغ التي تم تخصيصها سابقاً، لمواجهة حركة المقاطعة.
2 ـ تكثيف الجهد والعمل الاستخباراتي من قبل أجهزة الأمن "الإسرائيلية" «الموساد والشاباك« ضد لجان حركة المقاطعة حول العالم، ومتابعة النشطاء من الأشخاص والجمعيات والاتحادات ومحاصرتهم.
3 ـ تعزيز وتطوير وسائل ما أطلقت عليه "إسرائيل" «الحرب القانونية» في مواجهة حركة المقاطعة "BDS".
لكن «الحرب القانونية» التي أعلنتها "إسرائيل" ضد حركة المقاطعة في أوربا والولايات المتحدة اعتبرها الغرب محاولة لتجريم حرية الرأي، الأمر الذي يتنافى مع الدساتير والقوانين الأوروبية والأمريكية، وهذا أمر لا يتقبله الغرب بسهولة، فليس من السهل أن تلقى أي حملة "إسرائيلية" لدى الغرب تعاطفاً وتأييداً من الرأي العام، خاصة عندما يصل الأمر إلى تجريم لجان حملة المقاطعة، ليس بالضرورة دفاعاً عنها، وإنما دفاع عن حرية الرأي وترسيخ لحقيقة أن المؤسسات الأوروبية والأمريكية الليبرالية تعتبر المقاطعة قضية رأي وتعبير في الجوهر.
خلاصة القول
بعد نحو اثنين وعشرين عاماً على اتفاق "أوسلو" وما صاحبه من موجات التطبيع الاقتصادي والسياسي والأكاديمي المدعومة من بعض الحكومات الغربية، باتت الأغلبية الساحقة من شعبنا غير مقتنعة بإمكانية التأثير في الرأي العام العالمي، والمجتمع "الإسرائيلي"، لمصلحة حقوقنا الوطنية من خلال «التفاوض» فحسب، ولدينا المشروعية للتساؤل: مَن اخترق مَن خلال حقبة أوسلو؟!.
فإذا كانت معايير المقاطعة ومناهضة التطبيع تقر من خلال لجان وحوارات وائتلافات وطنية واسعة، فإنها قابلة للتطوير بحسب تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والنضالية لشعبنا، ويبقى المهم أن نحافظ على وحدة وديمومة هذه المرجعية الجماعية، وإلا بات كل طرف يتبع معاييره الخاصة للمواجهة.
لم نعرف في التاريخ دولة استعمارية غارقة في العنصرية تنازلت طوعاً عن استعمارها واضطهادها لشعب مقهور من دون مقاومة وضغط متواصل وفاعل من الداخل والخارج.. إن كفاح شعبنا المصحوب بمقاطعة عالمية متنامية، قادر على إحداث تصدّع وتفسّخ واختراق للمجتمع "الإسرائيلي".
لقد أثبتت حركة المقاطعة "BDS" أنها قادرة على إيصال "إسرائيل" إلى عزلة دولية في المجالات كافة، غير أن ذلك يتطلب المزيد من تفعيل المقاطعة محلياً وإقليمياً ودولياً، ومناهضة حازمة لكل أشكال التطبيع.. وأصبح جليّاً، كي نراكم على الإنجازات، لا بد من استراتيجية نضالية عصرية وموحدة، وإلى قيادة مبدئية وديمقراطية شابة تمثل شعبنا في مختلف أماكن وجوده.
المصدر: محمد رضوان جريدة المستقبل اللبنانية
