بسهوله تستطيع أن تشعر بحجم القلق الذي يعيشه نتنياهو وحزب الليكود عشية انتخابات الكنيست 2015، وخشيته من أن يتراجع للمركز الثاني لصالح تحالف هرتسوغ ليفني.
البيان الغاضب الذي أصدره الليكود وحمل توقيع نتنياهو رداً على المهرجان الحاشد الذي أقيم في وسط تل أبيب تحت شعار التغيير- والذي دعا إلى استبدال رئيس الوزراء نتنياهو، إنما يعكس حجم هذا القلق والارتباك الذي يسود قيادة الليكود عشية الانتخابات. حيث اعتبر الليكود في بيانه الناري أن هذا المهرجان هو جزء من حملة مدبرة لليسار الإسرائيلي، يتم تمويلها بملايين الدولارات من مصادر خارج البلاد نظرية المؤامرة -. كما استفزت كلمة رئيس الموساد السابق مائير داغان في المهرجان أقطاب الليكود ورئيسه، والذي اعتبر أن أزمة القيادة التي تمر بها إسرائيل حالياً هي الأخطر منذ قيام الدولة العبرية، داعياً إلى انتخاب قيادة شجاعة ستكون قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة بعد ست سنوات من الإخفاقات المتتالية.
نتنياهو نفسه وفي تصريح إعلامي أكد أنه يوجد مجهود مركز، سياسي ومالي، من أجل التسبب في إسقاط حكم الليكود برئاسته واستبداله بحكم اليسار برئاسة تسيبي وهرتسوغ.
وأوضح نتنياهو أنه يجري تنظيم هذا المجهود بواسطة ضخ مكثف للأموال، وكذلك بواسطة حملة وحشية وغير مسبوقة من جانب جهات إعلامية عديدة. كما يتخوف نتنياهو من ابتعاد ناخبين تقليديين لحزب الليكود ونقل تأييدهم إلى حزب «كولانو« برئاسة موشيه كحلون، الذي انشق عن الليكود. وقال نتنياهو إن من ينوي التصويت لكحلون عليه أن يأخذ في الاعتبار أنه يصوت إلى تسيبي.
ويعكس شريط فيديو للحملة الانتخابية لحزب الليكود حالة الخوف التي تسود أوساط الحزب من فوز ما يسمى اليسار أو يمين اليسار في الانتخابات، ومحاولة لتخويف الجمهور الإسرائيلي من انتخاب اليسار، والربط بين تلك الخطوة وتقدّم تنظيم داعش إلى قلب إسرائيل. حيث يظهر الشريط الدعائي ممثلَين كوميديَين مسلحَين في سيارة عليها رايات داعش السود، ويسألان سائق سيارة مارة: كيف نصل إلى القدس يا أخي، فيرد السائق إلى اليسار!!!
وما كشفه ناحوم بريناع في صحيفة يديعوت أحرنوت -، عن وجود وثيقة مسربة تمت بلورتها عام 2013 بين مكتب نتنياهو والممثل الشخصي للرئيس الفلسطيني محمود عباس والتي شكّلت قاعدة للمحادثات الرسمية في تلك الفترة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية برعاية وزير الخارجية الأميركي جون كيري - أحدثت هزة كبيرة في الجهاز السياسي الإسرائيلي، وحالة من الإرباك في الليكود.
وعلى ذمة بريناع فإن الوثيقة تفتح الباب أمام العودة إلى حدود 67 مع تبادل للأراضي، وتعترف الوثيقة المسربة بشرعية وطموحات الفلسطينيين في القدس الشرقية، وتسمح بعودة اللاجئين بشكل فردي إلى داخل إسرائيل، مع إخلاء المستوطنين من الضفة والإبقاء على من يرغب تحت السيادة الفلسطينية.
وفي أعقاب كشف الوثيقة هاجم رئيس البيت اليهودي نفتالي بينيت... نتنياهو وقال: «لقد انتهى حفل الأقنعة، وتحولت انتخابات الكنيست العشرين إلى استفتاء عام حول إقامة الدولة الفلسطينية. أما رئيس حزب «إسرائيل بيتنا« أفيغدور ليبرمان، الذي دعا إلى قطع رؤوس كل من يرفعون الأعلام السود في ذكرى النكبة من عرب 48، وجدد دعوته للتخلص من مدينة أم الفحم والتبرع بها إلى السلطة الفلسطينية، فقد أكد معارضته بشكل مطلق لفحوى هذه الوثيقة، وأوضح بأن هذه الوثيقة لا تحل المشكلات الصعبة التي تواجهها إسرائيل وهي: الحاجة إلى إنهاء سلطة الإرهاب في غزة على حد قوله، ومشكلة عرب إسرائيل.
فيما انبرى وزير الشؤون الإستراتيجية، يوفال شطانيتس للدفاع عن رئيسه نتنياهو ووصف الوثيقة بهراء سياسي- وهي تشبه ما يتم عرضه في عيد المساخر اليهودي، وادعى شطانيتس أن توقيت نشر هذه الوثيقة ينبع من دوافع سياسية، والهدف منها ليس كشف شيء جديد أمام الجمهور الإسرائيلي، إنما نقل أصوات من مؤيدي الليكود إلى أحزاب أخرى، وشق طريق هرتسوغ وليفني إلى ديوان رئاسة الوزراء.
ولم يتأخر الوسيط الأميركي السابق دنيس روس، عن نجدة نتنياهو، فقد نفى أن يكون الأخير قد وافق على خطوط 67 وعلى تقسيم القدس وعلى حق العودة الفردية وقال: إن المقصود من الوثيقة كان إجراء عصف ذهني هدفه التوصل إلى خطوط عريضة لأي اتفاق محتمل، وكان يمكن للأطراف الاعتراض عليه.
وفي خضم ذلك، يبدو أن الأحزاب العربية في داخل إسرائيل، قد وعت أخيراً الدرس، وان المرحلة التي تمر بها الانتخابات هي مرحلة مصيرية، لم تعد تحتمل التفريق والتنازع الحزبي وخصوصاً في ظل حالة التربص التي تسود والعالقة بينها وبين الجهاز السياسي في إسرائيل. فلأول مرة يجتمع يساريون وقوميون وإسلاميون في قائمة واحدة.
ويرى أحد مفكري الداخل، بأن الفائدة الاستراتيجية للقائمة الموحدة تفوق تحصيل 15 مقعداً في الكنيست. وهي ضمان التطور الطبيعي للأقلية العربية والحفاظ على هويتها ووجودها في ظل غياب أي انتصار فلسطيني وعربي على المشروع الكونيالي الصهيوني. حيث إن أي محطة في حياة شعب خاضع لحكم استعماري، تتمثل في إقامة المؤسسات القومية والدفع في اتجاه الاعتماد على الذات والحكم الذاتي الثقافي، كأحد أشكال المقاومة، لأقلية أصلانية سلخت عن شعبها وأمتها، وتعيش تحت دولة غازية تحظى بشرعية دولية.
أما بالنسبة إلى الموقف الفلسطيني الرسمي، فهو لا يعلق أمالاً كبيرة على فوز أي من الكتل الحزبية المتنافسة، وذلك يعود ببساطة إلى أن كل الأحزاب الإسرائيلية بلا استثناء، لا تعيش هاجس إيجاد حل سلمي للصراع، على أساس قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67.
بالعكس قد يكون فوز اليسار، أكثر ضرراً بالقضية الفلسطينية من فوز اليمن وأكثر قسوة على الفلسطينيين. وقد لخص عضو اللجنة المركزية محمد أشتيه ذلك بالقول: إنه في حال نجاح محور هرتسوغ ليفني، فقد يشتري العالم البضاعة التي يسوقها هذا المحور، ويتحول ذلك إلى ضغط كبير على القيادة الفلسطينية من المجتمع الدولي، وسيطالب العالم الفلسطينيين بالتوقف عن اللجوء إلى المؤسسات الدولية والمحكمة الجنائية، والجلوس إلى طاولة المفاوضات مجدداً مع من يسميهم المعتدلين في إسرائيل. ووصف الدكتور أشتيه الفرق بين حزب نتنياهو، وحزب ليفني كالفرق بين البيبسي والكوكا كولا.
المصدر: عبير بشير، المستقبل
