لم يأتِ الاجتماع الاخير لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي من فراغ او عن عبث، بل كان اشبه بـ"استدعاء" اميركي للخليجيين ليجتمعوا في الرياض لما تمثله من قيمة معنوية ودينية بالنسبة الى الدول العربية في الخليج، وليتبلغوا رسالة مباشرة من وزير الخارجية الاميركي جون كيري.
لا يحتاج الامر الى الكثير من التكهنات والتحليلات لمعرفة ان بند الاتفاق النووي بين ايران والغرب كان الوحيد على الطاولة ومنه اشتقّ الكلام عن الدور الايراني في الخليج، ولا شك انه تم التطرق الى مستقبل هذا الدور وكيفية التأقلم معه.
البارز في الاجتماع كان الكلام الصادر عن وزيري الخارجية السعودي سعود الفيصل والاميركي جون كيري بعد اللقاء، حيث رأى فيه الكثيرون انه كان عنيفاً حيال ايران اذ اتهمها الاول بأنها "تستولي على العراق ومشجعة للإرهاب"، كما اوضح ان الخليجيين قلقون من تدخل طهران في سوريا ولبنان واليمن والعراق، فيما قال الثاني ان طهران "ما زالت مسماة دولة ترعى الإرهاب".
ولكن، ما لم يتوقف عنده البعض هو النصف الآخر من الكلام الصادر عن المسؤولين الاثنين في نفس الزمان والمكان، اذ بات الموقف السعودي والخليجي بطبيعة الحال، متقبلاً للمفاوضات مع ايران شرط عدم امتلاكها السلاح النووي، فقد رحب الفيصل بالمفاوضات مع ايران، وقال: "ان أمن الخليج يبدأ بالحيلولة دون حصول إيران على النووي". هذا الامر ليس بجديد، اذ لطالما اعلنت ايران انها لا ترغب في امتلاك السلاح النووي، وقد تحدثت اكثر من مرة مع الخليجيين في هذا الخصوص، ودخلت المفاوضات مع الغرب على هذا الاساس، لكن الدول الخليجية لم تكن موافقة على هذا الطرح وأرادت المزيد.
اما كيري فقال من جهته: "ان سبب زيارتي الى الرياض هو لاطلاع شركائنا الخليجيين على المفاوضات مع ايران، وحققنا بعض التقدم مع ايران، لكن هناك بعض الفجوات...".
وهذا الكلام يعني بطريقة اخرى، انه ابلغ الخليجيين ان الاتفاق مع ايران بات امراً واقعاً وان عليهم التأقلم مع الموضوع بأفضل طريقة ممكنة، والا لما تكبّد كيري مشقة جمع الخليجيين في مكان واحد ليقول لهم شخصياً ان المفاوضات مع ايران فشلت وباتت وراءنا.
ومن الطبيعي ان يصدر بعض الكلام القاسي بحق ايران، وهو دليل اضافي على قرب اعلان الاتفاق بينها وبين الغرب، لان القاعدة السعودية والخليجية بشكل عام لن تقبل ان تنقلب الامور بين ليلة وضحاها فتتحول ايران من "عدوة" الى "جارة" ودودة يجب اقامة علاقات طيبة معها لما فيه مصلحة الخليج، كما يجب التفاوض معها في كل "شاردة وواردة" في ما يتعلق بأوضاع المنطقة، اي بمعنى آخر، ضمّها الى طاولة الهمّ الخليجي والشرق اوسطي.
ولن يكون الامر صعباً، بعد ان نجحت طهران في فرض نفسها كلاعبة اقليمية رئيسية، وما قاله الفيصل عن القلق من تدخلها في سوريا ولبنان واليمن والعراق، هو امر واقعي وهذا ما دفع الغرب تحديداً الى التعامل معها عبر التفاوض وليس عبر القوة، لعلمه انها باتت لاعباً لا يمكن التغاضي عنه، ومن الافضل ضمه الى الطاولة بدل محاربته.
كلام كيري القليل كان كافياً للحصول على مباركة الخليج للاتفاق الايراني-الاميركي (او الغربي)، ولكن ما سهّل الحصول على هذه المباركة بالفعل كان الواقع الميداني، وبالاخص في اليمن التي باتت تحت سيطرة الحوثيين، دون قدرة الخليج على التحرك كما حصل في البحرين.
وعلى قاب قوسين او ادنى من السعودية، اصبح من المقبول القول ان التفاهم مع ايران بات الهدف الاساس للدول الخليجية، لانها اثبتت انها قادرة على زعزعة استقرار الدول العربية الخليجية اذا ما ارادت. ولكن السؤال يبقى في قدرة "توازن الرعب" على خلق ارضية جيدة للتفاهم والتعاون، ولو بغطاء اجنبي، لان عدم الثقة ستكون السمة الاساسية لاي علاقة مستقبلية بين دول الخليج وايران.
المصدر: موقع "النشرة"
