/مقالات/ عرض الخبر

ما بعد الاغتيال التداعيات الجيو ـــ سياسيّة.. كتب: الياس حنا

2015/01/20 الساعة 11:20 ص

هل يمكن القول إنها صدفة؟ بالطبع كلاّ. هل هي خارج الإطار الجيو – سياسيّ وديناميّته؟ أيضاً كلاّ. إنها لعبة جيو - سياسيّة كبيرة جداً، سوف تُحدّد حتما شكل وتركيبة النظامين الإقليمي والعالميّ. كلّ شيء مرتبط بحسابات الربح والخسارة، كما النتيجة التي ستسفر عنها هذه اللعبة. لكن الأكيد، إنها في بداياتها، وهي طويلة ومُكلفة جدّا.

وبالرغم من الخسارة الكبيرة التي مُني بها «حزب الله»، فقد يمكن القول إن عمليّة الاغتيال هي تفصيل تكتيّ، من ضمن الصورة الاستراتيجيّة الكبرى.

فالسيّد حسن نصر الله، قبيل الذهاب علنا إلى الحرب في سوريا إلى جانب النظام، كان يعي حتما حجم الجهد المطلوب، ومستوى التضحيات، كما المخاطر الكبيرة على الحزب في حال الانكفاء.

السيّد هو فعلا قارئ متميّز لكتاب اللعبة الجيو – سياسيّة التي تدور اليوم في الإقليم. كما إن الحزب لاعب متميّز يتمتّع بقدرات تفوق قدرات اهمّ الدول في المنطقة. أثبتت حرب تمّوز 2006 هذا الأمر.

ماذا عن حدث الاغتيال؟

في المكان:

للمكان رمزيّة مهمّة للحزب. كان السيّد قد أكّد هذا الأمر في خطاب سابق هدّد به بفتح جبهة الجولان. اعتبر هذا القرار تحوّلا استراتيجيّا كبيرا، فقط لان الجولان هو الجبهة المُلتهبة مع إسرائيل، وليس جنوب لبنان، ولاوّل مرّة، بغضّ النظر عن الحروب التقليديّة بين سوريا وإسرائيل.

يتميّز الوضع في هذه المنطقة، بتعدّديّة اللاعبين، اغلبهم غير تقليديّ، لا بل تكفيريّ، وباللعبة المزدوجة التي تلعبها إسرائيل.

تُعتبر المنطقة للنظام، كما للحزب، مهمّة جدّا، لأنها تُمسك الـ «كوريدور» الممتدّ من جبل العرب، إلى عرسال مرورا بالقنيطرة، الزبدانيّ، وكلّ ما يتعلّق بالبقاع الشرقيّ. خسارة المنطقة تعني خسارة منطقة القلمون، كما عزل العاصمة دمشق.

وأخيرا وليس آخرا، إن سيطرة الحزب على منطقة الجولان – القنيطرة، تعطي الحزب ليونة كبيرة. فهو يُثبّت إسرائيل على الجبهة اللبنانيّة، ويستنزفها على جبهة الجولان والتي تُعتبر الآن، كأنها المُتنفّس. وما لا يمكن للحزب تنفيذه من جنوب لبنان، بسبب «الستاتيكو» القائم، ومع وجود قوات «اليونيفيل»، يذهب الحزب إلى الجولان للقيام بما يستلزم، بسبب القدرة على التملّص من المسؤوليّة ـــ استراتيجيّة فكّيّ الكماشة.

في الاغتيال:
ليست المرّة الأولى التي تغتال فيها إسرائيل كوادر من المقاومة بشكل عام. فالطريقة هي هي، منذ السيد عبّاس الموسويّ، وحتى الآن. الاغتيال المُنظّم، المُوجّه (Targeted Killing). تحتاج هذه المقاربة إلى دراسة الآخر، معرفة نقاط ثقله وتركيبته القياديّة، سياسيّة كانت ام عسكريّة. وهذا الأمر يتطلّب استعلاما استخبارتيّا متقدّما، ومُستديما، كما عمليّات تحليل لهذا الاستعلام. تظّهرت لدى «حزب الله» بعض الشقوق في تركيبته مؤخّرا، بعد الكشف والاعتراف بوجود عملاء داخل صفوفه. ويعود سبب هذا التشقّق، إلى الحركيّة الكبيرة التي يقوم بها الحزب بعد الانخراط في الحرب السوريّة. ترتفع مستوى الهشاشة مع كثرة التحرّك.

في المسؤولين – شهداء الحزب:
يعتبر العدد كبير نسبيّا. كما التنوّع بين لبناني وإيراني، الأمر الطبيعيّ والذي يعكس نوعيّة اللاعبين، في اللعبة الكبرى. أما نوعيّة الأشخاص، فهي من قيادات الصفّ الأوّل، مع رمزيّة خاصة لنجل القيادي الكبير في «حزب الله» الحاج عماد مغنيّة، والذي أيضاً اغتيل على يد إسرائيل كما عرفنا.

يأخذنا هذا الأمر ـــ نوعيّة القيادات ـــ إلى القول، أو بالأحرى التساؤل عما كانوا يحضّرون له هناك، الأمر الذي قد يأخذنا تحليلا إلى الاحتمالات التاليّة:

÷ التحضير لعمليّة كبرى، ردأ على اغتيال القياديّ الحاج عماد مغنيّة ـــ من هنا سبب تواجد نجله.

÷ الاستطلاع والتحضير لعمليّة ضد الجهاديّين هناك لقطع التواصل بينهم وبين منطقة القلمون، الأمر الذي يستبق التحضير العسكريّ الأميركي للمعارضة، والتي من المحتمل ان تبدأ من جنوب سوريا ضدّ النظام بعد اكتمال إعدادها.

÷ وأخيرا وليس آخرا، الاستطلاع الروتينيّ العاديّ، لان الحزب متواجد هناك. لكن السؤال يبقى لماذا هذا العدد من قيادات الصفّ الأوّل متواجد في منطقة واحدة، وضمن موكب واحد؟ لماذا هذا الاسترخاء في الأمن العملانيّ للقيادات؟ على كلّ، الأكيد أن دليل تواجد قيادات عسكريّة وأمنية من الصف الأوّل، يعنيّ حتما أن الأمر الذي كان يُحضّر هناك هو من نفس المستوى.

في التوقيت:
أتى الاغتيال بعد عدّة أيام من اعتراف الحزب بوجود عملاء داخل صفوفه، وبعد تهديد السيّد بالردّ في حال تعرّض سوريا لأيّ اعتداء إسرائيليّ.
قد يكون الأمر صدفة، أي التزامن في الأحداث، لكنّ العلمين العسكريّ والاستخباراتيّ يقولان بضرورة التنفيذ عندما تتوفّر الفرصة المناسبة، اي عمليّة الاغتيال. لكننا في التحليل، لا يمكن لنا تجاهل هذا التزامن.

في مرحلة ما بعد:
بعد الاغتيال ليس كما قبله. التصعيد سيكون سيّد الموقف. لكن الانتقام، وكما يُقال، هو وجبة من المُفضّل أن تُقدّم باردة: أي الانتظار، تمرير المرحلة، وبعدها مفاجأة الآخر.


في احتمال الردّ:
ثلاثة مسارح ممكنة للرد على إسرائيل، وهي:

÷ المسرح اللبنانيّ، وله تعقيداته لأنه يعني تخلّي الحزب عن استراتيجيّة فكيّ الكماشة، وبالتاليّ فتح جبهتين على نفسه. كذلك الأمر، من الحتميّ أن يأتي الردّ بحجم الخسارة، والساحة اللبنانيّة ليست جاهزة اليوم.

÷ المسرح الدوليّ، وهذا امر أيضاً له تعقيداته بسبب الانفتاح الإيراني على الغرب مؤخّرا، كما الحملة على الإرهاب (القاعدة وداعش) إن كان في فرنسا أو في بلاد الشام.

÷ أما المسرح الأخير والأكثر احتمالا فهو داخل فلسطين المُحتلّة، وذلك بسبب:

} توفّر الأهداف المهمّة، السياسيّة كما العسكريّة.

} توفّر الأرضية الخصبة ضدّ إسرائيل، كما القدرة على التخطيط، التنفيذ وتوفّر اللوجستيّة.

} قدرة الحزب على الإنكار، حتى ولو أراد أن تعرف إسرائيل ضمنا انه هو المستفيد ــ المُنفّذ.
 

 

السفير

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/69439

اقرأ أيضا