أبرز الإعلام الإسرائيلي المسائل الخلافية بين الأحزاب والتيارات السياسية الإسرائيلية، مع بدء حملة الانتخابات البرلمانية المبكرة، بعد الأزمة السياسية التي شهدتها الساحة السياسية الإسرائيلية. وهذا عرف سائد إبان الحملات الانتخابية.
سلطت وسائل الاعلام الاسرائيلية، في سياق الحملة الانتخابية، الضوء على حقيقة ان ما يهم الناخب الإسرائيلي هو الجانب السياسي والأمني، بالدرجة الأولى. ويكون الفوز من نصيب الأحزاب التي تولي في حملتها الانتخابية الاهتمام للجانب السياسي/الأمني. ودللت الصحافة على صدقية هذا التصور من خلال التذكير بنجاح اليمين في الانتخابات السابقة بسبب تركيزه على هذا الجانب، في حين خسر اليسار والوسط لتركيزه على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
انتخابات 2013 عقدت بعد وقت قصير من الاحتجاج الاجتماعي، والوسط واليسار ركزا عليه. وعلى الرغم من ذلك فان كتلة الليكود ـ إسرائيل بيتنا ـ البيت اليهودي حققت فيها انتصاراً مثيراً للانطباع. وتبددت كتلة الوسط الى ثلاثة أحزاب، واحد منها فقط، يوجد مستقبل، كان مرتبطاً بالاحتجاج. (يديعوت، سيفر بلوتسكر: غلاء المعيشة لن ينتصر 7/12/2014).
من الموضوعات المهمة التي ابرزتها الصحافة الاسرائيلية، في سياق الحملة الانتخابية المبكرة للكنيست، والمتصلة بالمسألة الفلسطينية وجود نزعة قوية لدى أغلب القوى السياسية الإسرائيلية، ولكل منهم ذريعته، للتوجه نحو صيغة إدارة الصراع مع الفلسطينيين وليس تسويته.
«إدارة الصراع» هو استراتيجية اميركية، بالأساس، من المسألة الفلسطينية. كان هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي الأسبق، إبان مرحلة مهمة من مراحل المسألة الفلسطينية (حرب تشرين وبدء مسار التسوية بين العرب وإسرائيل).
كان كيسنجر قد رسم الخطوط العريضة للاستراتيجية الأميركية القاضية بإدارة المسألة الفلسطينية ولخصها بالقول: ان مهمة اميركا حيال الصراع في الشرق الأوسط، ليست تصفية هذا الصراع، أو تسوية مشكلة الشرق الأوسط في المقام الأول، وانما ضبط الصراع والتحكم فيه، وإدارته.
فهذا النوع من المشاكل المستعصية، وفق رؤية كيسنجر، ليس لأميركا مصلحة في الإقدام على حلها، وإنما تأبيدها واستثمارها، والاكتفاء باحتواء الشرر المتطاير عنها.
ولئن كانت فكرة ادارة الصراع مع الفلسطينيين وليس حله هي من ابتكار كيسنجر، الا انها ما لبثت ان وجدت طريقها الى حيز التفكير السياسي الإسرائيلي.
«الانتقال من تسوية النزاع الى ادارته» كان موضوع تقرير استراتيجي اسرائيلي صدر، في شباط 2005، عن «معهد القدس للدراسات الاسرائيلية، وتضمن تقييماً شاملاً للمفاهيم السياسية والمنطلقات الأساسية، التي وجهت السياسة الاسرائيلية حيال الفلسطينيين خلال السنوات 2000 ـ 2004، مقارنة مع ما كان سائداً قبل ذلك. وهو يشكل خلاصة عمل «مجموعة تفكير» تبلورت تحت كنف المعهد المذكور وضمت باحثين وخبراء في مجالات مختلفة وعقدت عدة لقاءات، ابتداء من شهر تشرين الثاني 2003.
ورد في التقرير ان مفهوم «النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني» في نظر المستوى الاسرائيلي، على ما فيه من منطلقات اساسية مركزية، هو العامل المركزي الذي يوجه ادارة النزاع. وخلال فترة قصيرة نسبياً (1993 ـ 2001)، تغير المفهوم بصورة جذرية مرتين: التغيير البنيوي الدراماتيكي الأول، الذي اتاح عملية أوسلو؛ إلا ان فشل عملية أوسلو أدى إلى تغيير بنيوي ثان (بعد انتخابات شباط 2001)، استند الى منطلق اساسي مختلف: ما من احتمال في المرحلة الحالية لتسوية النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني بسبب غياب شريك فلسطيني لهذا الأمر، وعليه فان الخيار الوحيد المفتوح أمام إسرائيل هو إدارة النزاع بشكل أحادي الجانب.
أما مؤتمر هرتزليا السابع (21 ـ 24 كانون الأول 2007)، حسب المعلق السياسي في صحيفة هآرتس عوزي بنزيمان فقد اطلق رسالة مؤداها: على إسرائيل ان تتمترس وراء مواقفها (إلا اذا أرادت شن الحرب، كما يستدل من توصيات بعض المتحدثين في المؤتر)، وأن تكتفي بادارة الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني لا ان تتطلع الى انهائه.
ضمن هذا التوجه، وفي سياق الحملة الانتخابية، يحذر الصحافي الإسرائيلي آفي غيل من تأييد صيغة «إدارة الصراع» لأن من شأن هذا التأييد، حسب زعمه، أن يؤدي إلى دولة ثنائية القومية.
وبإمكان المتابع للشأن الإسرائيلي ان يلحظ بوضوح، انه يجري التحذير، في السنوات الأخيرة، من وصول الأمور الى هذا المال في حال فشل المفاوضات مع الفلسطينيين. خصوصاً مع ظهور مجموعات من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أعادت موضوع حل الدولة الواحدة الى واجهة النقاش السياسي والأكاديمي، بعد انسداد افق مفاوضات التسوية.
ترفض الغالبية العظمى من الإسرائيليين تحول فلسطين إلى دولة ثنائية القومية، وبالتالي الى ابارتهايد على غرار ما كانت عليه جنوب افريقيا.
وقد أوضح غيل: رغم حقيقة ان المسألة الإسرائيلية الفلسطينية هي الأكثر مصيرية لمستقبل دولة إسرائيل، فانها ليست هي التي ادت الى اسقاط الحكومة. حول هذا الموضوع كان الائتلاف موحداً وشعاره: إدارة الصراع. مؤيدو هذه الصيغة يقولون انه بسبب عدم وجود من نتحدث معه، فلا حاجة الى محاولة التوصل الى حل الصراع، ويجب الاكتفاء بادارته. وطالما ان لهذا الادعاء مؤيدين في القسم المركزي واليساري للخريطة الجماهيرية والسياسية، فمن الممكن ان يقام ائتلاف واسع بعد الانتخابات لـ»مديري الصراع».
ستتذرع الحكومة القادمة بحجة انه لا يوجد من نتحدث معه ـ هذا الادعاء الذي يسمع من المعسكرين: المعسكر المعارض لحل الدولتين يستخدم هذا الادعاء كذريعة لرفضه. والمعسكر الذي يؤيد هذا الحل يعتقد انه في المدى المنظور لن يكون الاتفاق عملياً. وعليه فصيغة إدارة الصراع هي حل سحري يمكن المعسكرين من التعاون والتغلب على الفجوة الأيديولوجية بينهما.
الملاحظ هنا ان الإسرائيليين يضربون عرض الحائط برغبة الإدارة الحالية للولايات المتحدة باستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين وصولاً للتسوية. وعبر عن هذا التوجه وزير الدفاع موشيه بوغي يعلون في حديث له مع تلاميذ المدرسة الدينية «بيكور حاييم» في غوش عتصيون رداً على سؤال يتعلق بتجميد البناء في المستوطنات. وفي التسجيل الذي نشر في صوت الجيش الاسرائيلي قال يعلون: «الآن توجد إدارة معنية في الولايات المتحدة، قادت الخط. لن تبقى هذه الإدارة إلى الابد، وأنا آمل ان يكون هذا مؤقتاً.
المصدر: المستقبل
