بقلم الشيخ جمال الدين شبيب
من وصايا النبي للمسلمين في حجة الوداع قوله صلى الله عليه وسلم " إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، وَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا "
قال ابن حجر ( مناط التشبيه في قوله " كحرمة يومكم " وما بعده ، ظهوره عند السامعين لأن تحريم البلد ، والشهر ، واليوم ، كان ثابتا في نفوسهم ، مقررا عندهم ، بخلاف الأنفس والأموال ، والأعراض.
فكانوا في الجاهلية يستبيحونها ، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم ، وماله ، وعرضه ، أعظم من تحريم البلد ، والشهر ، واليوم ، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه ؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع ) وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي دائما مطابقا لما في القرآن الكريم.
يقول سبحانه وتعالى { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا }( النساء / 93 ) قال ابن كثير ( هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله تعالى في غير ما آية في كتاب الله ) .
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار " ( أخرجه الترمذي وصححه الألباني )
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق " ( أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني ) .
هذه الآيات والأحاديث كلها تدل على عظم حرمة إراقة دماء المسلمين بغير حق ، وحتى يتم ردع الناس عن ذلك ، أوجب الله القصاص وجعل فيه حياة للناس ، لأنه إذا تذكر المرء أنه إن قتل سيُقتل ، امتنع عن القتل ، فهذا معنى الآية الكريمة { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ( البقرة / 179 ) .
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أنه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال:
لا إله إلا الله، فَكَفَّ الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أسامة: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله ؟ " قلت: كان متعوذًا، فما زال يكررها حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم" ( رواه البخاري ومسلم )
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لايزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " ( رواه البخاري في صحيحه )
ولعظم حرمة دم المسلم يقول صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ " ( رواه مسلم في صحيحه )
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
