بعد مشاهد الإعدام الفردية والجماعية التي يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتعرضها فضائيات متعددة، كل تبعاً لسياساته الإعلامية، يصبح السؤال حول مشروعية قتل الأسرى مشروعاً، بل وملحاً، ولا سيما حين يرتكب - أو يتم تسويقه على أنه يرتكب - باسم دين الله. فهل حقيقة أن دين الله الحنيف يجيز قتل الأسرى؟ وهل ثمة فارق بين أن يكون الأسير مسلماً أو مرتداً أو كافراً؟
باستقراء أقوال العلماء والفقهاء والسلف الصالح، نجد أن أقوالهم قد اختلفت حول المسألة بين خمسة أقوال:
1 - قول من قال إن الأسير المشرك يقتل بكل حال ولا يجوز أن يفادى ولا يمن عليه، وقد اعتبره كثير من العلماء قولاً شاذاً لا يعتدّ به، لتضاربه مع أدلة أخرى كثيرة، سيأتي ذكرها.
2 - قول من قال إن جميع الكفار من مشركين وكتابيين لا يجوز فدائهم، أو المن عليهم، بل يقتلون.
3 - قول من قال إن الأسير لا يجوز فيه إلا الفداء أو المن. وقد استدل أصحاب هذا الرأي بقوله تعالى: {فإما منّاً بعد وإما فداءً}، فقالوا آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى تخييره فيهم بين المن والفداء ولا يجوز التعدي إلى غيرهما، وقالوا إن الآية ناسخة لما سواها، قاله الضحاك وغيره. وروى الثوري عن جويبر عن الضحاك {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} قال: نسخها {فإما منًّا بعد وإما فداء}، وقال ابن المبارك: عن ابن جريج عن عطاء {فإما منًّا بعد وإما فداء} فلا يقتل المشرك ولكن يمن عليه ويفادى، كما قال الله عز وجل. وقال أشعث: كان الحسن يكره أن يقتل الأسير ويتلو {فإما منًّا بعد وإما فداء}، وقال الحسن أيضاً: في الآية تقديم وتأخير فكأنه قال فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أزوارها، ثم قال حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق.
4 - قول من قال لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف.
5 - قول من قال إن الإمام، أو من ينوب عنه، مخير في الأسرى بين أربعة أمور: إما القتل، أو المن، أو الفداء، أو الاسترقاق. وهو قول الشافعي وأحمد ومالك وجمهور الفقهاء.
والقول الخامس المعتبر لدى أئمة أهل السنة وجمهور العلماء، إذ يجعل المسألة تتعلق بالإمام، أي بالسلطة السياسة الحاكمة، فإنما يجعلها بذلك مسألة سياسية، لا مسألة شرعية، فتخرج عن كونها نصّاً ملزماً، وحكماً من أحكام الله، لتكون اجتهاداً يرجع فيه الإمام الى رأيه الخاص، والى الظروف السياسية.
لكن مسألة القتل بذاته فيها استباحة للدماء. ومعلوم أن أمراً عظيماً كهذا لا يمكن النظر فيه إلا وفق أدلة شرعية قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة في آن واحد. ذلك أن مسألة الدماء هي من إحدى أهم الكبائر التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وهو مما لا يجوز أن يكون الأمر فيه بمثل هذا الاختلاف، حتى يذهب كل أناس بمذهبهم، ويعتقدون أنهم فيه من المجتهدين المأجورين. فالاجتهاد لا يكون بوجود النص، كما لا يكون بما هو معلوم من الدين والتشريع بالضرورة. والله تعالى أخبرنا فقال:
"مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ"
[البقرة: 3]
وأما الاحتجاج باختلاف الأئمة والمفسرين بشأن الناسخ والمنسوخ من الآيات التي تتعلق بالأسرى، فهذا مما لا يقبل به حجة ولا بيّنة عند الله تعالى. ذلك أن العلماء والأئمة المعتبرين قد اختلفوا في حكم نسخ هذه الآيات، فما هو ناسخ لإحداها عند قوم، هو منسوخ بها عند قوم آخرين. حتى وقد ذهب آخرون الى نفي أن يكون بين هذه الآيات ناسخ ومنسوخ أصلاً، وأنها جميعها محكمة، لكل منها سياقه الخاص بها.
ثم أن الاحتجاج باختلاف العلماء، في معرض ما لا يحتج به، ليس حجة عند الله تعالى. وقد أخبر الله تعالى عن أقوام أطاعوا ساداتهم وكبرائهم، ولم يغن ذلك عنهم شيئاً من العذاب. وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن أناس ضالين مضلين. وقد حذر القرآن الكريم أقواماً من اتخاذهم علماءهم أرباباً من دون الله، في قوله تعالى:
"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ"
[التوبة: 31]
وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ فتلك عبادتهم."
وبالتالي، فلا حجة لأحد أمام الله تعالى يوم القيامة بالقول إنه اتبع في مسائل الاعتقاد والدماء والأعراض قول فلان أو فلان من الناس.
وعليه، لا بدّ من النظر في الأدلة التي تتناول مسألة قتل الأسرى.
يتناول القرآن الكريم مسألة الأسرى في عدة مواضع:
1 - "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ" [محمد: 4]
2 - "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [الأنفال: 67]
3 - "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [الأنفال: 70]
تختلف الأقوال في حكم الأسرى انطلاقاً من النسخ بين الآيتين الأولى والثانية الواردة أعلاه. وكما سلف القول، فإن بعض العلماء ذهب الى أن أولاهما تنسخ الثانية، وذهب آخرون الى أن ثانيتهما هي الناسخة للأولى، بينما أنكر آخرون أن يكون بين الآيتين أي نسخ، بل هما آيتان محكمتان.
والتمعن في الآيتين الكريمتين يبيّن أنه لا تعارض بينهما في الحكم من أية جهة، وهو ما يسقط حكم النسخ بينهما. فالآية الأولى تقول: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ"، فالحكم هنا أن شدّ الوثاق يكون بعد الإثخان في الحرب (اللقاء) لا قبل حصوله، وهو ذات الحكم الذي تنص عليه الآية الثانية: "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ". أي أن الحكم الذي تبيّنه هذه الآية الكريمة، ليس مصير الأسرى، بل مبدأ الأسر بذاته، وهذا ما ينص عليه منطوق الآية "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ". أما مصير الأسرى فذلك مما أوضحته الآية الثالثة، التي تلت هذه الآية بثلاث آيات، في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، فأُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسن إليهم القول. وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بأسرى بدر، التي نزلت فيهم هذه الآيات الكريمة هو خير دليل أن المسألة التي تتناولها الآيات لم تكن مصير الأسرى، بل مبدأ الأسر بذاته. والله سبحانه وتعالى قد عقّب على الأسر قبل الإثخان في المعركة بقوله تعالى: "تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ".
الخلاصة هي أن القرآن الكريم فيه حكم محكم بخصوص الأسرى، لا شبهة فيه ولا لبس: "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً"، أي إما إطلاق سراح غير مشروط، وإما أخذ فدية. أما القتل، فذلك خياراً لم يرد في القرآن الكريم في أي موضع، ناهيك عن الاسترقاق واتخاذ الأسرى عبيداً.
وإن كل ما يتم تأويل بعض آيات الكتاب لصالح هذا الراي أو ذاك، فإنما هو من باب التبرير والتأويل الذي يراد به شرعنة قرار سياسي، ولا علاقة له بدين الله تعالى.
وأما الاحتجاج بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم في مصير الأسرى، فهي مسألة خلافية تحتمل أكثر من وجه. ولولا ضيق المقام لتمت الاستفاضة فيها. لكن يمكن الاكتفاء بهذا المقام ببعض الشواهد.
1 – يحتج البعض بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل اثنين من أسرى بدر. والرد على ذلك أن هذا ليس بدليل على جواز قتل الأسرى، ذلك أن الآيات التي نزلت في أسرى بدر تعاتب النبي والمسلمين أنهم اهتموا بالأسر أكثر من اهتمامهم بالإثخان في المعركة، بل وعلى حسابه. وأما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل اثنين دون الآخرين (حوالي سبعين)، فهذا مما لا يجوز إطلاقه، وإلا فلماذا لم يقتل الآخرين، لو كان الحكم هو القتل؟!
2 - يحتج البعض كذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ستة نفر أثناء فتح مكة المكرمة، ولو كانوا معلقين بأستار الكعبة. والرد على ذلك بيّن أنه أمر بقتلهم قبل أن يكونوا أسرى، وبالتالي فإن الأمر بقتلهم لا علاقة له بالأسر. والدليل على ذلك أنه قال صلى الله عليه وسلم لأهل مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وهو الامتثال لحكم الله تعالى "منّاً"، حيث منّ عليهم بالحرية.
3 – يحتج البعض بقتل النبي عليه الصلاة والسلام ليهود بني قريظة، ويقدرون عدد من قتل منهم من الرجال بين 600 و700 شخصاً. والردّ على ذلك من أمرين: الأول أن كثيراً من كتب السير والتاريخ شككت في هذه الرواية، والثاني، وهو الأهم، أن أحداً لم يذكر المكان الذي دفن فيه هؤلاء الرجال. وهذه الجزيرة العربية بطولها وعرضها، ولم يخبرنا أحد انه وجد مقبرتهم.
أما مسألة استرقاق الأسرى، فهو مما لم يحكم به الله تعالى في القرآن الكريم، ولم يفعله النبي (ص). بل إن ذات الرواية التي تزعم أن النبي (ص) قتل رجال بني قريظة، تزعم أيضاً بأن الصحابة، رضوان الله عليهم، قاموا بعتق النساء اللواتي قيل أنهن قد اتخذن إماء. واللافت أن أحداً من هاتيك النسوة لم يأت ذكرها في أي رواية أخرى. فإن كنّ قد استرققن واعتقن، فماذا حدث لهن بعد أن أصبحن أحراراً؟! تقول الرواية إن الصحابة تزوجوا بهن... ولو كان ذلك صحيحاً، فليذكر لنا أحد أسمائهن، أو أسماء أزواجهن، أو أسماء أولادهن الذين أنجبوهن... هذا كله لا أثر له في كتب السير والتاريخ، مع أن عددهن يصل الى بضع مئات.
خلاصة القول، إن حكم الله تعالى بالأسرى واضح بيّن ومحكم، لا لبس فيه، ولا يزيغ عنه إلا من زاغ قلبه واتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. هذا الحكم هو:
1 – لا يجوز للمسلمين أن يكون لهم أسرى قبل أن يثخنوا في الأرض.
2 – أما وقد وقع الأسر، فإن الحكم فيه هو إما المنّ أو الفداء.
ثمة ملاحظة أخيرة، لا بدّ من التنبيه إليها، هي أن هذا حكم الله في الأسرى من غير المسلمين، فما بالك بمبدأ أسر المسلمين أنفسهم؟!
