/مقالات/ عرض الخبر

غزة... مفاوضات عقيمة.. كتب: صادق الشافعي

2014/08/23 الساعة 09:38 ص

انهارت المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" غير المباشرة التي تجرى في القاهرة بوساطة مصرية. التمديد الجديد لمدة 24 ساعة لم يوفر قاعدة للاتفاق على هدنة طويلة بعدما رفض الجانب "الاسرائيلي" الرد على الأسئلة والمطالبات الفلسطينية حول رفع الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر البرية والبحرية والمطار.
مارس الوفد "الإسرائيلي" أسلوب المماطلة والتسويف وتقطيع الوقت، ما وضع المفاوضات أمام حائط مسدود، وبالتالي انهيارها، وأوعز رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو لوفده بمغادرة القاهرة، ما جعل وجود الوفد الفلسطيني المفاوض في العاصمة المصرية بلا جدوى وقرر بدوره المغادرة إلى حين نضوج ظروف جديدة لمفاوضات مجدية.
وإثر انهيار المفاوضات استأنف العدو "الإسرائيلي" غاراته الجوية على القطاع وكذلك قصفه المدفعي، وكان منزل القائد العسكري لكتائب القسام محمد ضيف أحد استهدافات العدوان بهدف اغتياله، ما أدى إلى استشهاد زوجته وابنه .
في كل الأحوال فإن مجريات المفاوضات ومسارها الطويل وشديد الصعوبة والتعقيد يبين بجلاء عمق التناقض بين المطالبة الفلسطينية بحقوق أصيلة وبين التعنت "الإسرائيلي" الرافض لهذه الحقوق والمطالب بالمقابل بشروط تعجيزية. هذا التناقض هو ما وضع المفاوضات أمام عقدة صعبة. ولا يخفف من صعوبتها القول في بعض المرات إن الخلاف يدور حول كلمات.
ألم يؤد الخلاف على مجرد "الـ" التعريف، بين "الأراضي" المحتلة و"أراضي" محتلة، في القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن بعد عدوان 1967 إلى خلاف حول القرار لا يزال قائماً حتى الآن؟
في أساس عقدة المفاوضات مع العدو الصهيوني، إنها تقوم على استمرار الاحتلال، وهو شر البلاء ومبعث كل الشرور، وأي اتفاق يقوم على هذا الأساس مهما كانت بنوده، لا يمكن أن يضمن تهدئة مستقرة أو وقفاً لإطلاق نار ثابت ودائم، ولا يخرج في حقيقته عن دائرة التهدئة المؤقتة طال زمانها أو قصر.
في عقدة المفاوضات الجارية أيضاً، إن الطرف الفلسطيني فيها يطالب ببعض حقوقه كما تقرها له كل القوانين والأعراف الإنسانية قبل القوانين والشرائع الدولية، وكما أقرتها له اتفاقات رسمية سابقة. وقد انتزع هذه الحقوق منه احتلال صهيوني استيطاني توسعي، لم يبق من احتلال في العالم سواه .
ولكن المطالبة بهذه الحقوق تصطدم من قبل العدو الصهيوني المحتل برفض مطلق ينبني على أساس فكر رجعي عنصري يقوم على الاحتلال وعلى إقصاء، وبالأحرى الغاء، الشعب الفلسطيني كله، وعدم الاعتراف بوجود أي حق له لا في الأرض أساساً، ولا بالحرية والكيان المستقل، ولا بأي من الحقوق الإنسانية الأخرى. ويشتق العدو من هذا الفكر سياسات عنصرية ودموية تقوم على الاستيلاء والاستيطان والإبعاد وكافة أشكال المصادرة والقهر والعدوان.
وفي هذا الظرف بالذات فان رفض العدو للمطالب/ الحقوق الفلسطينية، يتصلب ويزداد شراسة بسبب من الأزمة التي يعيشها والتي نتجت بالأساس عن فشله التام في عدوانه وفي تحقيق أي من أهدافه المعلنة أو المستترة بسبب ما واجهه (وما يزال) من مقاومة استثنائية قادرة وموجعة، وصمود شعبي استثنائي يحتضن هذه المقاومة.
أزمة العدو لها تعبيرات داخلية آخذة بالتبلور والاتساع، تظهر في الخلافات التي تعصف بين القوى السياسية، المشاركة في الحكومة أو التي خارجها، وأساسها المزايدة على بعضهم في مواقف التصلب ورفض مطالب / الحقوق الطرف الفلسطيني، والدعوة للرد عليها بتوسيع العدوان والقتل والتدمير حتى لو وصل إلى إعادة احتلال قطاع غزة كما ينادي غلاة المتطرفين.
كما تظهر أزمته، في الشرخ بين أوساط واسعة ومتزايدة بين جمهور دولة الاحتلال وبين القيادة السياسية والعسكرية. ويعبر هذا الشرخ عن نفسه بعدم تصديق الجمهور للقيادتين السياسية والعسكرية وعدم الرضى عن أدائهما العسكري العدواني ثم السياسي، وعدم الانضباط لتعليماتهم، وأيضاً، بمطالبات جادة ومتصاعدة بتشكيل لجنة تحقيق في الأداء الحكومي والعسكري على غرار لجنة فينوغراد التي شكلت عقب العدوان على لبنان العام 2006.
إن أزمة العدو هذه، تمهد لتغييرات لا بد أن تطال مؤسسة الحكم وقوى الائتلاف الحاكم، وقد تؤدي إلى انتخابات مبكرة وإلى غياب رؤوس عن المشهد السياسي، أولها نتنياهو ويعالون وآخرون .
وأزمة العدو هذه، هي ما يعزز رفضه الاستجابة لأي مطلب فلسطيني، كي لا يفسر كانتصار يسجل لصالح الفلسطينيين.
ليس من المتوقع والحال كذلك أن تتوصل المفاوضات الجارية إلى اتفاق يلبي الحقوق التي يطالب بها الفلسطينيون .
ولا يبدو والحال كذلك أن يكون الوفد المفاوض، والقيادة السياسية من ورائه، قابلاً أو قادراً على القبول باتفاق لا يلبي مطالبه، بالذات تلك المتعلقة برفع الحصار تماماً والإعمار، وبحرية حركة الناس والبضائع والاحتياجات والأموال. أفضل ألف مرة أن يرفض الوفد الفلسطيني الاستمرار في المفاوضات بدلاً من الاستمرار والمشاركة في إطالتها لتتحول إلى مفاوضات من أجل المفاوضات. وأفضل ألف مرة أن يرفض الوفد الاستمرار وأن يغادر المفاوضات من أن يعطي الشرعية لمساومات وتخريجات وتسويفات ومناورات لا تقدم حلولاً ولا تستعيد حقوقاً. أفضل ألف مرة عدم التوصل إلى اتفاق، من القبول باتفاق يحوي من الصياغات المقحمة ما يسمح بتفريغه من محتواه، وما ويرجئ تنفيذ بعض بنوده إلى آجال لاحقة أو يربطها بتفاهمات أو مفاوضات .
فإذا كانت "إسرئيل" تتملص من تنفيذ بنود صريحة ومحددة في اتفاقات أو عهود، فهل ستحترم صياغات تسمح بالتأجيل أو تشترط لتطبيقها التفاهم أو التفاوض؟
ما لا يحصل عليه الوفد الفلسطيني باتفاق نصوصه قاطعة الوضوح، وبمواعيد تنفيذ آنية أو قريبة جداً وربما بضمانات مناسبة أيضاً، فإنه لن يحصل عليه أبداً .
أفضل ألف مرة إلا يصل الوفد الفلسطيني إلى اتفاق من الدخول باتفاق يجلب الخيبة ولا يحقق الآمال المشروعة للجماهير الفلسطينية التي تلتف بشكل رائع حول مقاومتها وتمحض قيادتها السياسية ثقتها وتأييدها، وقدمت تضحيات لا توصف .
وأفضل ألف ألف مرة، عدم التوصل إلى اتفاق من القبول باتفاق يحمل مخاطر حصول اختلافات فلسطينية داخلية بين الناس والقيادة السياسية أو بين القوى والتنظيمات .
فهذا واحد من أهم استهدافات العدو من عدوانه، وواحد من أهم عناوين فشله. وفي المقابل فإن وحدة الرؤية والمطالب والأداة ملتحمة مع الصمود الأسطوري والمقاومة المبهرة في أدائهاً كانت ولا شك، أهم النجاحات الفلسطينية.
وما يزيد من قيمة هذا النجاح (الوحدة) أنه يتم تحت المظلة الجامعة لكل الشعب الفلسطيني وكافة أشكال نضاله الوطني المتمثلة بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية. ويزيد من قيمته أيضاً أنه ترافق مع استعادة القضية الوطنية الفلسطينية لموقعها الطبيعي في صدارة الاهتمام الشعبي العربي والإقليمي، وإلى حد ما الدولي أيضاً .
أما إذا نجح الوفد الفلسطيني المفاوض في الوصول إلى اتفاق يلبي المطالب / الحقوق الفلسطينية بالذات تلك التي تم ذكرها آنفاً، فإن هذا النجاح يكون ثمرة من ثمار الوحدة المذكورة .
وسواء نجح المتفاوضون في التوصل إلى اتفاق مهما كانت بنوده ومهما كانت درجة تلبيته للحقوق الفلسطينية، أو فشلوا، فإن ذلك لن يكون بحال، نهاية المطاف، ولن يكون هو "الكي"، آخر الدواء .
فطالما استمر الاحتلال يجثم فوق صدور الفلسطينيين، فإن المقاومة بكافة أشكالها ستستمر، واعتداءات العدو ستستمر وبكافة أشكالها أيضاً، والصراع سيستمر حتى يزول الاحتلال ويستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه .
مهما كانت النتيجة النهائية للمفاوضات المباشرة، فإن الحضور الأمريكي والغربي عموماً والأمم المتحدة يفترض أن ينتقل من دور المراقب والناصح المستتر وغير المباشر إلى الدور العلني الأكثر فاعلية. إما في دور الضاغط على العدو "الإسرائيلي" للتقيد بالاتفاق وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مواعيده المحددة ومن دون عنعنات، والمساهم الناشط في عملية إعمار غزة، وإعادة بناء ما هدمه العدوان الوحشي من مساكنها ومبانيها ومرافقها العامة. وإما في دور المتفاعل مع حركة المجتمع الدولي ومؤسساته في مساعي البحث عن حلول أكثر شمولية، وأكثر استقراراً وعدلاً .

 

المصدر: الخليج الاسبوعي

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/63703

اقرأ أيضا