بدعوة من لجنة المتابعة العليا، أحيت الجماهير في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 الذكرى التاسعة لمجزرة شفاعمرو بمظاهرة وحدوية في بلدة شفاعمرو، حاملين صور الشهداء ومطالبين بالإفراج عن الشباب المتهمين بقتل الإرهابي نتان زاده. شارك في هذه المظاهرة ممثلون عن كافة الأحزاب الوطنية والإسلامية، الى جانب قوى شعبية وأهالي البلدة. لقد ذكرت لجنة المتابعة في بيانها الذي يدعو الى إحياء ذكرى المجزرة أن الجماهير العربية في الأراضي المحتلة عام 1948 يعانون من تصعيد الحملات والإعتداءات العنصرية، والتحريض الدموي والإعتداء على المتظاهرين من قبل الشرطة الصهيونية، وحملة الإعتقالات التي طالت المئات منهم خلال المظاهرات الأخيرة الداعمة للأسرى ولأهل الخليل والقدس، ومن ثم لأهل غزة خلال العدوان الإرهابي، قبل أن تختم بيانها بالقول "إننا لن نتراجع عن موقفنا الرافض لسياسة الجرائم والاحتلال والتهويد، وللفاشية المتنامية، وسنواصل دعمنا لكفاح شعبنا من أجل الحرية والاستقلال والعودة".
قبل تسع سنوات وفي سياق إنسحاب جيش العدو ومستوطنيه من قطاع غزة، وللتعبير عن إستيائه ورفضه لهذا الإنسحاب وللتعويض عنه، استقل الإرهابي المجند نتان زاده الحافلة المتجهة من حيفا الى شفاعمرو، التي كانت تعج بالفلسطينيين العائدين الى بلدتهم بعد يوم من العمل، وقبل الوصول الى البلدة، فتح رشاشه على ركاب الحافلة وقتل أربعة فلسطينيين، دينا وهزار تركي، ونادر حايك والسائق ميشيل بحوث وجرح العديد منهم. وعند وصول الحافلة الى مشارف البلدة، تجمع الأهالي وصعد بعض الشباب الشفاعمريين الى الحافلة لحماية أهلهم وإيقاف المجزرة إذ كان المجرم الإرهابي يواصل استهدافه للركاب، فهجموا عليه وأردوه قتيلا.
رغم تصريحات بعض المسؤولين الصهاينة الذين أدانوا المجزرة في البداية، إلا أن الموقف الفعلي للمحتلين كان إدانة هولاء الشباب الذين دافعوا عن أبناء بلدتهم ومنعوا المجرم من مواصلة المجزرة، كما اتضح خلال السنوات التي تلت المجزرة. أدانت سلطة الإحتلال 7 من الشباب الشفاعمريين بتهمة قتل الإرهابي نتان زادة وحكمت عليهم بالحبس المنزلي لعدة أعوام بنتظار الحكم النهائي، الذي صدر في بداية هذا العام بإعتقال المتهمين بقتل المجرم لمدة تتراوح بين 11 و24 شهرا. ولكن قبل إصدار الحكم الإستعماري، عاشت العائلات الشفاعمرية خلال 8 سنوات في حالة عدم إستقرار، لا يستطيع هؤلاء الشباب الذين يتحمل بعضهم مسؤوليات عائلية أن يعملوا خارج البلدة، أو عقد إتفاق عمل على المدى الطويل، وذلك بسبب انتظارهم للحكم النهائي ومنعهم من الخروج من البلدة.
كما لم تشعر عائلات الضحايا الأربعة التي سقطت في ذلك اليوم بالراحة النفسية، لا سيما وأن الجلاد شرع بمحاكمة من أنقذ الركاب الآخرين بدلا من محاكمة من أرسل المجرم ناتن زادة الى القتل المتعمد، وكما قالت "أم عزات" والدة الشهيدتين هزار ودينا تركي "إن الجرح لم ولن يندمل بل لا زال مفتوحا ونازفا، لأن الأجواء العنصرية والحاقدة على العرب لا زالت نفس الأجواء التي أنتجت الإرهابي زادة، ولا زالت قائمة، وتتزايد كل يوم، وإن المجرمين الذين أرسلوا زادة لا زالوا طلقاء وهم أنفسهم الذين أعدموا الفتى محمد أبو خضير ".
لقد برأت المؤسسة العسكرية الصهيونية نفسها من المجزرة بحجة أن المجند قد تم تسريحه قبل المجزرة لأسباب نفسية، ما يعني أن الأسطوانة المعروفة مسبقا أعيد عزفها في هذه المجزرة وهي أن كل قاتل صهيوني يعمل خارج مؤسسته هو مختل عقليا، كما هو حال من أعدم الشهيد محمد أبو خضير في القدس، "شهيد رمضان". وفي قضية مجزرة شفاعمرو، لم تفصح المؤسسة الصهيونية عن أي تحقيق قامت به بعد ارتكاب المجزرة، حول أهداف المجرم ومن يقف وراءه ، بل ركزت كل تحقيقاتها على من أرداه قتيلا، أي على الشباب الشفاعمريين، لكسر شوكة من يفكر ولو لثانية بالتصدي للقتلة الصهاينة. وعلّق رجا أغبارية، عضو قيادة حركة أبناء البلد، على قتل المجرم نتان زاده بالقول "لقد عاقبوه وحاكموه (شباب شفاعمرو) كي لا يحوله القضاء الاسرائيلي الى معتوه ومريض نفسياً ولا تجوز عليه المحاكمة كما حصل مع كل الصهاينة الذين ارتكبوا جرائم ضد المدنيين من أبناء شعبنا وضد الأقصى ومجزرة الحرم الابراهيمي...... ربما ستتكرر نفس مسرحية القضاء الصهيوني في حالة جريمة الشهيد المقدسي محمد ابو خضير. لا نستبعد شيئاً عن المجرمين الصهاينة. فقد ثبت بالبرهان القاطع انه لا فرق بين القاضي الصهيوني وبين المجرم القاتل وبين السياسي.."
يقبع الآن شباب شفاعمرو في السجون الصهيونية لأنهم دافعوا عن أبناء شعبهم وبلدتهم، وأصبحت قضية اعتقالهم قضية تجمع أهل البلدة، بعد المجزرة التي وحدّت دمائهم. سعت الأحزاب والهيئات الوطنية الى حشد أكبر عدد ممكن من الأهل في الداخل خلال جلسات المحاكم الصورية في حيفا، وتم الإشتباك مع الشرطة الصهيونية في باحات المحكمة، وتم إبعاد مناضلين عن حيفا لمدة شهرين على أثر هذه الإشتباكات، ولكن رغم كل ذلك، لم تتوقف حملة دعم المتهمين، حتى بعد إعتقالهم. وخلال هذه السنوات التي فصلت المجزرة عن الإعتقال، كانت معنويات المتهمين عالية، بسبب التضامن الوطني حول قضيتهم، حيث يقول جميل صفوري "أرى أنّ التضامن هو الأمر الأهم الذي عزّز وقفتنا وصمودنا، فنحنُ نرى قضيتنا عادلة، وأهلنا من كل البلدات العربية والعالم تقف وراءنا، هذا يمنحنا شحنة كبيرة كي نستحمل حكمنا الظالم. إننا مستمرون في طريقنا في الدفاع عن أنفسنا وصد أيّ اعتداء على حقنا، نحن لسنا مجرمين ولم نرتكب أيّ ذنب في هذه القضية، بل على العكس نحن نحاكم لمجرد أننا عرب في هذه البلاد، لذا فإنّ ثقتنا كبيرة بأنفسنا، وبشعبنا، وستظل رؤوسنا مرفوعة في زنازينهم"، وقد اعتبر أن "القضية هي قضية الشعب الفلسطيني بكامله، وليست قضيتنا نحنُ المتهمين فقط، وأنّ ما يجري لنا لا ينفصل عن سياسة الهدم ومصادرة الأراضي وسائر القضايا المركزية التي نعاني مِنها كفلسطينيين في الداخل".
يعرف الشعب الفلسطيني في الداخل أنه مستهدف من قبل كافة المؤسسات الصهيونية، وأن لا خيار له إلا الإلتحام بشعبه المقاوم في بقية المناطق المحتلة، وخاصة في غزة، وباللاجئين الذين ينتظرون قرار العودة الى البلاد. فلذلك، كانت الأصوات التي خرجت في مظاهرة شفاعمرو تهتف للمقاومة في غزة وتدعو الى الوحدة الوطنية وعدم التخلي عن الثوابت "وعلى رأسها حق العودة والحرية والتحرير ومن ثم تقرير المصير".