أكد ممثل حركة الجهاد الإسلامي في لبنان الحاج أبو عماد الرفاعي، في لقاء خاص مع نشرة "الجهاد"، أن أهلنا في غزة قرروا خوض معركة كسر الحصار حتى النهاية، فاحتسبوا أبناءهم وأنفسهم عند الله تعالى، في أروع ملحمة قرر فيها شعب بأكمله أن يحتسب كل فرد نفسه فيها شهيداً.. واعتبر أن معركة "البنيان المرصوص"، ستكون مفصلاً في تاريخ قضية فلسطين، ومستقبل المنطقة. وفي ما يلي نص الحوار:
- ماذا تقولون بداية بخصوص معركة "البنيان المرصوص"؟
بداية، نبارك لأهلنا في قطاع غزة هذا الانتصار الكبير الذي صنعوه بصبرهم ودمائهم وصلابة إرادتهم. إن السر في النصر الذي تحقق هو صمود أهلنا الذين قرروا خوض معركة كسر الحصار حتى النهاية، فاحتسبوا أبناءهم وأنفسهم عند الله تعالى، في أروع ملحمة قرر فيها شعب بأكمله أن يحتسب كل فرد نفسه فيها شهيداً.. وهذا يعبّر عن عمق إيمان أهلنا في غزة بالله سبحانه وتعالى وبعدالة قضيتهم. كما يعبّر في الوقت ذاته، عن مستوى التحدي لكسر حالة الحصار المستمرة منذ ثماني سنوات، حرم خلالها شعبنا من أبسط مقومات الحياة الحرة والكريمة. وكان رهانه على المقاومة، بكافة فصائلها رهاناً صلباً. وهذا ما منح المقاومين في الميدان تفويضاً كاملاً لكسر الحصار، فاستمد المجاهدون والمقاومون قوتهم من صمود أهلنا في القطاع، فثبتوا في لقاء العدو، وأذاقوه مرارة الخيبة وفرضوا عليه الاندحار.
- ما هي أبعاد النصر الذي تحقق في غزة خلال معركة "البنيان المرصوص" على المستوى الفلسطيني؟
هناك بعدان يمكن الحديث عنهما بخصوص هذه المعركة التي ستكون مفصلاً في تاريخ قضية فلسطين، ومستقبل المنطقة. هناك أولاً البعد العسكري الميداني، وهناك البعد السياسي الفلسطيني الداخلي.
في البعد العسكري الميداني، هناك الكثير من الإنجازات التي حققتها المقاومة، والتي لا يمكن لأحد إنكارها أو المجادلة فيها. لقد مني العدو بهزيمة ميدانية وعسكرية كاملة، وعجز عن تحقيق أي هدف من أهدافه. فإطلاق الصواريخ استمر حتى الدقائق الأخيرة قبل دخول وقف إطلاق النار المتبادل حيز التنفيذ، والأنفاق لم يتم تدميرها، وهذا ما اعترف به نتنياهو نفسه حين قال أنه لا يوجد شيء اسمه نجاح 100%، وخشية المستوطنين في مناطق الجنوب الفلسطيني المحتل من العودة الى مستعمراتهم. قدرات المقاومة اللوجستية والعملاتية لم تمس، والدليل على ذلك عملية رفح في اليومين الأخيرين قبل وقف إطلاق النار. واستمرت المقاومة في القيام بعمليات خلف صفوف العدو حتى اللحظات الأخيرة. إذاً عجز العدو عن تحقيق الأهداف التي أعلن عنها، في حين أن المقاومة حافظت على قدراتها.
في البعد الفلسطيني الداخلي، لا شك أن أهم إنجاز تحقق خلال المعركة، هو الوحدة السياسية. أحد أهداف العدو السياسية من وراء الحرب كان ضرب اتفاق المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس"، كما كان يصرح العدو بنفسه. المعركة آتت نتائج عكسية، فإذا بالوحدة الفلسطينية تتعمق وتتجذر أكثر فأكثر، وهذا ما يمكن مشاهدته من خلال الوفد الفلسطيني المشترك في القاهرة. أكثر من ذلك والأهم منه، أن هذه المعركة حسمت الجدال الفلسطيني المستمر منذ سنوات حول الاستراتيجية الفلسطينية الموحدة. لقد أثبتت المقاومة أنها خيار حقيقي وناجح ويحقق الإنجازات. وهذا ما أقر به الرئيس محمود عباس في خطابه أمام اللجنة التنفيذية حيث لم تعد المقاومة بلا طائل، ولم تعد الصواريخ عبثية. هذا الانجاز السياسي هو ما ينبغي المحافظة عليه للمضي قدماً في استراتيجية فلسطينية موحدة، قوامها وركيزتها الأساس هي المقاوم والكفاح المسلح.
- ما هي انعكاسات انتصار غزة على المستوى الصهيوني الداخلي، وعلى مستوى المنطقة؟
بدأت تداعيات الهزيمة تظهر بوضوح على المستوى الداخلي في الكيان الصهيوني. لم نسمع أحداً من قادة العدو وجنرالاته يتحدث عن انتصار.. بالعكس تماماً من ذلك، هم يتحدثون عن خيبة ميدانية وخيبة سياسية. حين يخرج أحد الضباط ليقول إنه لولا سلاح الطيران لما خرج جندي واحد من غزة حياً، فهذا له دلالاته الكبيرة. وحين يضطر نتنياهو ووزير حربه يعالون إلى الهرب من غزة قبل وقف إطلاق النار، وحين ترفض وحدة من قوات النخبة العودة إلى غزة مرة أخرى.. عندها لا يمكن لأحد في كيان العدو أن يدّعي أنه انتصر. وبدأ الحديث منذ الآن يدور حول أزمة في حكومة الائتلاف، وحديث عن لجان تحقيق على غرار لجنة "فينوغراد"، إضافة الى أزمة مستوطني الجنوب الذين يرفضون العودة إلى منازلهم خوفاً من الأنفاق الذين لم يطمئنهم أحد أن خطرها قد زال. هذا كله يحدث في ظل خشية من تحقيق دولي إنساني على شاكلة تحقيق "غولدستون"، يمكن أن تتم بموجبه ملاحقة قادة العدو وأفراد جيشه وساسته، في وقت يشهد العالم الغربي موجة غضب عارمة غير مسبوقة في الشارع. هذه كلها أزمات متفجرة، وستفرض نفسها على العدو، هذا إذا لم نتحدث عن الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة والتي تقدر بمليارات الدولارات.
أما على مستوى المنطقة، فأعتقد أن العدو قد فشل فشلاً ذريعاً في فرض نفسه لاعباً أساسياً ومقرراً في رسم مستقبل الشرق الأوسط، وهذا أحد الأهداف التي سعى الى تحقيقها. فالهزيمة ستفرض عليه التراجع على المستوى الإقليمي بعدما فشل في فرض إرادته على قطاع غزة المحاصر منذ ثماني سنوات، رغم كل الترسانة الهائلة التي استخدمها.
- يحكى عن محاور إقليمية يكون العدو فيها شريكاً. ما رأيكم؟
في سياقات المعركة، كان هناك حديث عن محاور إقليمية متصارعة، وإعلام العدو حاول تسويق نفسه شريكاً في محور إقليمي. قناعتنا أن الهزيمة التي مني بها العدو، والوعي الذي أظهرته قيادة المقاومة وحرصها على إبقاء قضية فلسطين خارج صراع المحاور، وأكبر من كل الخلافات العربية والإسلامية، عطّل على العدو هذه الفرصة، وفرضت عليه التراجع السياسي مثلما فرضت عليه الهزيمة العسكرية.
- ماذا عن مفاوضات القاهرة؟ البعض يتحدث عن خشية من خسارة الإنجاز العسكري في أروقة السياسة.
نحن واثقون أن ما حققته المقاومة بصمودها وبدماء أطفالنا ونسائنا وأهلنا في قطاع غزة لن تتنازل عنه في السياسة. نحن ندرك الأمانة الكبيرة التي تلقيها دماء الشهداء ودماء الأطفال والنساء على عاتقنا، لذلك لن نتراجع عن تحقيق حق أهلنا في قطاع غزة وكسر الحصار وإعادة ربط قطاع غزة بفلسطين وبالعالم. العدو يدرك أن رفع الحصار بات مسألة مفروغاً منها، لكنه يحاول أن يحصل على ثمن سياسي مقابل ذلك. ونحن نقول إن لدينا ثوابت لن نتخلى عنها، أياً يكن الثمن: لن نتخلى عن المقاومة، ولن نعترف بالكيان الصهيوني تحت أي ظرف من الظروف. نحن ندرك تماماً أن المقاومة هي صاحبة الكلمة العليا في المفاوضات، لأننا مدركون أن العدو الذي فرضت عليه الهزيمة بهذا الشكل المذل، لن يجرؤ على إعادة الكرة، أقلّه الآن.. حيث ليس هناك أمامه أي أفق عسكري ليفرض شروطه، وليس أمامه سوى التسليم بمطالب المقاومة.
- ثمة سؤال عن مستقبل الضفة الغربية، هل تتوقعون أن تندلع انتفاضة في الضفة، وكيف ستتعامل معها السلطة الفلسطينية برأيكم؟
إن النصر الذي تحقق في غزة سيفرض نفسه على الجميع. معركة "البنيان المرصوص" بدأت في الضفة بعد إحراق الطفل محمد أبو خضير حياً على يد المستوطنين. خلال العدوان على غزة، وحتى بعد وقف إطلاق النار، لم تتوقف المظاهرات والمواجهات في الضفة. لقد برهنت معركة "البنيان المرصوص" أن المقاومة تستطيع أن تحقق ما تعجز عنه كل الوسائل الأخرى. لذلك نحن على قناعة أن السلطة الفلسطينية لن تستطيع أن لا تأخذ هذا المتغير بعين الاعتبار، ولن يستطيع أحد أن يقنع شعبنا بعد الآن أنه يمكن تحقيق أي شيء من خلال التفاوض أو من خلال الرهان على المؤسسات الدولية التي صمّت آذانها وأغلقت عيونها وهي ترى مدارس الأونروا تقصف فوق رؤوس الأطفال والنساء. لذلك نحن على ثقة أن شعبنا في الضفة الغربية لن يكون أقل عزيمة وإرادة من أهلنا في غزة، وأنه سيفرض إرادته على العدو، حتى تحقيق النصر الكامل وتحرير أرضنا.
المصدر: نشرة الجهاد
