بإرادة وقوة وعزيمة المقاومة، وصمود الأهالي المذهل، وتضحياتهم، أسقطت غزة ثلاثة محاور تآمرية: عسكرية، سياسية، وإعلامية، سخّرت لها الإمكانات كافة .
فعلى الصعيد العسكري، فشلت آلة القتل والدمار الصهيونية، رغم شراستها، وبشاعة ممارستها وتقنياتها، في أن تنال من المقاومة لأسباب عدة، أبرزها :
أولاً : فشل أجهزة الإستخبارات في الكشف عن مواقع الصواريخ، وأماكن تصنيعها، وإستهداف القادة الميدانيين، الذين أظهروا بسالة فائقة، وقدرة وخبرة واسعتين في المواجهة، وتحقيق الإنجازات الرائعة .
ثانياً: فشلت هذه الأجهزة، في الكشف عن الأنفاق التي كان المقاومون يتسللون من خلالها، لتنفيذ عمليات نوعية وجريئة، ضد تجمعات وآليات العدو .
ثالثاً: أثبت الميدان كذلك، الى أن إطالة أمد الحرب، لم يُضعف المقاومة، ولم يفرض عليها أيّة شروط أو تنازلات، كما أنه تمّ إسقاط أكذوبة ما يسمى بالقبّة الحديدية، وباتت الأخيرة مدار تندّر لدى الخبراء الصهاينة وغيره، قبل تندّر المقاومين، لعدم فعاليتها، وأهليتها للتصدي لصواريخ المقاومة، فهذه الصواريخ إستمرت في أداء وظيفتها حتى اللحظات الأخيرة .
رابعاً: لو تتبعنا تصريحات ومواقف كبار الجنرالات الصهاينة حول تقويمهم لنتائج الحرب، لاستنتجنا مدى الخيبة التي ألحقت بجيش الإحتلال، فقد أجمع الخبراء على أن هذه الحرب التي دُفع إليها بنيامين نتنياهو، لم تحصد سوى الفشل، وأن خسائر الجيش فاقت كل تصوّر، سواء على صعيد الجسم العسكري أو المادي . ما دفع هؤلاء الى المطالبة بوقف الحرب فوراً، والإستنجاد بالولايات المتحدة وأوروبا، والحلفاء الآخرين في الأمم المتحدة وغيرها، لإيجاد مخرج يمكن أن يحفظ بعض ماء وجه الإحتلال !
أما على المستوى السياسي، فقد فضحت الحرب على غزة، عمق التآمر الذي شارك فيه أطراف دوليون وإقليميون، ومن ضمنهم بعض زعماء عرب، لضرب القطاع وتدميره، ومحاولة إجباره التخلي عن سلاحه، والإنصياع للمشاريع الوهمية المطروحة .
غير أن المواجهة الميدانية، كشفت أن غزة عصيةٌ على الإكراه، وعصيةٌ على كل الضغوط، غزة صمدت، قاومت، تحملت كل الجراح والدمار، رافضةً الركوع والإستسلام ما اضطر العالم الى أن يخضع لمطالبها وليس أقلها فك الحصار، وإطلاق الأسرى إضافة الى وقف العدوان .
بعثت نتائج هذه الحرب رسائل سياسية الى كل الجهات التي تفرّجت على دماء ودمارغزة طيلة أيام الحرب، بإنتظار سماع نداء إستغاثة يأس، قالت لهم: المقاومة نضجت، وهي قادرة على إتخاذ القرار الذي يناسبها ويناسب بيئتها التي إحتضنتها، غزة ليست جزيرة معزولة رغم الحصار، واستمرار الحرب بهذه القدرات والمعنويات، سوف تحدث زلزالاً لن تستطيع "إسرائيل" وكل أصدقائها وحلفائها في المنطقة والعالم، من أن تتحمل نتائجه، وما مسيرات الغضب التي تجوب كل عواصم العالم، وفي الضفة الغربية وفي أراضي ال48، سوى إشارات وإنذارات مبكرة .
فشل مشروع الإستهداف السياسي في الحرب، لَيْ ذراع المقاومة، وتمزيق وحدة المجتمع الفلسطيني، ومنع التواصل بين أبناء الوطن الواحد، وبين الداخل والشتات .
إنتصرت غزة بدمائها، وتجذّر مقاتليها، وإبداعاتهم في ساحات القتال .
وعلى الصعيد الإعلامي، سخّرت أحدث الوسائل ومحطات البث المرئية والمسموعة، إضافة الى المكتوبة للتأثير السلبي على الرأي العام، فشكّل أعداء المقاومة جبهة عريضة شملت الإعلام الأمريكي والأوروبي وبعض العربي والإسلامي، لقلب الحقائق، ومحاولة النيل من المقاومين ومن الشعب الفلسطيني، لكن وعي الشعب، وقدرته على الفرز والتمييز، لم يسمح لهذا الإعلام من إحداث أي إختراق لمعنوياته، بل أن إنحياز الإعلام الغربي وبعض العربي المكشوف لصالح العدو، خلق رد فعل عكسي لدى الرأي العام العربي والإسلامي، فزاده تعلقاً بالمقاومة، فتابع كل بياناتها ووسائل إتصالها لمعرفة الحقيقة .
فشلت جبهة الإعلام المضادة، كما فشلت جبهة المواجهة الميدانية المباشرة، والجبهة السياسية الخادعة في خوض هذه الحرب، وهي تذكرنا بالفشل ذاته الذي منيت به في حروب غزة السابقة، وحروب لبنان، حيث كانت المقاومة تخرج منها، أكثر صلابة وخبرة، وأكثر قدرة على تطوير ذاتها في المجالات كافة .
كانت غزة وستبقى، عنواناً للتحدي والصمود، وعلى صخرة مقاومتها تحطمت وسوف تتحطم كل أحلام ومشاريع الطغاة والإحتلال، وداعميهم ومؤيديهم .
المصدر: نشرة الجهاد