/منوعات/ عرض الخبر

الإنسانيات الرقمية، وتساؤلات في ثقافة التكنولوجيا

2013/12/24 الساعة 12:08 م

[ الكتاب: الإنسانيات الرقمية، وتساؤلات في ثقافة التكنولوجيا
[ الكاتب: د. غسان مراد
[ الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2013
[ مراجعة: د. عفيف عثمان

ينتمي الدكتور غسان مراد الى صنف المدرسيّن الباحثين، يؤرقه سؤال النهوض والوجود في العالم المعاصر. فاذا طرح النهضويون العرب في القرن التاسع عشر على أنفسهم قضية تقدم الغرب وتأخرهم، فهو يعيد رسمها في صيغة جسر "الفجوة الرقميّة" بين أبناء لغة الضاد وبقية العالم. فالثورة المعلوماتية الجديدة تعم الفضاءات الثقافية وتنشر ألويتها، وسمتها الدامغة هي "الرقمنة"، ومعها نكون أو لا نكون: تلكم هي المسألة.
والكتاب متعدد الغرض يحضنا على التفكير عربياً في عصر المعلوماتية والإستفادة من أدواتها من أجل ولوج الألفية الثالثة من أحد أبوابها المشرعة. ويقدم لنا ثبتاً من المصطلحات المنحوتة باللسان العربي، ودعوة الى علم جديد هو "الانسانيات الرقميًة" الذي يجمع بين مفاهيم العلوم الإنسانية الراسخة والتقنيات الرقميّة". الى انهمام الباحث بمسألة "ترويض اللغة" في سبيل إرساء المصطلح المناسب مع التغيّرات العميقة في وسائل الإتصال. ود. مراد نفسه أحد المشتغلين العرب في "اللسانيات الحاسوبية": "العلم الذي يهتم بتطور الذكاء الإصطناعي عند الحاسوب في أحد أهم جوانبه: الكلام، في فهمه ومبانيه وتراكيبه ومعانيه... وغيرها". وهو يرى الى الصلة الوثيقة والجدلية بين التكنولوجيا والعلوم. فيطمئن أنصار هايدغر، الناقد الشرس للتقنية، الى أن أصول المعلوماتية موجودة عند أرسطو في قياسه المنطقي، ويشير الى المساهمة البارزة لفلاسفة العرب، ولا سيّما تأسيس الخوارزمي لعلم الجبر. وكذا الأمر في إقتراب المناطقة الغربيين من المعلوماتية من خلال إنشغالهم بالرموز الرياضية مثل جورج بوول(G. Boole). ويعطي مراد دوراً للفلسفة في التعامل مع الوقائع الجديدة، عبر إنتاج ابستمولوجيا جديدة (كيف نعرف ما نعرف)، يُطلق عليها مصطلح "الميتا ابستمولوجيا" (الابستمولوجيا الواصفة بترجمتنا)، ويجعلها ذات شُعب ثلاثة: النحو، الذي يهتم بتركيب الرموز، والدلالة التي تهتم بدراسة المعنى، والهرمنوطيقا. وتسعى المعلوماتية، في نظر الباحث، لاستثمار هذه العلوم لصنع آلات تستطيع إنجاز عمليات "ذكية". والسؤال: هل تستطيع هذه الآلات إعادة إنتاج معرفة تتخطى المعرفة الإنسانية نفسها؟ أي "فكر جديد يراه البشر أنفسهم جديداً أيضاً؟".
والرابط الجامع للمعلوماتية مع العلوم الإنسانية يأخذ مسمى "الإنسانيات الرقميّة"، مثابة علم جديد يؤثر في طرق التفكير البشري. وهو جزء من تداخل العلوم والإختصاصات، ويقول المشهد المعاصر، وفاقاً لمراد، إن المعلوماتية تغلغلت حاضراً في" جذر" كل حقل علمي. فالصلة بين الأدوات التقنية والإنسانيات ينتج "الإنسانيات الرقمية"، التي تُغطي مجالات العلم والثقافة كافة (التاريخ والجغرافيا والأدب والآثار والمكتبات والمتاحف والمسرح والألسنية والدين والإعلام والإعلان والفلسفة وعلم النفس والقانون والصحافة والفن والرسم ... وغيرها).
تستفيد العلوم الإنسانية من الرقمنة لإنتاج منهجية جديدة، والمثل البارز الذي يقدمه د.مراد "الألسنية المعلوماتية"، وهي شق تطبيقي لما يُسمى "المعالجة الآلية للغات الطبيعية"، بحثاُ عن الدلالات في النصوص. ويرى أول آثارها في ضرورة الجهد الجمعي للباحثين متعددي الإختصاص بغرض "إنتاج معرفي مشترك"، وهذا تفاعل على صورة تفاعلية الوسائل الرقميّة.
يُسلط د.مراد الضوء على إرتقائية مسيرة العلوم وتعاونها وتضافر الإختصاصات المتعددة (الأنتروبولوجيا، علم الأحياء، اللسانيات، العلوم العصبية، اضافة الى الذكاء الصنعي، وعدة مجالات أخرى مثل الوعي والإدراك والذاكرة) لتوليد حقول أخرى نظير "علوم الإدراك".
ويتابع الباحث مُغامرة "الإنسان العاقل" في إدراك ذاته ومحاكاة نفسه، ومحاولة التسلل الى دماغه لاصطناع ذكاء يُعادله.
بدأت العلوم الصحيحة من خيالات الكتاب والفلاسفة، لكن المحصلة تعاضد العقول لخدمة البشرية المتعالية على الأفراد، فالتطبيقات ثمرة "الذكاء الجمعي" (في ما يشبه عمل مملكة النمل). وهو يعكس التعاون الضروري بين الناس، على صورة الشبكات وانخراط الكل في إنتاج المعرفة، فكما يكتب د.مراد "لم يعد هناك مستخدم سلبي، كل مستخدم هو منتج للمعرفة ومستهلك لها. ولم تعد العملية التواصلية أحادية التوجه(...)، بل نحن في حلقة معرفية دينامية وتفاعلية". ونجد مثال الذكاء الجمعي والذكاء التعاوني في "البرامج مفتوحة المصدر" (كالموسوعات)، بمعنى مساهمة كل واحد في تغذية البرنامج، وقد قاد ذلك الى آليات إجتماعية وتقنية وقانونية، والى استجابة الصانعين لآمال ورغبات المستخدمين.
والحال، يضعنا الكتاب في صورة "ما هو قادم" من مباهج ثورة المعلوماتية، من خلال تطبيقاتها، ولا سيّما في الهواتف الذكية التي باتت دماغاً نحمله بين أيادينا، والربط بين الإنترنت و"أشياء الحياة". ورغم السِمة الربحية والتجارية للتطورات التقنية، إلا أن المستخدمين يدرجونها في خططهم المعيشية في اقتصاد الوقت والزمن، والمعرفة ذات الطابع الأيقوني التي تتجاوز اللغة المحليّة الى لغة إشارية كونية.
ولا يخلو الأمر من شطط، اذ ينبهنا الكاتب، صاحب العين الناقدة، الى أخطار تتهدد الـ"الهويّة البشرية"، في ذلك السعي المحموم للتدخل في عمل أعضاء الجسم. ما يطرح على العلوم الإنسانية مقاربات جديدة لمفاهيم الهويّة والأنسنة والعقل والتفكير، ويفترض "أتيقا" تتناسب وهذا الطور من "ما بعد الإنسان" (كما يعبر دومينيك لوكور). ويبدي مراد قلقه من عملية "تحسين الإنسان وتحويله الى مزيج من اللحم والمعادن والألكترونيات"، وهو يخشى أيضاً على بعض المهن، مثل الصحافة، من التطور الذي عرفته معالجة النصوص آلياً، مع إقراره "بأن فهم اللغة وحوسبتها آلياً" لا تزال في مراحلها الأولى".
أما التغيّر الكبير الملموس، فهو في مصادر المعلومات، حيث بات الكل شريكاً فيها، متلقياً ومنتجاً، ويمكن الدخول في الشبكة، أن يغيّر في كثير من العادات. ولم تعد الشكوى من ندرة المعلومات، بل من تدفقها، وهنا تبرز الحاجة الى من يُحلِلها ويدقق فيها. فإلى الخبرات والقدرات التقليدية، يجب معرفة الثقافة "التقنية والرقمية"، وأقرب الأمثلة لدينا مهنة الصحافة التي تواجه أكثر من غيرها تحديات الرقمنة ووسائط الإتصال الحديثة ومحرك البحث "غوغل" الذي بات مرجعاً، ويُدرِك د.مراد، إن الضحية الثانية بعد قلم الصحافي هي اللغة وتورياتها.
ويشير الى دور "المدونات" في الفضاء الألكتروني في توجيه النظر الى موضوعات بعينها والى إمكان تكوينها "مجموعات ضغط" (لوبيّات) لا يمكن تجاهل مطالبها. ويضعنا الباحث أيضاً في صورة التحدي الذي يواجهه الكتاب واستجابته الأمر عبر "الكتاب الألكتروني"، وما تتعرض له الكتابة تالياً بسبب الرقمنة من أخطار تطاول بُنيتها وأشكالها وصلتها بالقارئ "الإفتراضي"، وبالحامِل المعتمد لتوصيل الأفكار والمعارف في شكل عام.
ولقد فرضت وسائط الإتصال الحديثة نفسها حتى على الدين، فاستخدمت الكنيسة الغربية الإنترنت، واستخدمه المؤمنون أيضاً لإيصال كلمة الله، مثابة وسيّلة فحسب، والمحصلة في عرف د. مراد، إن الإنترنت أدى الى "كسر حاجز القنوات الكلاسيكية، لنشر الحضارات والثقافات والأديان".
ومن موقع الخبير والعارف يرى الى أهمية تدريس المعلوماتية في العلوم الإنسانية، وهي باتت مادة في كل الأقسام في الجامعة اللبنانية، ويعتبرها قضية ثقافية بالدرجة الأولى ، فمعرفة التكنولوجيا من العمق تتيح للدارس مواكبة العصر "الرقمي". ويسرد الباحث تجربة مركز علوم اللغة والتواصل (2007 2008) الإيجابية في الجامعة اللبنانية، الذي يعمل ضمن منهجية تعدد الإختصاص، فيجمع بين مواد اللغة والتواصل والمعلوماتية، وهي تعود لحقول متداخلة ومترابطة.
بيد أن الدعوة الى الإنفتاح على علوم العصر وفي مقدمها "المعلوماتية"، يقتضي في نظر د. مراد، فهمها وتبسيطها، بما يؤدي الى خلق ثقافة علمية تشرك الناس في أمور البحث كجزء من الممارسة الديموقراطية ومن الشأن السيّاسي. فتبسيط النص العلمي يساعد "في إعطاء العلوم معناها كوسيط بين الإنسان والعالم، ما يجعل ذلك التبسيط شرطاً من شروط بناء الواقع ومتخيلاته المتنوعة".
ينقل لنا الكتاب مشهد تلك العوالم الموازية التي نجول فيها بإصبعنا النقاف، بفضل التكنولوجيا الرقميّة، والتي تعبر عن إنخراطنا فيها، "فأنا أنقر (أو ألمس)، أنا موجود".

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/49811