من كندا حيث حطت أقدامه في "التغريبة الفلسطينية"، عاد الى فلسطين. لم تغب حيفا وبرقة (بين نابلس وجنين) يوما عن ذاكرة الكاتب، رغم التشريد ثم الهجرة. ولد سميح مسعود في حيفا في العام 1938، أي 10 سنوات قبل النكبة وتهجير عائلته من حيفا الى برقة. وكمدير للمركز الكندي لدراسات الشرق الاوسط في كندا، استطاع ان يعود الى وطنه من خلال برامج اقتصادية داعمة للسلطة الفلسطينية بعد اتفاقيات اوسلو.
في هذا الكتاب – السيرة الذاتية، يبحث المؤلف عن جذوره في فلسطين. الطفولة في حيفا، الأب الذي يعمل موظفا في البريد والتلفون والتلغراف، الاحتلال البريطاني، بداية الوعي السياسي من خلال اصدقاء العائلة، التنزه في شوارع حيفا مع الأم ثم موسم الصيف في برقة، القرية التي تنحدر منها العائلة، بساتين وأراضي برقة المزروعة ب"الخضروات بمختلف أنواعها، وأشجار الزيتون واللوز والكرز والبرقوق والمشمش والتين والعنب والرمان والخوخ والأسكنديا". برقة والقرى المحيطة بها، منطقة باب الجامع حيث يلتقي "الكبار" الذين يتحدثون عن أحوال القرية وأحوال فلسطين. مدرسة القرية الذي يلتحق بها الكاتب، لسنة واحدة فقط، قبل العودة الى حيفا. فيتعرف على الألعاب التي يلعبها أولاد القرية، الذين عرّفوه ايضا على الشبابة "وكيف تصنع من القصب وضلوع بعض النباتات" و"كيفية صنع سيارة لعب من السحارات المرمية في الطرقات"... وألعاب أخرى.
يعود الى حيفا، سنة ونصف قبل النكبة. يلتحق بمدرسة البرج، "أقدم وأعرق مدارس حيفا أسست في العام 1922، تابعة للجمعية العربية الاسلامية" حيث عمل الشيخ عز الدين القسام مدرسا فيها. يصف الكاتب شوارع حيفا ومتاجرها واهلها وحدائقها، مسبح العزيزية وفندق نصار، وجبل الكرمل، ومسجد الاستقلال، ثم السينما حيث يذهب مع اصدقائه، وقد بدأت العمليات الارهابية الصهيونية تهز المدينة وجوارها. يسمع لأول مرة نشرات الأخبار في الإذاعة، "هنا القدس" و"إذاعة الشرق الأدنى". هي حيفا ما بعد ثورة القسام وما بعد ثورة 36-39، حيفا المهزومة ايضا بالخلافات التي سيطرت على القيادة الفلسطينية، التي لم تعرف كيفية مواجهة المستوطنين الصهاينة والمحتلين البريطانيين. يستمع الطفل الى النقاشات السياسية الحادة في برقة وحيفا، قبل اندلاع "الأعمال المروعة"، بعد اعلان تقسيم فلسطين، في 29 تشرين الثاني 1947.
تفجيرات في كل انحاء حيفا، مجزرة بلد الشيخ، التي بلغ عدد ضحاياها 60 شهيدا، والتي كان لها "تأثير مدمّر على معنويات السكان العرب في حيفا وبقية المدن الفلسطينية"، التفجيرات وانتشار الموت في كل مكان : "بعد هدم عمارة المغربي في يوم 16 كانون الثاني 1948، امتد الموت الى شوارع كثيرة في وادي الصليب وحي الكنائس وساحة الحناطير "الخمرة" وأحياء البلدة التحتا، تدحرجت عليها براميل مملوءة بالمتفجرات من حي الهدار المرتفع". بدأ النزوح في شهر شباط 1948، اقفلت المدرسة، معارك يخوضها أهل حيفا بشجاعة وبسالة، أحداث دامية، نزوح الجيران وفي 21 نيسان 1948، انسحاب القوات البريطانية. وفد أهالي حيفا يلتقي بقائد القوات البريطانية ل"يذكروه بمسؤوليات بريطانيا تجاه السكان العرب حتى 15 ايار 1948... أصر المسؤول البريطاني على التخلي عن المدينة باستثناء بعض الطرق لإحكام إغلاقها ومنع وصول أية نجدات من محيط فضائها العربي.." سقطت حيفا وتم تشريد مئة ألف عربي من أهلها...
نزح الكاتب وأهله الى برقة. بعد ان فقد البيت ومصدر الرزق والاصدقاء والجيران في حيفا، أخذ الأب يجول في قرى الضفة الغربية من منطقة جنين ونابلس وعلى المخيمات للعثور على معارفه وأصدقائه، ثم على مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان. كانت لرحلة ابيه في البحث عن الجذور الأثر الكبير على الفتى اذ يكتب "تشربت تجربته، دخلت في تكويني الثقافي والعاطفي". بعد هجرته الى كندا، واصل الكاتب هذا البحث حتى حصل على الجنسية الكندية في العام 1995 ثم كلّف، كمستشار اقتصادي، بالعمل مع المؤسسات في السلطة الفلسطينية.
عاد الى الوطن، بعد 30 عاما في الغربة وأكثر من 60 عاما من احتلال فلسطين والنزوح عن حيفا. لم يزر فقط حيفا بل يافا، والناصرة، وعكا، من الأراضي المحتلة عام 1948. يلتقي باهلها ويبحث في الذاكرة، ويسأل حتى يكتشف ان له أقارب في بلدة إكسال، قرب الناصرة، اضافة الى بعض أفراد العائلة التي بقيت في برقة.
رحلة المؤلف سعيد مسعود هي التي يتمناها كل لاجئ، ومن خلاله، يتصور استعادة العلاقات مع اقرباءه الذين بقوا في الوطن، الذين يعرفهم والذين لا يعرفهم بعد، واستعادة المكان الذي شردوا منه في العام 1948. وفي رحلة البحث عن الجذور في فلسطين المحتلة، المحتل الصهيوني غير موجود. لا مكان له في التاريخ. يمر الكاتب في شوارع حيفا ويافا ليصفها ويسميها كما كانت قبل الاحتلال، ليتذكر اين كان هذا المتجر ومن كان يسكن هذا البيت. فلسطين قبل 1948 ما زالت في ذاكرته وذاكرة الجيل الذي ينتمي اليه والذي هجر من وطنه. ولهذا السبب ولغيره، كان استضافة الكاتب في حيفا من قبل أهلها ومثقفيها بعد صدور هذا الكتاب : سيرته الذاتية هي ايضا شهادة توثق لما قبل النكبة، كيف كانت مدن فلسطين قبل احتلالها وتهويدها وتشويه معالمها. ومن خلاله ومن خلال آخرين عاشوا تلك الفترة، يمكن استعادة الوطن والمدن بشوارعها وحاراتها، وببعض معالمها التي ما زالت موجودة. لقد بادرت جمعية "مسمهاش هيك" قبل شهور لحملة تثقيفية واسعة لاستعادة الأسماء العربية للقرى والبلدات والأماكن التي تم تهويدها، رفضا للتهويد والتشويه. ويأتي هذا الكتاب ضمن هذه الجهود الوطنية، لاستعادة ايضا الاسماء العربية للشوارع وحارات المدن الساحلية الفلسطينية. يقول هذا الكتاب ان التهويد والتشوية زائل، وأن الأصل هو فلسطين العربية، التي ما زالت تعيش في وجدان أهلها.