/منوعات/ عرض الخبر

حليحل: العناوين الجيدة نافذة ممتازة لكلّ عمل أدبي

2013/09/21 الساعة 11:34 ص

يُعتبر الأديب والصحفي علاء حليحل، ابن الجليل الفلسطينيّ، أحد الوجوه الثقافية البارزة في أراضي الـ 48، حيث يربط بعض النقاد بين أدبه الساخر وأدب إميل حبيبي ومحمود شقير، ويرى البعض الآخر أنّ قصته “زوجي سائق باص” من أهمّ القصص الحداثية، ويذهبون إلى مقارنتها بقصة يوسف إدريس “النداهة”.
وهو يرى أنّ الصحافة والأدب يكمّلان بعضهما البعض، رغم أنهما يتضاربان في بعض الأحيان. ويعتبر في لقاء مع “أشرعة” أن الصحافة تبحث عن النص الصريح والمكشوف والفوري والأدب يتطلب نصًا خبيئًا (سَبْتكست) لا يخاف التورية والغموض والالتفاف على التفاصيل أحيانًا”. وحول تطرّقه إلى مسألة الهوية الفلسطينية في أراضي 48 في رواية “السيرك”، يشير إلى أنّ الرواية سيرة ذاتية له وللعديد من أصدقائه الذين عاش معهم في حيفا، وأنّ تطرّقه فيها إلى الصراع الذي يخوضه أبناء المجتمع العربي في “إسرائيل” من أجل المحافظة على الهوية العربية الفلسطينية ومحاولات أسرلة هذا المجتمع، كان الهدف منه طرح أسئلة ومقولات تخصّ الهوية الفلسطينية العربية في داخل مناطق 48. وحول قصة “كارلا بروني عشيقتي السرية” التي تحمل مجموعته القصصية الأخيرة عنوانها يقول: “هي قصة ثيمتها “ما بعد الاستعمار”، وبروني هي التجسيد الفعلي لظاهرة العولمة المعلوماتية ولظاهرة ما بعد الكولونيالية بتوجّهاتها الجديدة الناعمة”.
علاء حليحل من مواليد الجليل عام 1974، وهو كاتب وصحفي ومترجّم، مؤسّس ورئيس تحرير موقع “قديتا” الثقافيّ، حاصل على عدة جوائز منها جائزة مؤسّسة عبد المحسن القطان للرواية عام 2002 عن رواية “السيرك” وجائزة القصة القصيرة عن مجموعته القصصية “قصص لأوقات الحاجة” وله مجموعة قصصية باسم “كارلا بروني عشيقتي السريّة”. كما كتب حليحل السيناريو والنصوص المسرحية وترجم مؤخرًا مسرحية “الحفلة” لهارلود بينتر.
- ثنائية الإعلاميّ الناجح والأديب المبدع، كيف كان تأثير كلّ منها على الآخر عند علاء حليحل؟
“الاثنان يكمّلان بعضهما البعض، برغم أنهما يتضاربان في بعض الأحيان. لقد اكتشفتُ أنّ الانشغال بالصحافة لسنوات طويلة والعيش وفق نبض الخبر المتغيّر دفعني إلى الكتابة الأدبية الساخرة كتعقيب ربما على العمل الصحفيّ وتأثيراته على نفسيتي وشخصيتي. في نفس الوقت، المجالان يتشابهان من حيث اعتمادهما الكليّ على الصراع والدراما والتفاصيل الصغيرة التي تبني الحدث، ولكنهما يختلفان من جهة توظيف هذه الأمور في المُنتَج النهائي: الصحافة تبحث عن النصّ الصريح والمكشوف والفوريّ والأدب يتطلب نصًا خبيئًا (سَبْتكست) لا يخاف التورية والغموض والالتفاف على التفاصيل أحيانًا.”
- ما الذي كنت تبحث عنه في انتقالك من القصة إلى الرواية، وهل حققت لك الرواية ما لم تحققه لك القصة؟
“أول عمل نُشر لي كان رواية “السيرك” التي فازت جائزة القطان عام 2000. وبالتالي فإنني أطللتُ على القراء لأول مرة عبر رواية وليس عبر مجموعة قصصيّة، مع أنني كتبتُ القصة القصيرة قبل فترة طويلة من كتابة رواية “السيرك”. أنا أروح وأجيء بين الرواية والقصة القصيرة بحرية كبيرة وصار بمقدوري تصنيف كل فكرة جديدة تخطر ببالي واتخاذ قرار بشأن كتابتها: قصة قصيرة جدا، قصة قصيرة، رواية قصيرة أو رواية طويلة. أشعر دائمًا بأنّ الفصل بين القالبين عندي لا يتعدى كونه مسألة تقنية تتعلق بطول النص أو النَفَس المطلوب لكتابته. أنا صراحة لا أبحث عن شيء في هذا الانتقال سوى إيجاد القالب الصحيح لكتابة كل فكرة جديدة.”
- لعل أول ما يستوقف القارئ لأعمالك هو الأسماء: “السيرك”، “قصص لأوقات الحاجة”، “الأب والابن والروح التائهة” و”كارلا بروني عشيقتي السّرية”. سؤالي كيف تختار العنوان، وهل يكون الموضوع جاهزا في ذهنك أثناء هذا الاختيار؟
“هذا تأثير آخر (إيجابي) من عالم الصحافة: البحث الدائم عن عنوان جيد. العنوان الجيد في الصحافة هو أقلّ عدد من الكلمات وأكثر ما يمكن من التشويق. كيف يمكنك أن تحصر تقريرًا أو مادة صحافية طويلة في 8 كلمات؟ من هنا ربما توجّهي إلى هذا النوع من العناوين في الأعمال الأدبية. هناك حاجة لعناوين جيدة كي تثير فضول الناس. العنوان والتصميم هما أول ما يثير القارئ أو القارئة لقراءة كتاب جديد ما، وفي أحيان كثيرة يكون هذا الاعتبار الأول، خصوصًا إذا كنت تتجوّل في معرض فيه عشرات آلاف الكتب وعليك اختيار الكتب العشرة التي تسمح بها ميزانيتك. أعتقد أنّ العناوين الجيدة هي نافذة ممتازة لكلّ عمل أدبي.
“أما بالنسبة لحضور العناوين فأنت مُحقّ: إنها حاضرة طيلة الوقت وأحيانا تسبق النصّ. في المجموعة الأخيرة “كارلا بروني عشيقتي السرية” حضر العنوان وأصبح عنوانًا للمجموعة كلها قبل أن أكتب القصة نفسها. لقد وُلدت قصة كارلا من عنوان جذاب خطر لي فجأة.”
- تقول عن قصة “كارلا بروني عشيقتي السرية” إنها قصة ثيمتها “ما بعد الاستعمار”. هل يمكن إيضاح هذه النقطة، ولماذا كانت كارلا وليست مادونا مثلا؟
“إختيار كارلا وليس غيرها لم يكن فوريًا. فأنا فكرتُ في شخصيات نسائية غربية أخرى مثل جوليا روبرتس أو أنجيلينا جولي. لكنّ كارلا بروني تجمع الكثير من الأمور التي وظفتها في القصة: فهي عارضة أزياء ومغنية وزوجة الرئيس الفرنسي. بمعنى أنها تجيء بشحنة كبيرة ومضامين جاهزة كشخصية أدبية الهدف من ورائها مقولة سياسية ووجودية كبيرة مثل البوست كولونياليزم. ليس صدفة أنني ألبستُ كارلا في القصة برقعًا؛ فزوجها أراد سنّ قانون فرنسي يمنع ارتداء البرقع في الأماكن العامة. كما أنّ علاقة الشرق بالغرب مرّت بتساؤلات غير قليلة في سير القصة وتطوّرها: نظرة الغرب إلينا كمجتمع فيه إكزوتيك وأوثنتيكا والرغبة في السكن هنا وخوض المغامرات الجسدية والحسية، فيما يرغب الشرقي المهزوم بامتطاء واحتلال الأنثى الغربية كنوع من الانتقام لرجولته المفقودة. إنها قصة مؤلمة بنظري رغم أنّ المعظم يتعامل معها من باب التسلية الجميلة أو الكوميديا أو الجانب الفضائحيّ.”
- تطرقت في روايتك “السيرك” إلى الصراع الذي يخوضه أبناء المجتمع العربي في “إسرائيل” من أجل المحافظة على الهوية العربية الفلسطينية ومحاولات أسرلة هذا المجتمع. كيف ترى هذه حقيقة هذه الإشكالية، وكم في هذه الرواية من السيرة الذاتية للكاتب علاء حليحل؟
“في رواية “السيرك” الكثير من السيرة الذاتية لي ولعدد من الأصدقاء الذين عشت معهم تلك الفترة (منتصف التسعينيات وحتى نهاياتها من القرن الماضي) في مدينة حيفا. لكنها مع ذلك ليست رواية توثيقية أو تسجيلية أو تاريخية بالمعنى المرجعيّ. إنها توليفات متقاطعة لعدة شخصيات، ولكن من ورائها أسئلة ومقولات تخصّ الهوية الفلسطينيةـالعربية في داخل مناطق 48: ما هي حدود اندماجنا في المجتمع الإسرائيليّ وما هي علاقتنا مع الإسرائيليّ كقوة استعمارية وكوجود اقتصاديّ واجتماعيّ وثقافيّ. أنا لا أملك أجوبة شافية ولا يبدو أنني سأملكها يومًا، ولذلك أرى في مهمتي الأساسية طرح الأسئلة، الصعبة منها خصوصًا.
“أعتقد أنّ هذه الرواية أربكت الكثيرين لأنها تعاملت مع هذه المسألة خارج الكليشيه الجاهز. فالفلسطينيون فيها ليسوا أبطالا بالمرّة، بل بعضهم نذل وبعضهم جبان وبعضهم غارق في الملذات. إنه كسر للنموذج الفلسطيني الذي اعتاد عليه القارئ الفلسطيني والعربي. ولذلك اُتهمت الرواية بالتطبيع مثلا لأنّ سمير (البطل) يقيم علاقة مع مهاجرة روسية جديدة (العلاقة لم تكن جنسية في النهاية). يمكن بسهولة اتهام هذا الشخص بأنه متواطئ مع الهجرات الصهيونية إلى بلد الآباء والأجداد، ولكن المهمة الأصعب لدى أيّ قارئ هي أن يتخيل نفسه للحظة في حيفا أو عكا أو يافا اليوم: كيف سيتدبر أمره ببطاقة هوية إسرائيلية ومنظومة حياتية متكاملة تعمل ضدك كمواطن.”
 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/43243