في ذكرى استشهاد الأمين العام المؤسس لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي نستحضر سيرة رجلٍ جعل من فلسطين بوصلة الفكر، ومن تحريرها جوهر المشروع، ومن الشهادة محطةً في طريقٍ آمن، بأن إرادة الشعوب لا تُغتال باغتيال قادتها.
هناك رجالٌ يمرّون في التاريخ وهناك رجالٌ يتركون في التاريخ أثراً لا تمحوه السنوات لأنهم لا يكتفون بأن يعيشوا زمانهم بل يسعون إلى صياغة وعي أجيالٍ تأتي من بعدهم، ومن هؤلاء الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي الذي لم يكن مجرد قائدٍ سياسي، أو مؤسس حركة، بل كان صاحب رؤيةٍ سعت إلى إعادة وصل فلسطين بهويتها الإسلامية، وإلى جعل القضية الفلسطينية قضية تحررٍ وطني وإنساني تتجاوز حدود الجغرافيا والحسابات الضيقة.
في ذكرى استشهاده لا نقف أمام حكاية رجلٍ غادر الحياة في عملية اغتيال بل أمام تجربةٍ فكرية وسياسية ونضالية ما زالت تطرح أسئلتها على الواقع الفلسطيني وتستدعي التأمل في مسيرة حركةٍ نشأت في ظروفٍ بالغة الصعوبة ثم واصلت طريقها بعد غياب مؤسسها في مواجهة الاحتلال وتحديات الواقع وتعقيدات المرحلة.
إن الوفاء للشقاقي لا يكون باستعادة اسمه فحسب بل باستحضار فكره وفهم تجربته وقراءة المسار الذي فتحه أمام أجيالٍ آمنت بأن فلسطين ليست قضيةً قابلة للنسيان وأن شعبها لا يمكن اختزاله في معادلات القوة والضعف أو إخضاعه لموازين الأمر الواقع.
من رفح إلى مالطا... حكايةُ شهيدٍ أراد لفلسطين أن تبقى حيّةً في الوعي والوجدان
وُلد فتحي إبراهيم الشقاقي في الرابع من كانون الثاني عام 1951 في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين لعائلةٍ هجّرتها النكبة من قرية زرنوقة قرب يافا عام 1948 ومنذ البدايات الأولى حمل في ذاكرته جرح الاقتلاع وفي وجدانه حكاية شعبٍ شُرّد من أرضه لكنه لم يتخلَّ عن حقه في العودة إليها و لعلّ تلك النشأة في مخيمٍ تختصر أزقته مأساة اللجوء الفلسطيني أسهمت في تكوين وعيه المبكر بأن فلسطين ليست مجرد أرضٍ محتلة بل قضية شعبٍ وذاكرة وطنٍ وحقٍّ لا يسقط بالتقادم.
لم يكن الشقاقي رجلاً عابراً في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية بل كان صاحب رؤية فكرية استثنائية درس الرياضيات في جامعة بيرزيت ثم اتجه إلى دراسة الطب في جامعة الزقازيق المصرية وعاد إلى فلسطين طبيباً قبل أن تتبلور لديه رؤيةٌ سياسية وفكرية جعلت من تحرير فلسطين مركزاً لمشروعه.
كان يرى أن القضية الفلسطينية يجب أن تحتل موقعها المركزي في الفكر الإسلامي المعاصر وأن تبقى فلسطين حاضرةً في ضمير الأمة ووجدانها بعيداً عن التهميش أو التأجيل أو إخضاعها لحساباتٍ لا تنسجم مع حجم المأساة التاريخية التي عاشها الشعب الفلسطيني.
ومن هنا لم يكن اهتمامه بالفكر منفصلاً عن اهتمامه بالواقع ولم تكن الكتابة عنده ترفاً ثقافياً أو نقاشاً نظرياً معزولاً عن الميدان فقد سعى إلى بناء حركةٍ فلسطينية ذات مرجعية إسلامية تنطلق من خصوصية القضية الفلسطينية وتربط بين الهوية الوطنية والبعد الإسلامي وتضع مواجهة الاحتلال واستعادة الحقوق الفلسطينية في صلب مشروعها السياسي.
وقد عبّر كتابه الخميني الحل الإسلامي والبديل الذي صدر عام 1979 عن جانبٍ من انشغاله بأسئلة النهضة والتغيير فيما تناول في كتاباته اللاحقة مركزية فلسطين والمشروع الإسلامي المعاصر في محاولةٍ لصياغة إجاباتٍ عن أسئلة التحرر والهوية ودور الحركة الإسلامية في القضية الفلسطينية.
الشقاقي... عقلٌ يفكّر وروحٌ تنحاز إلى فلسطين
لم يكن سرّ حضور الشقاقي في الوجدان الفلسطيني مرتبطاً بموقعه القيادي وحده بل أيضاً بطبيعة الأسئلة التي حملها وبإصراره على أن فلسطين ينبغي ألا تكون هامشاً في أي مشروعٍ سياسي أو فكري يدّعي الانحياز إلى قضايا الأمة.
لقد أراد أن يخرج بالقضية الفلسطينية من دائرة الشعارات الموسمية إلى موقع القضية المركزية وأن يؤسس لوعيٍ يرى في الاحتلال أصل الصراع وفي وحدة الشعب الفلسطيني ضرورةً لمواجهة التحديات وفي مقاومة محاولات طمس الهوية الوطنية مسؤوليةً تتجاوز حدود التنظيمات والأطر السياسية.
وكان انحيازه إلى فلسطين يتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة إذ تُظهر سيرته اهتماماً بالحوار مع تياراتٍ واتجاهاتٍ مختلفة وبالسعي إلى بناء مساحاتٍ مشتركة بين القوى الفلسطينية التي تلتقي على رفض الاحتلال والتمسك بالحقوق الوطنية كما ارتبط اسمه بمحاولات التنسيق بين قوى فلسطينية معارضة لاتفاق أوسلو في تسعينيات القرن الماضي.
ولعلّ إحدى أبرز سمات تجربته أنه لم يتعامل مع الفكر بوصفه بديلاً عن الفعل ولا مع الفعل بوصفه بديلاً عن الوعي فقد أراد للحركة التي أسسها أن تمتلك رؤيةً سياسية وفكرية وأن تكون قادرةً على قراءة التحولات التي تمر بها القضية الفلسطينية وعلى مواجهة محاولات فرض التسويات التي لا تستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني وحقوقه.
ومن هنا فإن قراءة تجربة الشقاقي لا تكتمل باستعادة مواقفه السياسية وحدها بل تقتضي أيضاً الوقوف عند إيمانه بأهمية الوعي ودور المثقف الملتزم بقضيته وقدرة الفكرة على الانتقال من عقل الفرد إلى وجدان الجماعة.
من التأسيس إلى المواجهة... ولادة مسارٍ جديد
في أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات تبلورت النواة التي أفضت إلى تأسيس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في سياقٍ فلسطيني وعربي وإسلامي شديد التعقيد وقد سعى الشقاقي ورفاقه إلى تقديم صيغةٍ تجمع المرجعية الإسلامية والهوية الوطنية الفلسطينية وتضع مواجهة الاحتلال في صدارة الأولويات.
لم تكن الطريق سهلة فقد تعرّض الشقاقي للاعتقال في مصر ثم للاعتقال الإسرائيلي أكثر من مرة بعد عودته إلى فلسطين قبل أن تُبعده سلطات الاحتلال إلى لبنان في الأول من آب عام 1988 لينتقل لاحقاً إلى دمشق حيث واصل عمله السياسي والتنظيمي.
كانت تلك السنوات اختباراً قاسياً لرجلٍ تنقّل بين السجون والمنافي لكنه ظلّ مرتبطاً بفلسطين حاملاً همّها في تنقلاته واتصالاته وكتاباته ولم يكن المنفى بالنسبة إليه انفصالاً عن الوطن بل واقعاً فرضته الملاحقة فيما بقيت فلسطين حاضرةً في صلب نشاطه وتفكيره.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 دخلت الحركة مرحلةً جديدة من تاريخها في ظل اتساع المواجهة مع الاحتلال وتنامي الحضور الشعبي الفلسطيني وأخذت الحركة تعمل على ترسيخ حضورها التنظيمي والسياسي في بيئةٍ اتسمت بالملاحقة الأمنية والاعتقالات والتضحيات المتواصلة..
لقد كانت تلك المرحلة تأسيساً لمسارٍ لم يتوقف عند شخص المؤسس، بل امتد إلى بناء كوادر وقيادات وأطرٍ تنظيمية حملت مسؤولية مواصلة العمل بعد غيابه وهنا تكمن إحدى أهم محطات تجربة الشقاقي: في انتقال المشروع من المبادرة الفردية إلى مسارٍ تنظيمي أصبح له حضوره في المشهد الفلسطيني.
مالطا... حين امتدّت يد الاغتيال إلى صاحب الفكرة
في السادس والعشرين من تشرين الأول عام 1995 امتدت يد الاغتيال إلى فتحي الشقاقي في مدينة سليما بجزيرة مالطا حيث قُتل بالرصاص الغادر، في عملية نُسب تنفيذها إلى جهاز الموساد "الإسرائيلي"، وكان في الرابعة والأربعين من عمره في ذروة انشغاله بالقضية التي كرّس لها حياته. كان المكان بعيداً عن فلسطين، لكن الجريمة أعادت إلى الواجهة حقيقة أن المنفى لم يكن ضمانةً للنجاة وأن القادة الفلسطينيين ظلوا عرضةً للملاحقة خارج حدود وطنهم أيضاً.
لم يكن اغتيال الشقاقي مجرد خسارةٍ لقائدٍ فلسطيني بل شكّل ضربةً قاسية لحركةٍ فقدت مؤسسها وأمينها العام ولتيارٍ كان في طور بناء تجربته وتوسيع حضوره وقد بدا المشهد في لحظته الأولى كأن رصاصات الاغتيال تستهدف أكثر من رجل كأنها تستهدف مساراً سياسياً وفكرياً بكامله.
لكن التاريخ لا يُقرأ بلحظة الجريمة وحدها فاغتيال القادة قد يترك فراغاً في القيادة وقد يربك المؤسسات ويختبر قدرتها على الاستمرار لكنه لا يمحو بالضرورة الأفكار التي نشأت في ظروفٍ تاريخية واجتماعية وسياسية أعمق من أصحابها.
وهكذا تحوّل استشهاد الشقاقي إلى محطةٍ فاصلة في تاريخ الحركة وارتبط اسمه في ذاكرتها بمعاني التأسيس والتضحية والتمسك بالقضية، فيما بقي السؤال الذي تركه رحيله قائماً: كيف يمكن لحركةٍ أن تحافظ على هويتها ومشروعها بعد غياب الرجل الذي وضع اللبنات الأولى في بنائها؟
بعد الشهادة... حركةٌ تواجه امتحان الاستمرار
لم تتوقف حركة الجهاد الإسلامي عند استشهاد مؤسسها، فقد تولّى الدكتور رمضان شلح الأمانة العامة عام 1995 واستمر في قيادة الحركة حتى خلفه زياد النخالة عام 2018 بعد وفاة د. شلح وشهدت هذه المراحل استمرار الحضور السياسي والتنظيمي للحركة وتطور أطرها وتعاظم حضور جناحها العسكري في المواجهة مع "إسرائيل" وسط تحولاتٍ متلاحقة في الساحة الفلسطينية والإقليمية.
لقد كان استمرار الحركة بعد غياب الشقاقي أحد أبرز الاختبارات العملية لقدرتها على تجاوز صدمة الاغتيال فالتنظيمات لا تُقاس فقط بقدرة مؤسسيها على إطلاقها بل أيضاً بقدرتها على إدارة التحولات وتداول المسؤوليات والحفاظ على تماسكها في مواجهة الضغوط.
وفي مسار الحركة اللاحق بقيت العلاقة بين الفكر والسياسة والعمل الميداني وموقعها في المعادلة الفلسطينية وطبيعة علاقاتها بالقوى الأخرى من القضايا التي طبعت تجربتها كما واجهت شأنها شأن القوى الفلسطينية الأخرى تحدياتٍ تتصل بالتغيرات الإقليمية وبالواقع الفلسطيني الداخلي وبكلفة المواجهة المستمرة مع الاحتلال.
وليس من الإنصاف اختزال مسيرةٍ امتدت عقوداً في محطاتها العسكرية وحدها أو في قدرتها على الصمود التنظيمي فحسب فالتجربة السياسية لأي حركةٍ تظل بحاجةٍ إلى مراجعةٍ مستمرة وإلى قراءةٍ واعية لمتغيرات الواقع وإلى الحفاظ على الصلة بين تطلعات الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية وبين الوسائل والخيارات التي تُطرح لتحقيقها.
أما الإرث الذي تركه الشقاقي فيظل حاضراً في الأسئلة التي أثارها حول مركزية فلسطين واستقلال القرار الوطني ووحدة الصف ودور الفكر في صناعة التحولات وهي أسئلة لا تفقد أهميتها بمجرد مرور الزمن بل تتجدد كلما دخلت القضية الفلسطينية مرحلةً جديدة من الصراع والتحولات.
الشهادة ليست نهاية الحكاية
في ذكرى استشهاد د. فتحي الشقاقي نستعيد صورة الطبيب الذي خرج من مخيم رفح والمثقف الذي انشغل بأسئلة الفكر والهوية والقائد الذي أسهم في تأسيس حركةٍ فلسطينية حملت مشروعها في ظروفٍ بالغة الصعوبة والمنفي الذي ظلّت فلسطين حاضرةً في وجدانه حتى لحظة اغتياله.
نستعيده لا بوصفه رجلاً معصوماً من أسئلة التاريخ والنقد بل بوصفه شخصيةً تركت أثراً واضحاً في مسار الحركة الإسلامية الفلسطينية وأسهمت في تشكيل أحد اتجاهات العمل السياسي الفلسطيني المعاصر.
إن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكتمل بمجرد رفع صورهم أو ترديد أسمائهم بل يحتاج إلى صون الذاكرة وفهم التجربة واستخلاص الدروس وإبقاء القضية التي استشهدوا من أجلها حاضرةً في الوعي والعمل العام.. كما أن الوفاء لفلسطين يقتضي التمسك بحقوق شعبها وحماية وحدته الوطنية وصون كرامة أبنائه وعدم السماح بتحويل آلامه وتضحياتها إلى مادةٍ للنسيان أو التوظيف العابر.
لقد رحل فتحي الشقاقي في مالطا لكن حكايته بقيت مرتبطةً بمخيم رفح وبالقدس وغزة والضفة الغربية وبالمخيمات الفلسطينية في الشتات وبكل مكانٍ يحمل فيه الفلسطيني ذاكرة وطنه وحقه في العودة.
وبعد واحدٍ وثلاثين عاماً على استشهاده لا تزال سيرته تفتح باباً للتأمل في معنى القيادة والتضحية وفي قدرة الأفكار على الاستمرار وفي مسؤولية الأجيال الجديدة عن مستقبل القضية الفلسطينية.
سلامٌ على د. فتحي الشقاقي يوم حمل فلسطين فكرةً وموقفاً وسلامٌ على ذكراه يوم صار اسمه جزءاً من الذاكرة الفلسطينية.
سلامٌ على كل من جعل من حق الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة والكرامة قضيةً لا تُنسى ومسؤوليةً لا تسقط بمرور الزمن.
فالشهداء لا يعودون إلى الحياة رغم انهم احياء عند ربهم .. لكن أثرهم يبقى حاضراً في تاريخ الشعوب وفي الأسئلة التي يتركونها للأجيال وفي مقدار ما تستطيع تلك الأجيال أن تحوّله من الذاكرة إلى وعي ومن التضحيات إلى مسؤولية ومن الحلم الوطني إلى عملٍ سياسي يحفظ حقوق الشعب الفلسطيني ويصون مستقبله.
*باحث وكاتب سياسي – فلسطين
الاثنين 26 تشرين الاول 2026