☰
✕

قائمة الموقع

تقرير الأونروا والأرقام الصادمة: عجز عن التمويل أم قرار سياسي بإضعافها؟

2026-10-22T00:49:00+03:00
محمود الحنفي*

لم تعد الأزمة التي تواجهها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مجرد مشكلة مالية يمكن معالجتها بمساهمة إضافية من دولة مانحة أو بإجراءات تقشفية مؤقتة. فالأرقام المعلنة خلال عامي 2025 و2026، إلى جانب التوجهات الجديدة المتعلقة بإعادة إعمار قطاع غزة، تكشف أزمة تتداخل فيها اعتبارات التمويل والثقة السياسية ومستقبل المؤسسات الدولية العاملة مع اللاجئين الفلسطينيين. والسؤال الذي يستحق البحث اليوم ليس فقط كيف ستتمكن الأونروا من دفع رواتب موظفيها، بل ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على الحفاظ على مؤسسة أنشأها قبل نحو 77 عاماً، من دون أن تتحول الأزمة المالية إلى وسيلة لإضعاف دورها أو تقليص خدماتها.

الأرقام تتحدث: فجوة بمليارات الدولارات

تكشف البيانات المالية الرسمية حجم المشكلة. ففي عام 2025، بلغت احتياجات الأونروا نحو 3.3 مليارات دولار، بينما لم تتجاوز المساهمات التي تلقتها فعلياً 829 مليون دولار، بما فيها 76 مليون دولار من الميزانية العادية للأمم المتحدة. وبحسب ما أعلنته الوكالة في مؤتمر التعهدات لعام 2026، لم تغطِّ هذه الموارد سوى نحو 27 في المئة من احتياجاتها. وهذا يعني وجود فجوة واسعة بين الاحتياجات المعلنة والتمويل المتاح، مع ضرورة التمييز بين احتياجات البرامج الأساسية والطوارئ والعجز النقدي الفوري. وهذه ليست مجرد أرقام محاسبية، بل مؤشرات إلى اتساع المسافة بين الالتزامات الإنسانية المعلنة والقدرة الفعلية على تنفيذها.

من يمول الأونروا؟ هشاشة الاعتماد على المانحين

فجوة واسعة بين الاحتياجات المعلنة والتمويل المتاح، مع ضرورة التمييز بين احتياجات البرامج الأساسية والطوارئ والعجز النقدي الفوري. وهذه ليست مجرد أرقام محاسبية، بل مؤشرات إلى اتساع المسافة بين الالتزامات الإنسانية المعلنة والقدرة الفعلية على تنفيذها تكمن إحدى المشكلات البنيوية في اعتماد الأونروا على التمويل الطوعي، رغم أن ولايتها صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. ففي عام 2025، لم تمثل مساهمة الميزانية العادية للأمم المتحدة، البالغة 76 مليون دولار، سوى نحو 9.2 في المئة من إجمالي المساهمات المستلمة البالغة 829 مليون دولار. وهذا يعني أن معظم الموارد تأتي من مساهمات إضافية تقررها الحكومات والجهات المانحة وفق موازناتها وأولوياتها، وبذلك تصبح استمرارية التعليم والصحة والإغاثة معرضة للتأثر بتغير السياسات المالية والخارجية للدول، حتى عندما تبقى احتياجات اللاجئين ثابتة أو تتزايد.

الموازنة الأساسية والطوارئ: أين تكمن المشكلة؟

توضح وثائق الأمم المتحدة أن ميزانية البرامج الأساسية المطلوبة للأونروا لعام 2025 بلغت نحو 880 مليون دولار، بينما بلغت احتياجات الاستجابة الإنسانية الطارئة 2.164 مليار دولار، منها 1.7 مليار دولار للأرض الفلسطينية المحتلة و464 مليون دولار للأردن ولبنان وسوريا. وتكشف هذه الأرقام عن حقيقة مهمة ومقلقة، وهي أنه ليست كل المساهمات قابلة للتحويل تلقائياً من برنامج إلى آخر، فالأموال المخصصة للطوارئ لا تعالج بالضرورة النقص في رواتب المعلمين والأطباء والموظفين أو تكاليف تشغيل المدارس والمراكز الصحية.

تقدم مساهمات عام 2023 صورة واضحة عن حجم الاعتماد على عدد محدود من المانحين. فبحسب جدول الأونروا الرسمي لأكبر عشرين مانحاً، بلغت التعهدات المؤكدة للولايات المتحدة نحو 422 مليون دولار، ولألمانيا 212.9 مليون دولار، وللاتحاد الأوروبي 120.2 مليون دولار، ولفرنسا 62.4 مليون دولار، وللنرويج 45.7 مليون دولار، ولبريطانيا 36.9 مليون دولار، ولإسبانيا 30.7 مليون دولار. وفي المقابل، بلغت مساهمة السعودية نحو 17 مليون دولار والإمارات 15 مليون دولار، وفق التصنيف ذاته.

ومن أصل إجمالي تعهدات بلغ نحو 1.286 مليار دولار، شكلت الولايات المتحدة وحدها نحو 32.8 في المئة، وألمانيا 16.6 في المئة، والاتحاد الأوروبي 9.3 في المئة، أي أن الجهات الثلاث استحوذت مجتمعة على نحو 58.7 في المئة من التعهدات المسجلة. وهذه النسب لا تعني أن بقية الدول لم تقدم مساهمات، لكنها تكشف حجم التأثير الذي يمكن أن يتركه توقف مانح رئيسي أو تخفيض مساهمته. كما ينبغي التمييز بين التعهدات المسجلة والمبالغ المصروفة فعلاً عند مقارنة السنوات المختلفة.

وقد برز أثر هذا الاعتماد مع توقف التمويل الأمريكي، الذي كان يمثل تاريخياً أحد أعمدة موازنة الوكالة. وأشار المفوض العام للأونروا في حزيران/يونيو 2025 إلى فقدان تمويل مانحين رئيسيين، هما الولايات المتحدة والسويد، محذراً من أن التمويل المتوقع لم يعد كافياً لتغطية العجز المرحّل. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: عندما تعتمد مؤسسة دولية على عدد محدود من الممولين، فإن قراراً سياسياً أو مالياً تتخذه دولة واحدة قد ينعكس على حياة ملايين الأشخاص.

أوروبا بين استمرار الدعم وعدم كفاية الموارد

رغم الضغوط، استمرت دول أوروبية في تقديم مساهمات مهمة. ففي مؤتمر التعهدات المنعقد في حزيران/يونيو 2026، أعلنت إسبانيا أنها كانت رابع أكبر مساهم في عام 2025، بأكثر من 38 مليون دولار، وأنها صرفت 9 ملايين دولار خلال عام 2026 حتى موعد المؤتمر. كما أكدت تقديم أكثر من 60 مليون يورو منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وأعلنت لوكسمبورغ التزامها بتقديم ما لا يقل عن 10 ملايين يورو سنوياً خلال الفترة 2025–2027، بعدما بلغت مساهمتها 13.5 مليون يورو في عام 2025. وفي حزيران/يونيو 2026، أعلنت بريطانيا تخصيص 23 مليون جنيه إسترليني لدعم الأونروا خلال سنتها المالية 2026–2027.

هذه المساهمات تؤكد أن الحديث عن تخلي جميع الدول الغربية عن الأونروا ليس دقيقاً، لكن استمرار بعض المانحين لا يعوض بالضرورة خسارة المساهمات الكبرى، ولا يضمن استقرار التمويل في السنوات المقبلة. كما أن المطلوب من الدول العربية ليس الاكتفاء بالمواقف السياسية الداعمة، بل تعزيز مساهماتها المنتظمة والقابلة للتنبؤ، مع مراعاة قدرات كل دولة وأعبائها الاقتصادية.

الموظفون يدفعون الثمن: من خفض الرواتب إلى خطر التسريح

انعكس العجز مباشرة على الموظفين والخدمات. ففي كانون الثاني/يناير 2026، اضطرت الأونروا إلى خفض ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20 في المئة، مع تخفيض مماثل في رواتب عدد كبير من موظفيها الفلسطينيين. وأعلنت الوكالة أنها تواجه عجزاً في التدفقات النقدية يبلغ نحو 100 مليون دولار خلال عام 2026، رغم إجراءات تقشف وضبط تكاليف بلغت 175 مليون دولار خلال عام 2025. وفي حزيران/يونيو 2026، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من اقتراب الوكالة من نقطة الانهيار، ودعا الدول إلى سد الفجوة المالية.

وهنا لا يجوز اختزال المسألة في خلاف نقابي بين الإدارة والعاملين؛ فتخفيض ساعات عمل المعلم يعني تقليص الوقت التعليمي، وخفض ساعات عمل الطاقم الطبي يعني زيادة الضغط على الخدمات الصحية، بينما يؤدي تسريح الموظفين إلى إضعاف القدرة التشغيلية التي استغرق بناؤها عقوداً.

إنذار اتحادات العاملين: الأزمة تقترب من نقطة حرجة

وفي مؤشر جديد على خطورة الأزمة، حذّر المؤتمر العام لاتحادات العاملين في الأونروا، في بيان صدر خلال تشرين الأول/أكتوبر 2026، من تداعيات التوجه نحو تسريح موظفين إذا لم يتوافر التمويل اللازم خلال أسبوعين، وفق ما نقله المؤتمر عن إدارة الوكالة. وأشار البيان إلى أن العاملين يتحملون تخفيضاً بنسبة 20 في المئة من رواتبهم للشهر التاسع على التوالي، معتبراً أن تحميلهم مزيداً من أعباء العجز المالي يهدد الاستقرار المعيشي لآلاف الأسر، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على الخدمات الأساسية المقدمة للاجئين.

وأعلن المؤتمر تنظيم وقفة احتجاجية موحدة يوم 22 تشرين الأول/أكتوبر في مناطق عمليات الوكالة الخمس ورئاستيها في عمّان وغزة. وتكمن أهمية هذا التحذير في أنه لم يعد يتعلق بالمطالبة بتحسين شروط العمل، بل بالخوف من فقدان الوظائف وتراجع قدرة الوكالة على أداء مهامها.

وإذا كانت الأزمة المالية قد بدأت بتخفيض ساعات العمل والرواتب، فإن الانتقال إلى تسريح الموظفين قد يمثل مرحلة أشد خطورة، لأن خسارة الكوادر البشرية تعني إضعاف القدرة المؤسسية التي تقوم عليها خدمات الأونروا، وقد يصعب تعويضها حتى لو تحسن التمويل لاحقاً.

غزة بين إعادة الإعمار واستبعاد الأونروا

وفي قطاع غزة، يصعب تصور إعادة الإعمار بمعزل عن الأونروا، التي تمتلك نحو 11 ألف موظف فلسطيني وشبكة واسعة من الخدمات الصحية والتعليمية والإغاثية. وفي أيلول/سبتمبر 2026، طُرحت خطة مرتبطة بمجلس السلام بقيمة 2.45 مليار دولار، تشمل 66 مشروعاً لإعادة تأهيل القطاع، وهي لا تزال في إطار المقترحات. والمفارقة أن المجلس يشكك في أهلية الأونروا للمشاركة استناداً إلى معايير تتعلق بالثقة، رغم خبرتها الطويلة وحضورها الميداني الواسع. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن التخطيط لإعادة إعمار غزة مع تهميش إحدى أكبر المؤسسات العاملة فيها؟ ومن يحدد معايير الثقة، وعلى أي أساس قانوني وموضوعي؟

الحيادية وفقدان الثقة: حين يصبح الموظف ضحية الأزمة

تبدو الأونروا وكأنها تعيش أزمة ثقة بنفسها، إذ تتوسع في التحقيقات والإجراءات الرقابية على نحو يثير الخوف ويضعف الشعور بالأمان الوظيفي لدى موظفيها، تحت عنوان حماية الحيادية وضمان استمرار التمويل. والمفارقة أن مراجعة كولونا المستقلة عام 2024 أكدت امتلاك الوكالة منظومة متقدمة نسبياً لضمان الحيادية، ولم تجد أدلة تدعم بعض الاتهامات الإسرائيلية الواسعة بحق موظفيها. ومع ذلك، لم تشفع للوكالة هذه المراجعة ولا إجراءاتها المتواصلة في تغيير الموقف الأمريكي وبعض المواقف الغربية المتشككة في أهليتها ودورها، وهو ما يعزز الاستنتاج بأن الأزمة تتجاوز مسألة الحيادية إلى اعتبارات سياسية تتعلق بمستقبل الوكالة. والأخطر أن تنعكس هذه الضغوط على موظفيها، فتتحول الحيادية من مبدأ مهني إلى مصدر للخوف وانعدام الأمان الوظيفي، وكأن الوكالة تحاول استرضاء أطراف لا تبدو مستعدة للرضا عنها مهما اتخذت من إجراءات. وهنا يبرز السؤال: إلى متى سيدفع الموظفون ثمن أزمة سياسية لا يملكون قرارها ولا القدرة على حلها؟

برنامج الأغذية العالمي: نصف مليون فلسطيني خارج المساعدات

ولعل التطور الأكثر دلالة جاء من مؤسسة أممية أخرى. ففي 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي اضطراره إلى تخفيض مساعداته الغذائية في غزة بنحو الثلث نتيجة نقص التمويل. وانخفض عدد المستفيدين شهرياً من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، أي فقدان نصف مليون فلسطيني للمساعدات. كما خُفضت الحصص الغذائية إلى النصف، وتراجع عدد الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة، فيما أعلن البرنامج حاجته إلى 450 مليون دولار لاستمرار عملياته في غزة والضفة الغربية خلال الأشهر الستة التالية.

والأكثر إثارة للقلق أن البرنامج قدّر وجود 1.4 مليون شخص في غزة، أي نحو 67 في المئة من السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مستوى الأزمة أو أسوأ، بينهم نحو 200 ألف شخص في ظروف طارئة أشد خطورة. كما أفاد بأن طفلاً واحداً فقط من كل خمسة أطفال يحصل على غذاء متنوع بما يكفي، وأن البطالة تتجاوز 80 في المئة في القطاع.

هل يستقيم قانوناً وأخلاقاً أن يُترك ملايين اللاجئين تحت وطأة الحرمان وتقليص الخدمات، بينما تتراجع المسؤولية الدولية تجاههم، وتبقى قضيتهم دون حل عادل؟

إن تزامن أزمة الأونروا مع تقليص مساعدات برنامج الأغذية العالمي يكشف مشكلة أوسع من عجز مؤسسة واحدة. فحين تصبح خدمات التعليم والصحة والغذاء عرضة للتراجع المتزامن، فإن منظومة الحماية الإنسانية نفسها تصبح أكثر هشاشة. وليس لدينا دليل كافٍ للقول إن هذه التخفيضات تنفذ ضمن خطة سياسية موحدة، لكن من المشروع التساؤل عما إذا كان استمرار الاعتماد على التمويل الطوعي قد جعل الحقوق الأساسية للفلسطينيين رهينة لتغير الأولويات السياسية والمالية للمانحين.

مستقبل الأونروا: بين العجز المالي والمسؤولية الدولية

إن استبعاد الأونروا من ترتيبات إعادة إعمار غزة لا يمنح مجلس السلام سلطة تعديل ولايتها أو إنهائها، فهي مؤسسة أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، وترتبط استمراريتها بمسؤولية دولية تجاه ملايين اللاجئين الفلسطينيين. غير أن العجز المالي الهائل الذي تعانيه الوكالة قد يؤدي عملياً إلى نتائج مشابهة لما ذهب إليه مجلس السلام بشأن تهميش دورها، إذ إن تقليص التمويل والخدمات وإضعاف قدراتها التشغيلية قد يفضي تدريجياً إلى تعطيل وظائفها، حتى دون اتخاذ قرار رسمي بإنهائها.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس البحث عن بدائل للأونروا، بل ضمان تمويلها المستدام وحماية موظفيها وخدماتها.

والأخطر أن هذه التطورات تثير سؤالاً يتجاوز مستقبل المؤسسة إلى مستقبل اللاجئين أنفسهم وحقهم في العودة إلى مدنهم وقراهم التي هُجّروا منها:

هل يستقيم قانوناً وأخلاقاً أن يُترك ملايين اللاجئين تحت وطأة الحرمان وتقليص الخدمات، بينما تتراجع المسؤولية الدولية تجاههم، وتبقى قضيتهم دون حل عادل؟ إن تراجع الأونروا لا يُسقط حق العودة، لكنه يهدد إحدى أبرز المؤسسات الدولية المرتبطة باستمرار قضية اللاجئين وحضورها على جدول أعمال المجتمع الدولي.

المصدر: عربي 21

21-10-2026

اخبار ذات صلة