في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، تحل الذكرى التاسعة والثلاثين لانطلاقة "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، وهي مناسبة لا تستحضر تاريخ الحركة ومحطاتها فحسب، بل تفتح أيضاً باباً للتأمل في تجربتها، ودورها الجماهيري والسياسي والمقاوم، وما راكمته خلال ما يقارب أربعة عقود، من حضور في قلب القضية الفلسطينية.
مع التأكيد ان بزوغ نجم حركة الجهاد الاسلامي وجذورها الفكرية والتنظيمية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي. فيما تبلورت نواتها في أوائل الثمانينيات، ثم ارتبط اسمها بصورة واضحة بالتحولات التي شهدتها الساحة الفلسطينية قبيل الانتفاضة الأولى وفي أثنائها كما توثق الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. أن الحركة وسّعت حضورها في غزة والضفة الغربية ومخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان مع اندلاع الانتفاضة.
الحضور الجماهيري.. المقاومة قبل السلطة
إن الدور الجماهيري لحركة الجهاد الإسلامي لا يمكن اختزاله في صناديق الاقتراع أو حجم التمثيل في المؤسسات الرسمية. فالحركة اختارت _منذ تأسيسها_ أن تجعل جوهر حضورها قائماً على المقاومة والالتصاق بقضية الشعب الفلسطيني، وحقوقه الوطنية.
ومنذ انطلاقتها الاساسية او الجهادية، سعت الحركة إلى بناء حضورها في الأوساط الشعبية ولا سيما في الجامعات والمخيمات والأحياء والقطاعات الشبابية. وكان لها حضور في محطات الانتفاضة الأولى، وانتفاضة الأقصى، ومختلف مراحل المواجهة مع الاحتلال. وهنا تكمن خصوصية التجربة. فالحضور الجماهيري لم يُبنَ على السلطة أو الامتيازات أو المشاركة في مؤسسات الحكم، وإنما على فكرة المقاومة والالتزام بالقضية والتفاعل مع قضايا الناس وهمومهم الوطنية والاجتماعية.
كما أن هذا الحضور لم يقتصر على قطاع غزة رغم المكانة الخاصة التي يمثلها القطاع في تجربة الحركة، بل امتد إلى الضفة الغربية والقدس ومخيمات اللاجئين والشتات، مع تفاوت طبيعي في مستوى الحضور من منطقة إلى أخرى. وكان من الطبيعي ان يتوسع حضور الحركة في الضفة ومخيمات الشتات خلال الانتفاضة الأولى، وإلى تعرض كوادرها وقادتها للاعتقال والاغتيال والنفي.
ومن نافل القول التأكيد على ان الحركة كانت صاحبة البيان الاول والسكين والحجر والطلقة الاولى في الانتفاضة. وكان هروب أسرى الجهاد الإسلامي من سجن غزة المركزي من أبرز العوامل التي ساهمت في تصاعد المقاومة المسلحة قبيل الانتفاضة الأولى. وبالتأكيد لا ندعي أن الجهاد الإسلامي تمثل كل الشعب الفلسطيني. فالساحة الفلسطينية متعددة القوى والاتجاهات. لكن ما يمكن قوله إن الحركة حافظت رغم الاستهداف والملاحقة والحصار، على حضور سياسي وجماهيري ومقاوم بشكل متواصل. وحجزت لنفسها موقعاً في الوعي الفلسطيني، ولا سيما لدى القطاعات التي ترى في المقاومة خياراً أساسياً في مواجهة الاحتلال.
الحركة والناس والمقاومة مسؤولية وليست شعاراً
منذ تأسيسها حرصت حركة الجهاد الإسلامي على أن تكون قريبة من الناس وأن تنصهر في همومهم ومعاناتهم قدر الإمكانات المتاحة. فلم تفصل بين مشروع المقاومة وبين المسؤولية الوطنية والاجتماعية تجاه الشعب الفلسطيني. وقد ظهر ذلك في المحطات الكبرى التي مر بها شعبنا من الانتفاضات والحصار إلى الحروب والعدوان. بحيث سعت الحركة إلى تحمل مسؤوليتها والبقاء إلى جانب الناس في الميدان، وفي مواجهة الاحتلال، ومساندة أبناء شعبنا، وتعزيز قدراتهم على الصمود.
وهذا هو المعنى الحقيقي للانتماء الشعبي: أن تكون الحركة حاضرة عندما يشتد الخطر وأن تتحمل مع شعبها كلفة الموقف، لا أن تكون علاقتها بالجماهير مرتبطة فقط بالمناسبات أو الخطابات.
السياسة في خدمة الصمود والثوابت
لم تكن التوجهات السياسية للحركة منفصلة عن الواقع الفلسطيني ومتغيراته. فقد حرصت على التعامل مع التحولات السياسية بما يحفظ الثوابت الوطنية ويخفف من معاناة الشعب الفلسطيني، ويعزز قدرته على الصمود. ومن هنا جاء انخراطها في الحوارات والجهود الوطنية ودعمها للمسارات التي يمكن أن تسهم في وقف العدوان ورفع الحصار وإيصال المساعدات وحماية الحقوق الفلسطينية.
لكن في الوقت نفسه بقيت هناك قاعدة أساسية: أن التحرك السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تنازل عن الحقوق والثوابت وأن السياسة يجب أن تكون أداة لحماية القضية وتعزيز صمود أصحابها لا وسيلة لتفريغ القضية من مضمونها.
طوفان الأقصى محطة مفصلية
وفي معركة طوفان الأقصى كان لحركة الجهاد الإسلامي حضورا واضحا من خلال جناحها العسكري، "سرايا القدس" التي شاركت في المواجهة إلى جانب فصائل المقاومة الفلسطينية وقدمت خلال هذه المواجهات تضحيات كبيرة من خيرة قادتها ومقاتليها، وخاضت معاركها انطلاقاً من رؤيتها بأن المواجهة مع الاحتلال هي جزء من مسار طويل من الصراع حول الأرض والحقوق الفلسطينية.
وفي موازاة ذلك لم تغب قضية الأسرى عن أولويات الحركة باعتبارهم جزءاً أصيلاً من القضية الفلسطينية. وركزت من خلال مؤسساتها الاعلامية والمؤسسات ذات الشآن التي تتابع اوضاع الاسرى، الاجرام الصهيوني المتصاعد بحقهم، مما دفع هيئات أممية في تقاريرها الى توثيق تدهور أوضاع الفلسطينيين المحتجزين منذ 7 تشرين الأول 2023 بما في ذلك مستوى التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية.
كما وثقت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة وفاة عشرات الفلسطينيين في الحجز خلال الفترة المذكورة، مع ورود مؤشرات على سوء معاملة وحرمان من الرعاية الطبية، وسوء تغذية في كثير من الحالات.
ومن هنا فإن قضية الأسرى ليست قضية فصيل أو فئة محددة بل قضية وطنية وإنسانية وصمود الأسير داخل السجن هو امتداد لصمود الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس وكل أماكن وجوده ولذلك تبقى مسؤولية العمل السياسي والقانوني والشعبي لحمايتهم وإنهاء معاناتهم وضمان حقوقهم مسؤولية فلسطينية عامة.
ماذا عن مستقبل الجهاد الإسلامي؟
إن مستقبل حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، يرتبط بقدرتها على الحفاظ على ثوابتها، وفي الوقت نفسه تطوير أدواتها السياسية والجماهيرية بما يتناسب مع المتغيرات الفلسطينية والإقليمية والدولية.
فنحن أمام مرحلة جديدة فرضتها حرب غزة وتداعياتها بما تحمله من تحديات تتعلق بالمقاومة، وإعادة الإعمار، والوضع الإنساني، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبل العلاقات بين القوى والفصائل الفلسطينية.. وفي هذه المرحلة سيكون مطلوباً من الحركة الحفاظ على حضورها الوطني وتعزيز علاقاتها مع مختلف القوى الفلسطينية والمساهمة في أي جهد جاد لإعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس الشراكة والتوافق بعيداً عن الإقصاء والاستئثار.
وأعتقد أن قوة الحركة في المرحلة المقبلة ستبقى مرتبطة بمدى التصاقها بشعبها والدفاع عن حقوقه وتحمل مسؤولياتها الوطنية، إلى جانب تطوير حضورها السياسي والجماهيري.
لقد أثبتت الحركة خلال عقود، قدرتها على الاستمرار رغم الاغتيالات والاعتقالات والحروب والاستهداف، وهو ما يفسر استمرار حضورها في المشهد الفلسطيني. لكن الاستمرار وحده لا يكفي فكل مرحلة تفرض أسئلتها وأدواتها، والمطلوب هو تحويل تراكم التجربة إلى قدرة أكبر على خدمة الشعب الفلسطيني وحماية قضيته وتعزيز وحدته.
39 عاماً والمسؤولية مستمرة
في الذكرى التاسعة والثلاثين لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا أنجزت حركة الجهاد الإسلامي خلال 39 عاماً؟ بل أيضاً: ماذا تريد أن تقدم في المرحلة المقبلة؟ فالقضية الفلسطينية تقف أمام تحديات غير مسبوقة والشعب الفلسطيني يحتاج إلى كل طاقاته وقواه، وإلى إعادة الاعتبار للوحدة والشراكة، وإلى استراتيجية وطنية تجمع بين المقاومة والعمل السياسي والشعبي والقانوني والإعلامي.
و من هنا فإن الذكرى ليست مجرد محطة لاستعادة الماضي وإنما مناسبة لتجديد المسؤولية تجاه المستقبل..
تفحركة الجهاد الإسلامي كما أراها، تستمد قوتها الأساسية من ثلاثة دوائر متلازمة: ثباتها على القضية والتصاقها بشعبها وقدرتها على تطوير أدواتها، بما يخدم أهداف الشعب الفلسطيني وحقوقه.
وبقدر ما تستطيع الحركة أن تحافظ على هذه المعادلة، وأن تجمع بين الثبات والتجدد وبين المقاومة والمسؤولية الوطنية، وبين خصوصيتها التنظيمية والعمل الفلسطيني المشترك، فإنها تستطيع مواصلة حضورها في مسيرة الشعب الفلسطيني ضمن مشهد يتغير باستمرار فيما تبقى القضية وحقوق الشعب الفلسطيني هي البوصلة.
*باحث وكاتب سياسي فلسطين
الاحد 4 تشرين الاول 2026