وكالة القدس للأنباء - متابعة
كسرت أصوات المستغيثين من تحت أنقاض «عمارة السعادة» غربي مدينة غزة سكونَ الليل، ليجد نحو 100 نازح كانوا اتّخذوا من تلك العمارة الآيلة إلى السقوط مأوىً لهم، أنفسهم، في لحظة واحدة، محاصَرين تحت أكوام هائلة من الركام. وفي تمام الساعة الثانية والنصف من بعد منتصف الليل، اندفع الأهالي إلى المكان لإنقاذ مَن يمكن بلوغه -قبل وصول طواقم الدفاع المدني والصليب الأحمر التي تأخّر قدومها أربع ساعات-، ليصابوا بالوجوم من هوْل ما شاهدوه: أطفالٌ تغطّي الحجارة نصف أجسادهم وتعلو أصواتهم بالبكاء، فيما يحفر الأهالي كتل الإسمنت بأيديهم لانتشالهم؛ وأمّهات يخرجن من تحت الركام والدماء تغطّي وجوههنّ، ثمّ يرفضن مغادرة المكان إلى المستشفى من دون رفقة أبنائهنّ الذين طحنتهم الكتل الخرسانية الثقيلة.
وبالتزامن مع تجمّع الأهالي في محيط المبنى المنهار بحثاً عن أقاربهم وذويهم، هرعت طواقم الدفاع المدني والإسعاف إلى المكان لمحاولة الوصول إلى العالقين تحت الأنقاض. ومِن بَعد انبلاج الصباح، تبدّى حجم الكارثة؛ فالبناية، التي انهارت على رؤوس أكثر من 15 عائلة كانت تسكنها، حوّلت المنطقة إلى كومة كبيرة من الركام والكتل الإسمنتية الثقيلة، علماً أن طوابقها السفلية كانت تضرّرت بفعل القصف الإسرائيلي، فيما بقيت تلك العليا معلّقة فوق ما تبقّى من بعض الأعمدة.
وبحسب المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني، محمود بصل، كان 101 شخص يقيمون في البناية المؤلّفة من ستّ طبقات، أربع منها مكتظة بالنازحين. وإذ أدّى الانهيار إلى استشهاد 21 من هؤلاء (11 طفلاً واثنان من المسنين) وإصابة 45 شخصاً، فقد تمكّن 35 آخرون من الخروج لحظة انهيار المبنى.
وفي حديثه إلى «الأخبار»، يروي أحد جيران البناية أن الانهيار سبقه صوت مرعب، ثمّ أعقبه صمتٌ قصير قبل أن يتعالى الصراخ في كلّ الأرجاء. يقول أبو حذيفة: «الناس طلعت من الخيام والبيوت المحيطة، معتقدة إنو حدث انفجار، قبل ما تكتشف بأن البناية انهارت كلياً. وبدأنا نلاحظ أيادي تمتدّ من بين الغبرة والعتمة، تطلب النجدة، وشَعر بنات صغيرات ظاهراً من بين الركام».
وكانت فِرق الدفاع المدني وبلدية غزة حذّرت السكان، في وقت سابق، من خطورة البقاء في العمارة، لكن التحذيرات لم تكن كافية أمام انعدام البدائل. «على الأقلّ فيه سقف يقي من شمس الصيف الحارقة، وجدار يسند عليه الظهر»، يقول الحاج منصور بكرون، أحد جيران البناية، في حديثه إلى «الأخبار».
ويضيف: «حتى الذين يسكنون الخيام من الجيران كانوا يحسدون من يسكن هذه البناية المتهالكة الآيلة إلى السقوط، لأنهم وجدوا لهم ظلّ سقف يقيهم لهيب الشمس. لا أحد يستطيع أن يلوم الأهالي على العيش تحت طبقات هذه البناية. تعالوا جرّبوا العيش في الخيمة وقت الظهيرة والصباح ساعة واحدة».
2000 بناية تسكنها آلاف الأسر
يبدو أنها تنتظر مصيراً مشابهاً لـ«عمارة السعادة»
وسبق أن دمّرت آلة الحرب الإسرائيلية، خلال ثلاث سنوات من حرب الإبادة المستمرة، أكثر من 90% من الكتلة العمرانية الصالحة للسكن في قطاع غزة، فيما اضطرّ نحو 1.2 مليون إنسان للعيش في الخيام في ظروف إنسانية قاهرة، خصوصاً أن تآكل الكتلة العمرانية تسبّب بارتفاع أجارات الشقق السكنية إلى خمسة أضعاف أسعارها قبل الحرب. وعليه، فإن العيش في البنايات التي لا تزال قائمة رغم تصدّعها وإمكانية سقوطها في أيّ لحظة، أضحى خياراً يلجأ إليه الأهالي الذين انعدمت الخيارات الأخرى بالنسبة إليهم.
ووفقاً لجهاز الدفاع المدني، فإن 2000 بناية سكنية مشابهة لحال «عمارة السعادة»، تسكنها آلاف الأسر، يبدو أنها تنتظر مصيراً مشابهاً في فصل الشتاء المرتقب، حينما يزيد امتصاص الحجارة والإسمنت لمياه الأمطار من وزنها، وتبدأ في الانهيار فجأة على رؤوس ساكنيها. ومن بين هذه المباني، بناية «برج فلسطين» (12 طابقاً) التي تتوسّط منطقة الجندي المجهول في حيّ الرمال المكتظّ وسط مدينة غزة، والتي كانت تعرّضت لأضرار بليغة في الطوابق السفلية نتيجة قصف إسرائيلي متكرّر لأعمدتها الأساسية -فيما بقيت طوابقها العليا معلّقة فوق أعمدة متضرّرة-، ولا تزال عائلات تقيم فيها، وسط مئات الخيام والمحلات التجارية المحيطة بها. والحال نفسه ينطبق على «برج شوا وحصري» في شارع الوحدة، الذي يتجاوز ارتفاعه عشرة طوابق، وتسكنه نحو 60 عائلة، يزيد عدد أفرادها على 150 نازحاً.
هكذا، تحوّلت الأبنية المتضررة إلى قنابل موقوتة في قلب مدينة غزة، فيما تعجز الجهات المتخصّصة عن إزالتها بسبب الحاجة إلى معدّات وإمكانات مالية كبيرة، وترفض عائلات لا تجد حتى خيمة في الشارع، مغادرتها.
وفي هذا السياق، طالب بصل، في مؤتمر صحافي، المجتمع الدولي بتوفير المعدّات اللازمة للوصول إلى المفقودين القابعين تحت أنقاض المبنى المنهار وانتشالهم، محذراً من وجود نحو ألفي بناية مهدَّدة بالانهيار في القطاع. وأشار إلى أن «عمارة السعادة» كانت متصدّعة نتيجة استهدافها خلال الأيام الأولى من العدوان الإسرائيلي، إلا أن انعدام البدائل الآمنة دفع النازحين إلى الإقامة فيها.
وفي حديثه إلى «الأخبار»، يقول بصل إن البناية انهارت عند الساعة 2:30 بعد منتصف الليل فوق رؤوس سكانها، مشيراً إلى أن طواقم الدفاع المدني تُواصل، إلى جانب طواقم «اللجنة المصرية» وبلدية غزة و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» (UNDP)، عمليات البحث والإنقاذ وانتشال الضحايا، رغم «الإمكانات شبه المعدومة». ويضيف أن برنامج انتشال جثامين الشهداء عُلّق مؤقتاً من أجل تخصيص الإمكانات المتاحة للتعامل مع الحدث المفاجئ، مبيّناً أن الحادثة هي الأكبر على هذا المستوى منذ بداية الحرب.
ومن جهته، حمّل المكتب الإعلامي الحكومي، في بيان، الاحتلال الإسرائيلي والمجتمع الدولي «المسؤولية الكاملة والمباشرة» عن الحادثة، مشيراً إلى وجود أكثر من 8500 مفقود تحت الأنقاض في مختلف محافظات القطاع، ينتظر ذووهم انتشالهم منذ ثلاث سنوات. وطالب المكتب كل دول العالم والمنظمات الأممية والدولية بالتدخل الفوري لرفع الحصار عن قطاع غزة، وإدخال آليات الإنقاذ ومعدات الدفاع المدني ومستلزماتها بشكل فوري إليه..
