سعيد محمد*
دخلت العلاقات البريطانية – "الإسرائيلية" نفق أزمة دبلوماسية حادّة، بعدما أعلنت حكومة أندي بورنهام «العمّالية» حزمة عقوبات تستهدف المستوطنات في الضفة الغربية المحتلّة وشبكات تمويلها، وردّت عليها حكومة بنيامين نتنياهو بإجراءات مضادّة.
وفي ما يمثّل تحوّلاً في الموقف البريطاني، أعلن وزير الخارجية، إد ميليباند، الذي اتّهم مجموعات من المستوطنين بممارسة «التطهير العرقي» في حق الفلسطينيين، أن بلاده تعدّ الاحتلال الإسرائيلي للضفة مخالفاً للقانون، وذلك بالاستناد إلى الرأي الاستشاري الصادر عن «محكمة العدل الدولية» لعام 2024، وهو ما يعني توفير أساس قانوني لمراجعة تعامُل المؤسسات البريطانية مع الأنشطة التي تدعم بقاء الاحتلال.
ولعلّ ممّا حفّز الإعلان البريطاني، بدء إسرائيل تنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني بين القدس الشرقية ومستوطنة «معاليه أدوميم»، والذي ترى لندن وشركاؤها أنه يهدّد التواصل الجغرافي الفلسطيني ويقوّض قابلية الدولة الفلسطينية المنشودة للحياة.
وسبق الانفجارَ الدبلوماسي، تهديدٌ إسرائيلي، في الأول من أيلول، على لسان وزير الخارجية جدعون ساعر، بالتحرّك ضدّ بريطانيا إذا ما أقدمت الأخيرة على اتّخاذ إجراءات مناهضة لإسرائيل. والتهديد هذا، عادت وذكّرت به السفارة الإسرائيلية في لندن عقب تعهّد ميليباند بإعادة صياغة السياسة البريطانية تجاه الاستيطان، قبل أن تترجمه حكومة نتنياهو عملياً بالإعلان عن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية - التي تتولّى تنسيق العلاقة مع الفلسطينيين في القدس والضفة وغزة -، وإبعاد ممثّلين بريطانيين عن «مركز التنسيق الدولي» الخاص بغزة في «كريات غات»، وإنهاء أنشطة تدريب بريطانية لقوات السلطة الفلسطينية، فضلاً عن حظر دخول شخصيات بريطانية، بينها نواب من اليسار من مثل جيريمي كوربن وديان أبوت وزارا سلطانة، إلى الأراضي المحتلّة.
وإذ تشتدّ حاجة الائتلاف الحاكم إلى تلك الإجراءات عشيّة انتخابات «الكنيست» المُقرَّرة في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، والتي تفرض عليه الدفاع عن سياساته الاستيطانية وتصوير الضغوط الخارجية باعتبارها استهدافاً لـ«سيادة الدولة» وتدخّلاً في الانتخابات، وصف ميليباند ردّ حكومة نتنياهو بأنه «مؤسف وضارّ»، مقرّاً بأن إغلاق القنصلية سيؤثّر سلباً على العلاقة بالسلطة الفلسطينية.
لكنه أكّد أن الحكومة درست الكلفة والفوائد قبل اتّخاذ قرارها، مشيراً إلى أن استمرار التوسّع والتهجير فرض التحرك لحماية فرصة التسوية. كما عبّر عن ثقته باستمرار العلاقات الأمنية والاستخباراتية المهمّة مع إسرائيل، في ما ينمّ عن رغبة لندن في حصر المواجهة ضمن حدود بعينها. والجدير ذكره، هنا أيضاً، أن قرار الحكومة يمنح الشركات وقتاً لإعادة ترتيب معاملاتها، وهو ما يفتح المجال أمام ضغط سياسي وقانوني للتأثير في النصوص النهائية والاستثناءات المحتملة وآليات مراقبة الامتثال للعقوبات.
يظلّ تأثير العقوبات المُعلَنة مرتبطاً بجدّية لندن في تنفيذها
وجاء التحرّك البريطاني بالتنسيق مع فرنسا وكندا، وذلك ضمن موقف مشترك تبنّته اثنتا عشرة دولة، هي، إلى جانب تلك المذكورة، الدنمارك وإسبانيا وفنلندا وإيرلندا وآيسلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد، التي تعهّدت باتخاذ إجراءات وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة سلع المستوطنات. ومن شأن التنسيق الأوروبي أن يمنح القرار البريطاني وزناً جماعياً، ويزيد الضغوط على إسرائيل، ولا سيما في حال اتّساع دائرة الأسواق والمؤسسات المالية المشمولة بالإجراءات العقابية، وتقدُّم الحكومات في عملية التنفيذ. وإذ تمثّل مُنتجات المستوطنات جزءاً محدوداً من الصادرات الإسرائيلية، بينما تستند مشاريع التوسّع إلى دعم حكومي ومؤسّسات مصرفية وضمانات مالية، يُطرح السؤال عن كيفية تنفيذ العقوبات على تمويل أعمال البناء في المستوطنات، إذ قد تضع الصياغة التنفيذية البنوك وشركات التأمين أمام مُفاضلة بين مصالحها البريطانية وانخراطها في المشاريع الاستيطانية، بحسب نطاق الجهات والخدمات التي ستشملها القرارات فعلياً، وهو ما يتوقف عليه في النتيجة حجم الأثر الاقتصادي.
أيضاً، تواجه لندن مهمّة ضبط منشأ السلع ومسارات توريدها، وتحديد الروابط المالية التي تصل المؤسسات التجارية بالمستوطنات. وفي هذا المجال، شدّد ناشطون في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية على ضرورة إحكام إجراءات الوسم والرقابة، ومنع تسويق المُنتجات الاستيطانية باعتبارها مُنتجات إسرائيلية عامّة.
على المقلب الأميركي، عبّر وزير الخارجية، ماركو روبيو، عن تحفّظات تتّصل بتأثير الإجراءات البريطانية في «مسار السلام» في غزة، معلناً تمسّك بلاده بنهج مختلف، وهو ما يضع حكومة بورنهام أمام احتمال اتساع الخلاف مع أبرز حلفائها.
أمّا على المستوى الداخلي البريطاني، فشكّك وزير خارجية حكومة الظل، توم توغندهات - من حزب «المحافظين» -، في جدوى العقوبات، مستنداً إلى تداخل الاقتصادَين الفلسطيني والإسرائيلي، في حين رحّب نواب «عماليون» بتشديد الموقف تجاه الاستيطان، وطالب زعيم «الخضر»، زاك بولانسكي، بدوره، بإجراءات أوسع تشمل التجارة والاستثمار والتعاون العسكري.
ويأتي ذلك في ظلّ نزف الشعبية الذي يتعرّض له حزب «العمّال» الحاكم منذ عهد رئيس الوزراء السابق كير ستارمر؛ إذ أظهر استطلاع أجرته «مؤسّسة يوغوف»، بداية الشهر الحالي، تعادُل «العمل» مع «ريفورم» اليميني بزعامة نايجل فاراج عند 23 في المئة لكلّ منهما، وهو ما يزيد أهمية استعادة الناخبين الذين ابتعدوا عن الحزب بسبب موقفه من الحرب على غزة، وانتخبوا مرشّحين من «الخضر» والمستقلين، ولا سيما في أواسط القاعدة التقدّمية والناخبين المسلمين.
في المقابل، اعترض الحاخام الأكبر إفرايم ميرفيس ومؤسّسات يهودية بريطانية على الإجراءات الحكومية، بدعوى انعكاساتها على سلامة اليهود، في حين ردّ ميليباند على ذلك بتأكيد هويته اليهودية والتزام حكومته بمكافحة «معاداة السامية»، التي اعتبر تحميل اليهود مسؤولية أفعال الحكومة الإسرائيلية شكلاً صريحاً منها.
وفي حين رحّب السفير الفلسطيني، حسام زملط، بالخطوة باعتبارها تحوّلاً في العلاقة البريطانية -الفلسطينية وترجمة لمبدأ ترتيب عواقب على انتهاكات القانون الدولي، يظلّ تأثير هذه العقوبات المُعلَنة مرتبطاً بجدّية لندن في تنفيذها، ولا سيما مع توقُّع استمرار أعمال البناء الإسرائيلية وتصاعد ضغوط التهجير خلال الأشهر القادمة، وهو ما يجعل سرعة إقرار التشريعات وإحكام تطبيقها عاملين حاسمين في تحديد أثر المواجهة على الأرض.
*(المصدر: جريدة الأخبار)
