يستعد أكثر من نصف مليون طالب وطالبة في قطاع غزة لبدء عام دراسي جديد، بعد نحو 3 أعوام من حرب إبادة إسرائيلية قتلت أكثر من 20 ألفا من تلامذة المدارس، وما يزيد على 532 معلما.
ورغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، تواصل إسرائيل عدوانها على غزة؛ ما أسفر عن استشهاد أكثر من 1300 فلسطيني بينهم طلبة مدارس، كان آخرهم التلميذة وفاء عكيلة (9 سنوات) والتي استشهدت برفقة والدها بقصف إسرائيلي، يوم الأحد الماضي.
وما زالت المنظومة التعليمية في القطاع تعاني من تداعيات هذه الحرب، التي دمرت أكثر من 165 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية تدميرا كليا.
وللعام الثالث على التوالي، يحرم الطلبة الفلسطينيون من التعليم النظامي بعدما خُفضت أيام الدراسة إلى أقل من الثلث، وحولت المدارس من بيئة تعليمية مستدامة إلى محطات "طوارئ عابرة"، وفق وصف وزارة التربية والتعليم العالي بغزة.
وقالت الوزارة، في تقرير الحالة التعليمية في قطاع غزة من 2023 وحتى 2026 الذي صدر في 15 تموز/ يوليو الماضي، إن المنظومة التعليمة تعرضت خلال الحرب للاستنزاف البشري والديمغرافي الواسع الذي طال الطلبة والمعلمين والبنى التحتية.
استعداد للعام الدراسي
وفي ظل هذا الاستنزاف، من المقرر أن تنطلق العملية التعليمية النظامية بقطاع غزة في 16 أيلول/ سبتمبر الجاري بعودة الهيئات الإدارية والتدريسية، على أن يلتحق الطلبة بالتعليم في 19 من الشهر نفسه، فيما بدأت السبت والأحد العديد من النقاط التعليمية والمدارس الخاصة.
وقالت وزارة التربية والتعليم العالي ومقرها في رام الله، في 6 أيلول/ سبتمبر الجاري، إنها تستكمل تجهيز نحو 700 موقع تعليمي وجاهي في القطاع، لخدمة أكثر من نصف مليون طالب وطالبة.
وإلى جانب ذلك، يجري تجهيز 25 مدرسة مؤقتة، مع استمرار التعليم الافتراضي للطلبة غير القادرين على الوصول إلى التعليم الوجاهي، وفقا للوزارة.
وبحسب الوزارة، تتيح الترتيبات التعليمية لنحو 541 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة مواصلة تعليمهم وفق الإمكانات المتاحة، وسط خسائر واسعة تكشف حجم التحديات التي تواجه العام الدراسي الجديد.
الخسائر البشرية
وفق تقرير وزارة غزة، فإن إسرائيل قتلت خلال حرب الإبادة أكثر من 20,051 طالبا وطالبة في سن التعليم المدرسي.
وأوضح أن أكثر من 19,886 طالبا وطالبة غادروا القطاع خلال سن التعليم المدرسي، إذ تسبب القتل ومغادرة القطاع في تغيير سير هذه المنظومة.
وذكر التقرير أن الحرب أسفرت عن استشهاد أكثر من 769 موظفا في وزارة التربية والتعليم العالي، وما يزيد على 532 معلما عاملين في المؤسسات الحكومية والخاصة ومدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
تدمير البنى التحتية
وقالت الوزارة إن عدد المباني المدرسية في القطاع قبيل اندلاع الإبادة الإسرائيلية بلغ 584، فيما أفادت معطيات سابقة للمكتب الإعلامي الحكومي بأن 95% من مدارس القطاع لحقت بها أضرار نتيجة القصف.
ووفق تقرير الوزارة، فإن من بين 309 مبان للمدارس الحكومية في القطاع، دمرت إسرائيل خلال الحرب 55 منها تدميرا كليا، و12 جزئيا، فيما ألحقت أضرارا بليغة بنحو 8 مبان، ومتوسطة بـ50 مبنى آخرين، إضافة إلى أضرار طفيفة طالت 59 مبنى.
وبيّن أن من بين 70 مبنى للمدارس الخاصة، دمر الجيش نحو 30 منها تدميرا كاملا، و26 جزئيا، وألحق أضرارا بليغة بنحو 11 مبنى، وخفيفة بمبنى واحدة.
التعليم وسط الإبادة (أرشيفية)
وفي ما يتعلق بمدارس التربية الخاصة (لذوي الإعاقة) البالغ عددها 23 مبنى، أفاد التقرير أن إسرائيل دمرت 11 تدميرا كليا، و6 جزئيا، وألحقت أضرارا بليغة بمبنيين، وخفيفة بـ4 مبانٍ.
وأشار التقرير إلى أن عدد مدارس "أونروا" قبل اندلاع الإبادة بلغت 182 مبنى، دون ذكر تفاصيل بشأن تدميرها، فيما سبق وأن ذكرت الأمم المتحدة في تقرير نشرته في 2 أيلول/ سبتمبر الجاري، أن معظم مبانيها المدرسية في القطاع أغلقت أو تحولت إلى ملاجئ للنازحين بعد تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وتابعت: "رغم أننا نجحنا في فتح عدد كبير منها أو أجزاء من مساحات داخل هذه الملاجئ لتكون أماكن مؤقتة للتعلم للأطفال الصغار، فإن غالبية التعليم منذ عام 2024 في غزة تتم عبر الإنترنت من خلال برنامج التعليم عن بعد".
وعن نظام التعليم عن بعد، أكدت الأمم المتحدة أنه ليس "البيئة المثالية" للتعليم، لكنه "كل ما يمكنها تقديمه لغالبية أطفال لاجئي فلسطين في غزة في الوقت الحالي".
وبجانب الأضرار التي طالت المنظومة التعليمية التي رصدها تقرير الوزارة، فقد دمرت إسرائيل 440 ألف مقعد دراسي، و142,242 طاولة، و9,308 لوحا للكتابة وغيرها الآلاف من التجهيزات المدرسية الأخرى.
وفي السياق، أشار التقرير إلى أن الغرف الصفية في المدارس الحكومية، القابلة لإعادة الاستخدام، بلغ عددها 1,556 فقط، بنسبة لا تتجاوز 21% من إجمالي الغرف القائمة قبل الحرب.
ولفت إلى أن معظم هذه الغرف خارج الخدمة حاليا بسبب إشغالها بالنازحين أو لوجود أضرار مادية فيها يتعذر إصلاحها بسبب غياب تمويل برامج الإعمار.
كما لم يقتصر الضرر على المباني المدرسية، بل امتد إلى المرافق الإدارية بعدما دمر الجيش الإسرائيلي 42 مبنى إداريا تدميرا كاملا من أصل 46 مبنى.
الدوام المدرسي
وأفاد التقرير بتراجع الدوام المدرسي من 200 يوم خلال عام 2022-2023، إلى 60 يوما
فقط خلال العام الدراسي 2025-2026، وكذلك انخفاض عدد الحصص التعليمية من 30 أسبوعيا إلى 12 فقط.
وقال التقرير إن هذه الأرقام التي تشير إلى "فقدان 140 يوما دراسيا في السنة، تبين شطب ثلثي العام الدراسي من حياة الطالب بغزة".
وتابع: "الانقطاع القسري حول المدرسة من بيئة تعليمية مستدامة إلى محطات طوارئ عابرة، مما جعل سنة الحرب تعادل في قيمتها المعرفية الحالية أقل من 30% من السنة الطبيعية، حيث يلتهم الفاقد التعليمي التراكمي 700 ساعة تعليمية".
وأشار التقرير إلى تقليص عدد المباحث الدراسية التي يتلقاها الطالب إلى 4 مباحث أساسية وهي "اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم"، فيما كان عددها قبل اندلاع الحرب يتراوح بين 8 إلى 12 حسب المرحلة الدراسية.
قطاع "الطفولة المبكرة"
إلى جانب ذلك، فقد تعرض قطاع "الطفولة المبكرة" إلى ضرر واسع نتيجة خروج عدد كبير من رياض الأطفال عن الخدمة.
وأشار إلى أن عدد رياض الأطفال في القطاع بلغ قبل اندلاع الإبادة نحو 619 روضة، تقدم خدماتها لنحو 65,969 طفلا وطفلة.
وأكد أن تعطل هذه المرحلة عكس "فقدانا لمدخل أساسي من مداخل التعلم، لاسيما الأطفال المتوقع انتقالهم إلى الصفوف الأولى، دون مرورهم بمهارات التهيئة التعليمية الكافية".
بيئة مثقلة بالصدمة
وعن أثر الحرب في الحالة النفسية للطلبة والمعلمين، أكد التقرير أن الإبادة أنتجت "بيئة تعليمية مثقلة بالصدمة، والفقد، والنزوح، وانعدام الأمان".
وتابع: "أصبحت الآثار النفسية والاجتماعية عاملا مباشرا تؤثر في قدرة الطلبة على الحضور والتعلم والاستمرار".
وذكر أن هذه الظروف انعكست على الطلبة والمعلمين في صورة "قلق، وضعف دافعية، وتشتت في الانتباه، واضطراب في السلوك، وصعوبة في استعادة الروتين المدرسي".
واستبعد أن تكون تلك المظاهر عبارة عن "مشكلات عابرة"، بل شدد على أنها تعد "ضغطا نفسيا ممتدا" من شأنه التأثير في التعليم والانتماء.