قائمة الموقع

بين رغبات ترامب وحسابات نتنياهو: مصير غزة معلَّق... إلى حين

2026-08-31T10:11:00+03:00
ترمب والنتن
يحيى دبوق*

يرزح قطاع غزة تحت وطأة جمود سياسي يزداد ثقلاً يوماً بعد يوم، مردّه رفض المؤسسة السياسية الإسرائيلية مجاراة المطالب الأميركية بالمضيّ قدماً في التفاهمات المطروحة مع حركة «حماس». وإذا كان هذا الجمود يُظهر، في جانب منه، تعارضاً بين حسابات البقاء السياسي لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، والحسابات الانتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فهو يحوّل قطاع غزة، في النتيجة، إلى ورقة في البازارات السياسية لكلّ من تل أبيب وواشنطن.

من جهته، لا يبدو نتنياهو في وارد تقديم تنازلات يمكن أن تُفسَّر إسرائيلياً باعتبارها رضوخاً للضغوط الأميركية، ولا سيما في ظلّ اشتداد المنافسة الانتخابية وتراجع حظوظه في استطلاعات الرأي. فأيّ خطوة من جانبه أقلّ تشدداً تجاه ملف غزة، حتى لو كانت محدودة أو شكلية، قد تكلّفه جزءاً من قاعدته الانتخابية اليمينية، فيما تمنح خصومه ذريعة لاتّهامه بالتراجع عن أهداف الحرب التي أعلنتها حكومته.

في المقابل، لا يقلّ ترامب استعجالاً لتحقيق نتيجة يمكن عرضها باعتبارها إنجازاً سياسياً، ولا سيما بعد فشل الحرب على إيران، والتداعيات التي خلّفتها على الداخل الأميركي.

وإذ تشكّل غزة عنواناً من مسار أوسع تسعى واشنطن عبره إلى إبقاء ملفّ التطبيع الإقليمي مع تل أبيب حيّاً، فإن الولايات المتحدة لا تجد بدّاً من الضغط على إسرائيل لدفعها إلى اتخاذ خطوات «تحسينية» في القطاع، من بينها فتح المعابر وتوسيع إدخال المساعدات والسلع.

ورغم أن هذه الإجراءات تظلّ محدودة قياساً على حجم معاناة أهالي غزة، فإن إدارة ترامب تجدها كافية للتأكيد أن المسار الأميركي لم يُجمّد، وأن واشنطن لا تزال تريد البناء على التفاهمات القائمة للوصول إلى ترتيبات أوسع، وهو ما يُراد استثماره في أكثر من اتجاه سياسي، سواء في الداخل الأميركي، أو خارجياً. ومن هذا المنطلق، تحاول الإدارة منع تحوّل الانتخابات الإسرائيلية إلى ذريعة لتجميد ذلك المسار بالكامل، الأمر الذي يضعها في تعارض مباشر مع حسابات نتنياهو الانتخابية.

أمّا إسرائيل، وتحديداً المؤسسة السياسية بقيادة نتنياهو، التي لا يمكنها رفض المطالب الأميركية صراحة، فهي تعمل من ضمن المخطّط الأميركي نفسه لتقلب مساره، وذلك عبر اعتماد صيغة «نعم، ولكن»؛ أي نعم للحلّ المطروح من حيث المبدأ، لكن بعد أن تنزع «حماس» سلاحها بالكامل أولاً، وبعد التحقق من إنجاز هذه العملية تماماً.

وهنا، يكمن الخلاف الحقيقي بين واشنطن وتل أبيب، أي في تسلسل الخطوات وتوقيتها؛ إذ تريد الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات داخل غزة تخلق بيئة سياسية تسمح بالتقدّم لاحقاً، فيما تصرّ إسرائيل على انتزاع تنازلات جوهرية من «حماس» أولاً، وتجريدها من سلاحها، قبل تقديم أيّ تسهيلات.

وتبني إسرائيل موقفها المعلن هذا، على أن «حماس» لا تنوي فعلياً التخلّي عن سلاحها، وأنها لا تزال تحتفظ بقدرات تنظيمية وبنى عسكرية ومدنية يمكنها معها أن تستغلّ التسهيلات المقترحة على تل أبيب لإعادة تنظيم صفوفها، وهو ما ترفضه الأخيرة رفضاً قاطعاً. وتستند إسرائيل، في محاججتها تلك إلى ما تسمّيه «تقديرات عسكرية واستخبارية»، وذلك لإبعاد شبهة الحسابات السياسية عنها.

والظاهر الآن، أنها تراهن على فاعلية ما تسمّيه «التقييم المهني» للأخطار، لا سيما بعدما وجدت أذناً أميركية صاغية نسبياً له، تأمل أن يؤدّي استمرارها إلى فرملة الضغوط أو تأجيلها.

في النتيجة، يمكن القول إن ترامب ونتنياهو كليهما يسعيان إلى تغيير ما في غزة، وإن لأسباب متباينة تماماً؛ فالأول يتطلّع إلى تقدم سياسي يمكن البناء عليه في بلورة سردية نجاح إقليمي، بينما يرمي الثاني إلى فرملة أيّ إجراءات «تنازلية»، ولو بالشكل، مع السعي، في الوقت نفسه، إلى استعادة المبادرة والتصعيد عبر القتل والتدمير، إرضاءً للناخب اليميني.

وبين هذَين الحسابين، تبقى الأمور على حالها، وربّما في اتجاه الأسوأ فلسطينياً، أقلّه إلى ما بعد الانتخابات في كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل. *(المصدر: الأخبار اللبنانية)

اخبار ذات صلة