تُظهر المتابعات الإخبارية والتحليلات السياسية العميقة لسلوك القيادة الإسرائيلية، كيف تحولت الحروب والاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة، وأزمات الائتلاف الحكومي، إلى محرك رئيسي للتصعيد الميداني والسياسات القمعية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وتؤكد القراءة الدقيقة لطبيعة المشهد الحزبي الإسرائيلي، خاصة في حقبة ما بعد حرب غزة (2023-2024) وتداعياتها الممتدة حتى اليوم (2026)، أن صندوق الاقتراع، أو حتى مجرد الحفاظ على الائتلاف الحكومي من الانهيار، بات يعتمد بشكل مباشر على إراقة الدم الفلسطيني والتضييق المعيشي. حيث تُستغل الحقوق الوطنية، والأرواح، والممتلكات كـ "عقارات سياسية" وأوراق ضغط تُصرف في البازار الحزبي لاستقطاب أصوات اليمين المتطرف، أو إرضاء قاعدة انتخابية متعطشة للانتقام واستعراض القوة.
يرصد هذا التحقيق، المستند إلى تقاطع مصادر عبرية، دولية، وعربية، "الهندسة السياسية" التي تُحوّل بموجبها الإجراءات العسكرية إلى مادة للدعاية الحزبية، وكيف يتنافس اليمين والوسط الإسرائيلي على تقديم أطروحات أكثر قسوة وبطشاً بحق الشعب الفلسطيني لكسب ثقة الشارع.
معادلة "الحصاد الانتخابي".. الدم أداة للدعاية والبقاء
تبيّن القراءة التاريخية والحديثة وجود نمط متكرر يربط بين الأزمات السياسية الداخلية في إسرائيل (سواء اقتراب انتخابات أو تهديد بحجب الثقة) وبين اتخاذ قرارات بشن عمليات عسكرية واسعة.
ترحيل الأزمات الداخلية وإطالة أمد الحرب: أشارت صحيفة "هآرتس" العبرية في عدة افتتاحيات لمحلليها العسكريين (مثل عاموس هارئيل) إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استخدم إطالة أمد العمليات العسكرية في غزة والتلويح الدائم بفتح جبهات جديدة كأداة لـ "تأجيل التحقيقات الرسمية" في إخفاقات حكومته، ولمنع إجراء انتخابات مبكرة تُظهر استطلاعات الرأي أنه سيخسرها.
استعراض القوة الميداني: يعتمد الساسة الإسرائيليون مبدأ "العنف الصارم" كرسالة طمأنة لمجتمع يتجه باستمرار نحو التشدد.
وقد وثقت شبكة "سي إن إن" (CNN) تقارير تفيد بأن توقيت العديد من الضربات الجوية المكثفة أو عمليات الاغتيال الميداني ارتبطت بشكل وثيق بمحاولات تهدئة غضب الشارع الإسرائيلي أو استرضاء شركاء الائتلاف اليميني، أكثر من كونها ضرورة أمنية بحتة.
الضفة الغربية.. التغول الاستيطاني والضم كشعار انتخابي
تُشكل الضفة الغربية الساحة اليومية التي تُترجم فيها التجاذبات الحزبية إلى إجراءات استيطانية وقرارات مصادرة وتعسف، في تحدٍ سافر لقرارات محكمة العدل الدولية (ICJ) التي أقرت بعدم قانونية الاحتلال.
شرعنة البؤر وتكثيف البناء: كشف تحقيق نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times) أن وزير المالية والوزير في وزارة الجيش، بتسلئيل سموتريتش، نفذ خطة "ضم إداري" صامتة للضفة الغربية، نقل بموجبها الصلاحيات من الإدارة المدنية العسكرية إلى مستوطنين مدنيين. هذه الخطوة تم تسويقها في الإعلام العبري اليميني (مثل القناة 14) كإنجاز تاريخي لحزب "الصهيونية الدينية" لجلب أصوات المستوطنين.
إطلاق يد المستوطنين: تشير تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" (HRW) وحركة "السلام الآن" الإسرائيلية، إلى أن تسليح المستوطنين وتوفير الغطاء العسكري لاعتداءاتهم على القرى الفلسطينية (مثل حوارة، وترمسعيا، وقرى جنوب نابلس والخليل) لم يعد مجرد "عنف أفراد"، بل سياسة دولة يديرها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
بن غفير حوّل توزيع السلاح على المستوطنين إلى "حملات تصوير علاقات عامة" يبثها عبر منصاته لتعزيز شعبيته كـ "حامي الحمى".
الاقتحامات والحصار الجماعي: تُستغل الاقتحامات الدموية المتكررة لمدن ومخيمات شمال الضفة (جنين، وطولكرم، وطوباس، ونابلس)، وتدمير البنى التحتية فيها بواسطة الجرافات العسكرية، كرسائل متلفزة يُبثها الإعلام الإسرائيلي لإثبات "القبضة الحديدية" وتسكين هواجس الناخب الإسرائيلي.
قطاع غزة.. لوحة إعلانات عسكرية للسباق الحزبي
ظل قطاع غزة، الساحة الأكثر دموية واستغلالاً في المزايدات السياسية الداخلية، حيث تحول تدمير القطاع إلى مادة للتفاخر الحزبي:
سياسة الاغتيالات والتدمير الممنهج: يُعد قرار استهداف القيادات وتدمير المربعات السكنية من أسرع الوسائل لرفع أسهم القيادات في استطلاعات الرأي.
تقارير نشرتها "الغارديان" البريطانية، أكدت أن السياسيين الإسرائيليين من مختلف الأطياف تنافسوا في الظهور الإعلامي للمطالبة بـ "محو" مناطق كاملة في غزة، وهي تصريحات استخدمتها جنوب أفريقيا لاحقاً في محكمة العدل الدولية كدليل على نية "الإبادة الجماعية".
رهن المساعدات الإنسانية بالسياسة: تُربط ملفات إدخال المواد الأساسية والأدوية بالحسابات الحزبية.
وتستغل الأحزاب المتطرفة أي تخفيف إنساني (حتى لو كان بضغوط أمريكية) لتوجيه اتهامات بالخيانة لحكومة نتنياهو.
وبحسب القناة 12 العبرية، فإن وزراء اليمين هددوا مراراً بتفكيك الحكومة إذا تم التوصل لصفقات تبادل أو وقف إطلاق نار لا يتناسب مع سرديتهم الانتخابية.
مواقف الأحزاب والشخصيات الإسرائيلية: تنافس على التطرف
تتفاوت الأحزاب في خطابها الموجه للشارع الداخلي، لكنها تجتمع (بما فيها أحزاب الوسط) على إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، وجعل قمع الشعب الفلسطيني المرتكز الرئيسي للحملات الانتخابية:
حزب الليكود (بزعامة نتنياهو): يقود التوجه عبر الرفض القاطع لقيام دولة فلسطينية، وتحدي مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (ICC). نتنياهو يستغل هذا الضغط الدولي ليقدم نفسه للناخب كـ "الزعيم الوحيد القادر على الوقوف في وجه العالم حمايةً لإسرائيل"، محولاً العزلة الدولية إلى أداة تكتل داخلي.
حزب القوة اليهودية (إيتمار بن غفير): يركز خطابه على النهج الفاشي المباشر. يربط بن غفير بقاءه في الحكومة بتغيير "الوضع القائم" (Status Quo) في المسجد الأقصى، حيث أصبحت اقتحاماته الاستفزازية للحرم القدسي بمثابة "مؤتمرات صحفية انتخابية" تُعقد في أوقات تراجع شعبيته
حزب الصهيونية الدينية (بتسلئيل سموتريتش): يركز على تدمير السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً. يستغل موقعه كوزير للمالية لخنق الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان، ويسوق هذه الأفعال لقاعدته الانتخابية كخطوات عملية لا رجعة فيها لضم الضفة الغربية.
المعارضة وتكتل "الوسط" (غانتس، لابيد، ليبرمان): يمارسون المزايدة السياسية بطريقة مختلفة. كما يشير تقرير لمعهد "ميتفيم" الإسرائيلي للسياسات الخارجية، فإن أحزاب المعارضة لا تعترض على قمع الفلسطينيين، بل على "سوء الإدارة".
خطابهم يركز على "الأمن الذكي"، والفصل أحادي الجانب، وزيادة وتيرة الاغتيالات بـ "كفاءة أكبر"، في مسعى لإظهار حكومة نتنياهو بمظهر الفاشلة أمنياً وعسكرياً، مع الحفاظ الكامل على الكتل الاستيطانية الكبرى.
أدوات العقاب الجماعي: الاقتصاد والأسرى كدعاية رخيصة
لا يتوقف الاستغلال الانتخابي عند حدود الآلة العسكرية، بل يمتد ليشمل الأدوات المدنية والانتقامية:
قرصنة أموال المقاصة: تستخدم وزارة المالية الإسرائيلية العائدات الضريبية كأداة ابتزاز سياسي. تفاخر سموتريتش مراراً عبر منصة (X) باقتطاع أموال الفلسطينيين وتحويلها لتعويض عائلات إسرائيلية، وهو ما اعتبره البنك الدولي في تقاريره الأخيرة تقويضاً متعمداً وممنهجاً للاقتصاد الفلسطيني يهدد بانهيار كامل.
التنكيل بالأسرى: وثقت منظمات حقوقية مثل "أمنستي" (Amnesty International) ومؤسسات الأسرى الفلسطينية، كيف تحولت السجون (ومعسكرات الاعتقال مثل سدي تيمان) إلى مسالخ وساحات استعراضية.
وزير الأمن القومي بن غفير تفاخر علناً في الكنيست والإعلام بتقليص حصص طعام الأسرى الفلسطينيين وتقليل فترات الاستحمام وحرمانهم من العلاج، مسوقاً هذا التعذيب الممنهج كـ "إنجاز وطني" يفي بوعوده الانتخابية.
انسداد الأفق وتكريس الأبارتهايد
تثبت التطورات المتلاحقة أن "الديمقراطية الإسرائيلية" الداخلية تتغذى بشكل مباشر على منظومة قمع الفلسطينيين.
السباق المحموم على الصوت اليميني والاستيطاني أدى إلى تدمير فرص أي تسوية سياسية، وفرض نظام تمييز عنصري (أبارتهايد) متكامل الأركان في الضفة الغربية والقدس، مع إبقاء قطاع غزة في حالة إبادة مستمرة وحصار لا نهائي.
النتيجة اليوم، ووفقاً لمراكز الدراسات الفلسطينية والعالمية، هي أن أي حكومة إسرائيلية قادمة، سواء كانت يمينية خالصة أو حكومة "وحدة"، ستظل رهينة لهذه الهندسة السياسية، حيث الطريق إلى كراسي الكنيست ومكاتب الحكومة يمر حصراً فوق الأراضي المصادرة وجثث الفلسطينيين، خدمةً لمصالح حزبية ضيقة على حساب الاستقرار والعدالة.