/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

قصرة... حكاية قرية تعاند الاستيطان

2026/08/18 الساعة 08:40 ص

رام الله - وكالات

 مع تسارع المخطّط الرامي إلى فرض واقع استيطاني جديد في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلّة، تتصاعد إجراءات جيش العدو ومستوطنيه في بلدة قصرة، الواقعة عند مفترق طرق استراتيجي يربط عدداً من قرى جنوب نابلس. وبدأت الحزمة الأحدث من تلك الإجراءات مساء الأحد الماضي، عندما أغلقت قوات الاحتلال الطرق المؤدّية إلى جبل رأس العين في البلدة، وأقامت -بواسطة جرافة عسكرية- سواتر ترابية حالت دون وصول المواطنين إلى منطقة رأس العين (المعروفة باسم عين عينا) المحيطة بالجبل، وذلك بعد إعلانها «منطقة عسكرية مغلقة» والدفع بتعزيزات عسكرية إليها. وجاءت هذه الإجراءات بعدما عمد مستوطنون، منذ أكثر من أسبوع، إلى محاصرة ثلاثة منازل عند الطرف الغربي لقصرة، على مقربة من البؤرة الاستيطانية الرعوية المقامة على الجبل.

ولم يقتصر هذا الحصار على منع حركة الأهالي والحيلولة دون الوصول إلى تلك المنازل، بل امتدّ إلى حظر قوات الاحتلال على «منظمة الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسف) إدخال صهريج مياه إلى القرية، وذلك بعدما تمكّنت المنظمة من إيصال مواد غذائية وطبية إلى العائلات المحاصَرة. وبحسب رئيس المجلس المحلّي لقصرة، عبد العظيم وادي، فإن المجلس لم يتمكّن حتى الآن من إعادة المياه إلى المنازل الثلاثة، التي يقطنها تسعة فلسطينيين (زوج وزوجته وابنتاهما في المنزل الأول، وأم وابنتها وابنها في الثاني، وأب وابنه في الثالث)، يعيشون ظروفاً قاسية بفعل عزلهم عن محيطهم. وإذ يعرب وادي، في حديث إلى «الأخبار»، عن اعتقاده بأن هدف الحصار هو دفع السكان إلى الرحيل، كي تتسنّى للمستوطنين السيطرة على منازلهم، ومن ثمّ توسيع دائرة الضغوط لتشمل بقيّة السكان، فهو يؤكد أن العائلات الثلاث -رغم الحصار المفروض عليها- آثرت البقاء في منازلها وعدم مغادرتها.

وكانت بدأت إجراءات التضييق على سكان قصرة منذ كانون الثاني الماضي، عندما شرع مستوطنون في وضع أسلاك حول أجزاء من جبل رأس العين، قبل أن تتوسّع الإجراءات تدريجياً في اتجاه المناطق المحيطة بالمنازل. وفي هذا الإطار، أفادت منظّمة «بتسيلم» (منظمة حقوقية إسرائيلية)، أن المستوطنين أقاموا، في 21 كانون الثاني، بؤرة استيطانية على قمّة الجبل تُعرف باسم «تل طالبيوت». ورغم الشكاوى والطلبات المتكرّرة التي تقدّمت بها البلدية، عبر الارتباط المدني والعسكري، لإزالة التعدّيات، استمرّت تلك الإجراءات في التصاعد على الأرض، وصولاً إلى ما يجري اليوم من نصب المستوطنين لخيمة أمام المنازل الثلاثة مباشرةً، وإغلاقهم الطريق الرئيس الذي يربط قصرة بـ«تلفيت» و«جالود». وبحسب وادي، فإن المستوطنين حاولوا نحو ثماني مرّات، خلال السنوات الماضية، إقامة بؤرة استيطانية في رأس العين. إلا أن المحاولة الحالية تختلف، من وجهة نظره، عن سابقاتها؛ إذ لم تعُد تقتصر على إقامة بؤرة واحدة، وإنما تتقدّم بصورة متدرّجة عبر نصب الأسلاك والخيام والاستيطان الرعوي والاقتراب من المنازل وقطع الطرق، وصولاً إلى حصار العائلات وإغلاق المنطقة عسكرياً.

خيار الرحيل غير مطروح لدى سكان قصرة

وتكمن أهمية «رأس العين»، ابتداءً، في موقعه المرتفع الذي يصل إلى نحو 930 متراً عن سطح البحر، ويشرف على مساحة واسعة من المنطقة. وبحسب وادي، يمكن من قمّته رؤية البحر الأبيض المتوسط غرباً والمملكة الأردنية شرقاً، فيما يشرف الجبل على عدد من البلدات والقرى الفلسطينية، من بينها قصرة وقبلان وتلفيت وجالود وقريوت. كذلك، يقع «رأس العين» ضمن المنطقة المصنّفة «ب» وفق اتفاقية «أوسلو»، ويتّصل جغرافياً بمجموعة من القرى، فضلاً عن وجود نبع مائي فيه يغذّي ينابيع عدد من القرى المحيطة به، ما يجعل الصراع عليه مرتبطاً أيضاً بالسيطرة على مصادر المياه. أمّا بلدة قصرة، التي تقع على السفوح الجنوبية الشرقية لمحافظة نابلس (على بعد نحو 24 كيلومتراً جنوب المدينة)، فتحيط بها مستوطنات وبؤر استيطانية، من بينها «مجدليم» و«كيدا»، فضلاً عن بؤر الاستيطان الرعوي المنتشرة على الجبال المحيطة بها. وإذ تبلغ مساحة البلدة حوالى 9200 دونم، فإن البلدية لا تملك، وفق وادي، صلاحيات فعلية سوى على نحو 3300 دونم منها، في ظلّ سيطرة الاحتلال والمستوطنين على أجزاء واسعة من المناطق المصنّفة «ج».

ويعتمد سكان قصرة بدرجة كبيرة على الزراعة وتربية المواشي، وتنتشر في أراضيهم أشجار الزيتون والقمح والزعتر والميرمية، لكن الوصول إلى هذه الأراضي ما فتئ يزداد صعوبة، خصوصاً منذ إغلاق الاحتلال المدخل الرئيس لقصرة في 12 تشرين الأول 2023. إذ أدّى الإغلاق، بحسب رئيس المجلس، إلى ارتفاع كلفة التنقل بين قصرة ونابلس من نحو 9 شواكل إلى نحو 22 شيكلاً للفرد، وذلك بعدما اضطرّ الأهالي إلى سلوك طرق بديلة عبر بلدات مجاورة. وإلى جانب ما تَقدّم، شهدت قصرة، منذ عام 2011، أكثر من 170 اعتداء، أسفرت، وفق وادي، عن استشهاد 11 مواطناً، بينهم ثمانية منذ السابع من تشرين الأول 2023؛ سبعة منهم برصاص المستوطنين وواحد برصاص جيش الاحتلال. وشملت تلك الاعتداءات، أيضاً، إحراق مسجدَي «النورين» و«الشهداء» ومنازل ومركبات ومتجر، واقتلاع أشجار زيتون ومصادرة أراضٍ، فضلاً عن اعتقال أكثر من 40 مواطناً وإصابة العشرات.

أمّا اليوم، فإن إجبار العائلات على مغادرة منازلها، يراد منه تسهيل الوصول إلى الأرض والسيطرة عليها، وجعل عودة الأهالي إليها مستقبلاً، مستحيلة. ولذا، قرّرت العائلات المحاصَرة البقاء في أماكنها، رغم الخطر المحيط بها ونقص الخدمات الذي تعانيه. وإذ يؤكد وادي أن خيار الرحيل غير مطروح لدى سكان قصرة، مستحضراً تجربة عام 1948، بالقول: «لن نكرّر ما حصل في عام 1948، عندما رحل الفلسطينيون على أمل العودة، ولا يزالون حتى اليوم يحتفظون بالمفتاح»، فهو يطالب بكسر الحصار عن المنازل الثلاثة، وضمان وصول المياه والكهرباء والاحتياجات الطبية والغذائية إلى العائلات، وتوفير الحماية لها، إلى جانب دعم سكان المناطق الريفية المهدَّدة بالاستيطان وتمكينها من الوصول إلى أراضيهم وحمايتها.

المصدر: الأخبار اللبنانية

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/228483

اقرأ أيضا