أبو سامر موسى*
يعتبر سماحة القائد والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي واحدا من أبرز الشخصيات السياسية والدينية التي أثرت في مسار الأحداث الإقليمية والدولية خلال العقود الأخيرة. فمنذ سنوات شبابه الأولى ارتبط اسمه بمسيرة الثورة الإسلامية في إيران، وكان من أقرب الشخصيات إلى الإمام الراحل السيد الخميني رضوان الله عليه، حيث شاركه مشروع بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات التي أحاطت بها منذ انتصار الثورة عام 1979.
عُرف السيد خامنئي خلال سنوات النضال الأولى، السابقة للثورة، بصلابته في مواجهة نظام الشاهـ، وتعرَّض للاعتقال والملاحقة أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي والدعوي. وبعد انتصار الثورة كان حاضرًا في مختلف الميادين التي شهدتها الجمهورية الإسلامية الناشئة سواء في المجال السياسي أو الأمني أو الثقافي وصولًا إلى تحمله مسؤوليات قيادية عليا خلال مرحلة الحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من تحديات وجودية للدولة الإسلامية الوليدة.
ومع رحيل الإمام الخميني عام 1989 تولى السيد خامنئي مسؤولية القيادة العليا للجمهورية الإسلامية، في مرحلة شديدة الحساسية، واجهت خلالها إيران حصارًا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا متواصلًا، إضافة إلى ضغوط دولية هدفت إلى الحد من دورها الإقليمي وإضعاف قدراتها الاستراتيجية.. إلا أن القيادة الإيرانية تبنت نهجًا قائمًا على الصبر الاستراتيجي وتعزيز القدرات الذاتية، وهو ما انعكس على تطور البلاد في مجالات العلم والتكنولوجيا والصناعة والدفاع.
إلى جانب دوره السياسي عُرف السيد خامنئي بحياته المتواضعة وقربه من الناس واهتمامه بالثقافة والمعرفة وقد حرص في خطاباته ولقاءاته على التشديد المستمر على أهمية العلم والتعليم والبحث العلمي معتبرًا أن نهضة الأمم تبدأ من بناء الإنسان الواعي والقادر على الإنتاج والإبداع.. كما عُرف بشغفه بالقراءة والأدب والفكر الإسلامي، وهو ما انعكس على رؤيته الثقافية والحضارية.
وفي القضايا الدولية تبنى السيد خامنئي موقفًا داعمًا لحركات التحرر ورافضًا للهيمنة الأجنبية معتبرًا أن الشعوب تمتلك حق تقرير مصيرها بعيدًا عن الضغوط الخارجية. وقد شكلت القضية الفلسطينية محورًا أساسيًا في خطابه السياسي، إذ رأى فيها قضية عدالة وحق تاريخي وإنساني وديني، وعمل باستمرار على دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية..
كما ارتبطت رؤيته السياسية بدعم قوى المقاومة في المنطقة ولا سيما في فلسطين ولبنان، انطلاقًا من قناعته بأن مواجهة الاحتلال والعدوان حق مشروع للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. وفي المقابل اتخذ مواقف حادة تجاه السياسات الأمريكية و"الإسرائيلية" معتبرًا أنها تمثل نموذجًا للهيمنة والتدخل في شؤون الدول والشعوب.
وعلى المستوى الدولي دعا إلى تعزيز العلاقات مع مختلف الدول والقوى الصاعدة وسعت الجمهورية الإسلامية خلال عهده إلى توسيع شراكاتها مع دول عديدة، وفي مقدمتها الصين وروسيا ، في إطار بناء توازنات دولية جديدة تقوم على تعددية الأقطاب وتقليص النفوذ الأحادي في النظام الدولي.
اما فلسطين في فكر السيد القائد علي الخامنئي وبتوجيهاته الحكيمة في تطوير المقاومة الفلسطينية. حيث اتخذت ومنذ انطلاقة الثورة الخمينية موقعًا محوريًا في فكره.. و لم يتعامل معها بوصفها قضية سياسية عابرة أو نزاعًا حدوديًا يمكن تسويته عبر التفاوض، بل اعتبرها قضية حق وعدالة وكرامة إنسانية، تمس وجدان الأمة الإسلامية والشعوب الحرة في العالم. ومنذ توليه مسؤولياته القيادية بقيت فلسطين حاضرة في خطاباته ومواقفه وتوجيهاته باعتبارها القضية المركزية التي تكشف حقيقة الصراع بين مشروع الهيمنة والاحتلال والاستعمار، من جهة، ومشروع التحرر والاستقلال من جهة أخرى.
وانطلاقًا من هذه الرؤية دعا السيد الخامنئي إلى دعم الشعب الفلسطيني في مختلف المجالات السياسية والإعلامية والثقافية والاقتصادية والعسكرية، مؤكدًا أن الفلسطينيين هم أصحاب الحق الشرعي والتاريخي في أرضهم، وأن أي مشروع يتجاوز حقوقهم الأساسية أو يحاول فرض وقائع دائمة بالقوة لن يحقق الأمن أو الاستقرار في المنطقة
وفي الجانب العملي ركزت توجيهاته على ضرورة تطوير قدرات المقاومة الفلسطينية وعدم الاكتفاء بالشعارات أو المواقف السياسية بل العمل على بناء عناصر القوة القادرة على حماية الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه.. ومن هذا المنطلق شدد على أهمية الاعتماد على الذات وتعزيز القدرات التنظيمية والعسكرية والتقنية للمقاومة والاستفادة من الخبرات المتراكمة في مواجهة الاحتلال بما يمكن الفلسطينيين من فرض معادلات جديدة في الصراع
كما أولى أهمية كبيرة لوحدة الفصائل الفلسطينية معتبرًا أن الانقسام الداخلي يشكل أحد أبرز التحديات التي يستفيد منها الاحتلال.. ولذلك دعا مرارًا إلى تعزيز الحوار والتعاون بين مختلف القوى الفلسطينية على قاعدة حماية القضية الوطنية والحفاظ على الثوابت والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني..
ولم تقتصر رؤيته على البعد العسكري فحسب بل امتدت إلى الجوانب الثقافية والإعلامية حيث أكد أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان. فالحفاظ على الرواية الفلسطينية وتوثيق الجرائم والانتهاكات ومخاطبة الرأي العام العالمي كلها عناصر أساسية في مواجهة محاولات طمس الهوية الفلسطينية أو تشويه حقيقة الصراع.
كذلك نظر السيد الخامنئي إلى المقاومة باعتبارها مشروعًا حضاريًا وأخلاقيًا يتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية ويرتبط بالدفاع عن المظلومين ورفض الاحتلال والهيمنة ولهذا السبب سعى إلى إبقاء القضية الفلسطينية حيَّة في الوجدان الإسلامي والعالمي، وإلى حشد أوسع دعم سياسي وشعبي لها على المستويات الإقليمية والدولية واكد على الالتزام بفتوى الامام الراحل السيد الخميني بضرورة احياء يوم القدس العالمي لما له من أهمية في ابقاء القضية حاضرة في وجدان الامة والشعوب الحرة.
وفي رؤيته الاستراتيجية كان يؤكد أن إرادة الشعوب وصمودها قادران على إحداث التحولات الكبرى مهما بلغت قوة الخصم وأن الاحتلال لا يمكنه أن يفرض شرعية دائمة بالقوة العسكرية وحدها لذلك دعا دائمًا إلى الجمع بين الصمود الشعبي والعمل السياسي والإعلامي وتطوير عناصر القوة المختلفة باعتبارها مسارات متكاملة تخدم هدف حماية الحقوق الفلسطينية وتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على تقرير مصيره.
لقد شكلت فلسطين في فكر السيد القائد علي الخامنئي عنوانًا ثابتًا لمواقفه السياسية والفكرية وبقيت بالنسبة إليه قضية مبدأ وقيم قبل أن تكون قضية سياسة ومصالح وهو ما جعلها تحظى بحضور دائم في خطاباته وتوجيهاته ومواقفه على امتداد العقود الماضية.
ختاماً لا بد لنا كأبناء فلسطين الذين رأوا في مواقفه سندًا لقضيتهم وحضورًا دائمًا لمعاناتهم وآمالهم الا القول ان مواقفه النبيلة و كلماته الداعمة لفلسطين وحقوق شعبها ستبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية الفلسطينية. وسيذكر التاريخ كل من وقف إلى جانب المظلومين ودافع عن حق الشعوب في الحرية والكرامة.. وأن الوفاء للمواقف الصادقة لا تحدّه حدود الزمان والمكان.. وستظل فلسطين تحفظ في وجدانها كل موقفٍ ناصر حقها ودعم صمود شعبها في أحلك الظروف، وفي المقدمة سماحتكم يا شهيد كل فلسطين وشهيد الحق ونصرة المستضعفين...
*مسؤول العلاقات الفلسطينية لحركة الجهاد الاسلامي في لبنان.
