لم تعد القضية المرتبطة بالكيان "الإسرائيلي" مجرد نزاع سياسي أو صراع على أرض وحقوق، بل أصبحت نموذجاً صارخاً لمشروع قائم على القوة المفرطة والتطرف والعنصرية والفاشية، مشروعٍ يسعى إلى فرض إرادته على الشعوب والدول دون اعتبار للقوانين الدولية أو القيم الإنسانية التي يدّعي الدفاع عنها. فـ"إسرائيل" التي قدمت نفسها للعالم باعتبارها واحة للديمقراطية والحضارة، تكشف ممارساتها اليومية أن هذا الادعاء لا يعدو كونه غطاءً لسياسات عدوانية قامت منذ تأسيسها على دماء وأشلاء الشعب الفلسطيني، واقتلاعه من أرضه وتهجيره.
لقد أثبت التاريخ أن هذا الكيان لم يولد من رحم المشاريع والمخططات الاستعمارية ليكون شريكاً في صناعة السلام، بل كان دائماً مصدر توتر وعدم استقرار في المنطقة. فمنذ النكبة الفلسطينية عام 1948 مروراً بعشرات المجازر والحروب والاعتداءات التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية، وصولاً إلى العدوان المتواصل على غزة والضفة الغربية ولبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، يتجلى الوجه الحقيقي لمشروع لا يعرف سوى لغة القتل والعنف والإرهاب والتوحش. والمفارقة الكبرى أن المسؤولين "الإسرائيليين" لا يتوقفون عن الحديث باسم الإنسانية والأخلاق والقانون الدولي، في حين يتهمون حركات المقاومة الفلسطينية بالإرهاب والإجرام، وانهم من ابناء الجحيم، بسبب مقتل نحو ألف "إسرائيلي" في أحداث السابع من أكتوبر حسب ادعاءاتهم بينما يتجاهلون حجم المأساة الإنسانية التي تسببوا بها للشعب الفلسطيني...
فالحرب على غزة أوقعت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ودمرت مدنا ومخيمات بأكملها، وأنتجت كارثة إنسانية غير مسبوقة في العصر الحديث، كما امتدت الاعتداءات إلى الضفة الغربية التي شهدت سقوط المئات من الشهداء وآلاف الجرحى وإلى لبنان الذي تعرض لاعتداءات متكررة أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين بين شهيد وجريح، وتدمير عشرات المدن والقرى، وتهجير أكثر من مليون مواطن من الجنوب والبقاع، وسط صمت دولي وعربي مريب، وعجز واضح عن وقف العدوان أو محاسبة مرتكبيه الصهاينة والأميركيين.
والأخطر من ذلك أن "إسرائيل" لا تكتفي بممارسة العنف ضد خصومها واعدائها بل تتعامل بفوقية واستعلاء حتى مع حلفائها وأصدقائها. فسجلها حافل بعمليات التجسس والابتزاز السياسي ومحاولات فرض الإرادة على الدول الداعمة لها وكأنها فوق القانون والمساءلة وهي بذلك تقدم نموذجاً لدولة ترى نفسها استثناءً من كل القواعد والمعايير التي تطالب الآخرين باحترامها.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الأوساط الدولية عن فرص للتهدئة والاستقرار تواصل "إسرائيل" سياسة التصعيد الميداني وتسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال الاعتداءات المتكررة والتدمير المنهجي ومحاولات التوسع وفرض السيطرة على المزيد من الأراضي غير آبهة بالاتفاقات أو التفاهمات الدولية فالعقيدة التي تحكم سلوكها السياسي والعسكري لا تقوم على السلام بل على مبدأ الهيمنة وفرض الأمر الواقع بالقوة.
أما على المستوى التاريخي والثقافي فقد سعت "إسرائيل" لعقود طويلة إلى بناء سردية تبرر مشروعها الاستعماري الاستيطاني، مستندة إلى أوهام وأساطير تلمودية جرى توظيفها سياسياً لإضفاء شرعية على الاحتلال.. ورغم الجهود الضخمة التي بذلت في مجال الحفريات والبحث الأثري على مدى عقود طويلة استمرت النقاشات والخلافات بين المؤرخين وعلماء الآثار حول العديد من الروايات التاريخية التي استخدمت لتبرير السياسات التوسعية... وقد أجمع علماء الآثار عدم وجود أي أثر عبراني على امتداد الأرض الفلسطينية من شمالها إلى جنوبها، ومن غربها الى شرقها، الأمر الذي يؤكد أن التاريخ لا يمكن مصادرته أو اختراعه لخدمة مشروع سياسي معين...
ومن أخطر مظاهر التطرف الإسرائيلي في السنوات الأخيرة استخدام تهمة "معاداة السامية" كسلاح سياسي لإسكات كل صوت حر ينتقد الاحتلال أو يفضح الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها الكيان الصهيوني. فكل شخصية سياسية أو إعلامية أو أكاديمية أو نقابية، تتجرأ على كشف الحقيقة، أو الدفاع عن الحقوق الفلسطينية تجد نفسها عرضة لحملات تشويه واتهامات جاهزة في محاولة واضحة لخلط الأوراق بين انتقاد السياسات "الإسرائيلية" وبين الكراهية الدينية أو العرقية.. وهذه الممارسة لا تتناقض مع حرية الرأي والتعبير، فحسب، بل تسيء أيضاً إلى ضحايا العنصرية والفاشية الحقيقيين، عبر توظيف معاناتهم لأهداف سياسية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في العدوان العسكري "الإسرائيلي" بل في الفكر المتطرف الذي يبرر هذا العدوان ويمنحه الغطاء السياسي والإعلامي، فحين تتحول القوة إلى أداة لإلغاء الآخر، وحين يصبح القتل الجماعي والتدمير والتجويع والتهجير وسائل مقبولة لتحقيق الأهداف السياسية، فإن الإنسانية بأسرها تكون أمام تحدٍ أخلاقي وحضاري كبير.
إن المطلوب اليوم من المجتمع الدولي عدم الاكتفاء بإصدار بيانات التنديد، أو الدعوات العامة للتهدئة، بل اتخاذ مواقف جادة ومسؤولة تضع حداً لسياسة الإفلات من العقاب، وتعيد الاعتبار للقانون الدولي، ولمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.. فاستمرار التغاضي عن الحروب العدوانية "الإسرائيلية" المتنقلة، التي لا يهدد الفلسطينيين واللبنانيين وحدهم بل يهدد منظومة القيم الإنسانية برمتها ويشجع على انتشار منطق القوة والتطرف في العلاقات الدولية.
لقد أثبتت التجارب أن الاحتلال لا يمكن أن يصنع سلاماً وأن العدالة وحدها هي الطريق الحقيقي نحو الاستقرار أما الرهان على القوة والقهر وطمس الحقائق فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الصراعات والتوترات.. وسيبقى شاهداً على فشل المشروع "الإسرائيلي" في تحقيق الأمن الذي يدّعي السعي إليه لأنه تجاهل دائماً حقيقة ثابتة مفادها أن الشعوب لا تتخلى عن حقوقها، وأن إرادة الحرية أقوى من كل أدوات القمع والإرهاب والتوحش والاحتلال.
*باحث وكاتب سياسي/فلسطين
الاحد 14 حزيران 2026