قائمة الموقع

دونالد ترمب.. بين دهاء المراوغة ومخاطر تقويض الثقة الدولية

2026-06-12T13:44:00+03:00
يوسف أبو سامر موسى*

من الصعب على أي متابع للشأن الدولي، أن يتعامل مع شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق القواعد التقليدية، التي اعتاد عليها العالم، في قراءة سلوك رؤساء الولايات المتحدة. فالرجل لم يكن مجرد رئيس يتخذ قرارات مثيرة للجدل بل شكّل حالة سياسية خاصة قامت على قلب المعادلات وإرباك الخصوم والحلفاء على حد سواء، حتى باتت مواقفه المتقلبة جزءًا من منهجه السياسي، وأداة أساسية في إدارة الصراعات والأزمات.

لقد تصدر ترمب خلال سنوات حضوره السياسي المشهد العالمي بكمٍّ هائل من التصريحات المتناقضة والتبدلات المفاجئة والسريعة، في المواقف، الأمر الذي جعل كثيرًا من المحللين والساسة عاجزين عن بناء تقديرات مستقرة تجاه سياساته. فما يقوله اليوم قد يتراجع عنه غدًا، وما يهدد به في الصباح قد يتحول إلى عرض تفاوضي في المساء، لتصبح حالة عدم اليقين والثقة، سمة ملازمة للسياسة الأميركية في عهده.

ولعل أخطر ما أرساه ترمب في العلاقات الدولية هو تعامله مع الالتزامات والاتفاقيات الدولية باعتبارها أدوات مؤقتة تخضع لموازين القوة والمصلحة المباشرة، لا لقواعد القانون الدولي أو الأعراف السياسية المستقرة.

فمنذ وصوله إلى السلطة سعى إلى تكريس مفهوم يقوم على أن القوة هي التي تمنح الشرعية، وأن احترام الدول لا يُنتزع عبر الالتزام بالمواثيق بل عبر القدرة على فرض الإرادة السياسية والاقتصادية بالقوة، أو بالمزيد من القوة، على الآخرين.

وفي هذا السياق لم تتردد إدارته في الانسحاب من اتفاقيات دولية وفرض عقوبات اقتصادية واسعة واستخدام الضغوط المالية والتجارية كسلاح لإخضاع الخصوم والحلفاء معًا وبذلك ساهم في إسقاط الكثير من القواعد التي قامت عليها المنظومة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وفتح الباب واسعا أمام مرحلة جديدة، عنوانها الغموض السياسي والابتزاز الاقتصادي، وتهديد الخصوم بحروب الإبادة.

غير أن هذه السياسة القائمة على المراوغة وتقلب المواقف، لم تكن بلا أثمان على الولايات المتحدة نفسها. فمن جهة أدت إلى تراجع مستوى الثقة الدولية بالالتزامات الأميركية، وأثارت شكوك الحلفاء قبل الخصوم، حول مدى ثبات القرار السياسي في واشنطن وإمكانية الاعتماد عليه في المدى البعيد.

فالعلاقات الدولية لا تقوم فقط على القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل تحتاج كذلك إلى المصداقية والثقة المتبادلة، والقدرة على الوفاء بالالتزامات. وعندما يصبح التراجع عن المواقف أو تعديلها بصورة متكررة جزءًا من السلوك السياسي، فإن ذلك يدفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في رهاناتها الاستراتيجية، والبحث عن بدائل وشراكات تقلل من اعتمادها على الولايات المتحدة.

وفي المقابل يرى ترمب وأنصاره أن هذا النهج منح الولايات المتحدة قدرة أكبر على المناورة وفرض حضورها في الساحة الدولية. فمن وجهة نظره، فإن عنصر المفاجأة وعدم القدرة على التنبؤ بالقرار الأميركي يجعلان الخصوم أكثر حذرًا ويجبران الحلفاء على التعامل مع واشنطن بجدية أكبر ويعتقد أن السياسة التقليدية التي حكمت الإدارات السابقة قيّدت الولايات المتحدة بقيود دبلوماسية وقانونية بينما أتاح نهجه التحرر من تلك القيود وإظهار القوة الأميركية بصورة أكثر فاعلية في حماية المصالح الوطنية.

ومن هنا يمكن فهم سبب وصفه من قبل كثير من المراقبين بأنه أحد أكثر الرؤساء الأميركيين دهاءً في استخدام عنصر المفاجأة، فالرجل لا يسعى دائمًا إلى إقناع الآخرين بموقف ثابت بقدر ما يسعى إلى إبقائهم في حالة ترقب دائم وتحويل التناقض ذاته إلى أداة من أدوات القوة والتأثير وهذه السمة تحديدًا هي التي أربكت مراكز الدراسات وأجهزة الاستخبارات ودوائر صنع القرار في مختلف أنحاء العالم.

ورغم المواقف التي يعتبرها كثيرون عدوانية تجاه شعوب المنطقة والدعم غير المحدود الذي وفرته الإدارات الأميركية المتعاقبة للمشروع الصهيوني وما نتج عنه من حروب ومجازر بحق الشعب الفلسطيني، فإن قراءة شخصية ترمب السياسية تفرض الاعتراف بأنه يمتلك قدرة استثنائية على إدارة الصراع النفسي والإعلامي فهو يدرك جيدًا كيف يجعل خصومه في حالة ترقب دائم وكيف يستخدم الغموض والتقلب كجزء من أدوات التفاوض والضغط.

لكن المفارقة الأبرز تكمن في أن الهيبة القائمة على الخوف وعدم اليقين قد تحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة، إلا أنها قد تؤدي في المقابل إلى إضعاف النفوذ الاستراتيجي طويل الأمد الذي يُبنى عادة على الثقة والاستقرار والقدرة على بناء التحالفات وثباتها. فالقوة العظمى لا تُقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية أو نفوذها الاقتصادي بل أيضًا بمدى ثقة الآخرين بوعودها والتزاماتها.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي سيبقى محل نقاش بين الباحثين والمؤرخين: هل نجح ترمب في تعزيز مكانة الولايات المتحدة العالمية أم أنه استبدل رصيدًا تاريخيًا من الثقة الدولية برصيد من القلق والترقب وعدم اليقين؟

إن ما شهدناه في العديد من الملفات الدولية ومنها ما يتعلق بالشرق الأوسط وإيران يؤكد هذه الحقيقة. فبين التهديد والوعيد من جهة، وبين فتح أبواب التفاوض أو إطلاق رسائل التهدئة من جهة أخرى، تتبدل المواقف بسرعة تجعل المتابع عاجزًا عن الجزم بما إذا كان يتعامل مع استراتيجية مدروسة أم مع تكتيكات آنية متغيرة باستمرار، غير أن النتيجة في الحالتين واحدة: حالة عالمية من الحيرة والترقب وعدم القدرة على التنبؤ.

لذلك، إذا أراد المؤرخون يومًا إعداد قائمة للرؤساء الأميركيين الأكثر تأثيرًا في تغيير قواعد السلوك السياسي التقليدي، فإن اسم دونالد ترمب سيتصدر تلك القائمة بلا شك، ليس فقط بوصفه شخصية مثيرة للجدل، بل باعتباره رئيسًا أعاد تعريف مفهوم المناورة السياسية على المستوى الدولي وجعل من الغموض والتقلب وسيلتين لإدارة النفوذ الأميركي في عالم مضطرب ومتغير.

لقد نجح ترمب في أن يكون ظاهرة سياسية استثنائية سواء اتفق معه العالم أم اختلف وسيبقى نموذجًا لرئيس كسر كثيرًا من القواعد التي حكمت السياسة الأميركية لعقود طويلة، وترك بصمة ستظل موضع نقاش ودراسة لسنوات قادمة باعتبارها تجربة جمعت بين الجرأة السياسية والدهاء التكتيكي من جهة، وبين ما حملته من تحديات وإشكاليات عميقة على صورة الولايات المتحدة ومكانتها الدولية من جهة أخرى!..

-----------------------------

* باحث وكاتب سياسي/فلسطين.

الجمعة 12 حزيران 2026

اخبار ذات صلة