قائمة الموقع

بين تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود محور المقاومة والتحالفات الشرقية

2026-05-22T15:02:00+03:00
يوسف أبو سامر موسى*

تشهد المنطقة والعالم مرحلة سياسية شديدة التعقيد تتداخل فيها الملفات العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية وسط تراجع واضح في قدرة الولايات المتحدة على فرض مشروعها السياسي بالقوة مقابل صعود قوى دولية وإقليمية نجحت في فرض معادلات جديدة أعادت تشكيل التوازنات الدولية، وما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران، وبين الصين وروسيا من جهة والإدارة الأمريكية من جهة أخرى يؤكد أننا أمام مخاض دولي قد يفضي إلى نهاية مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية.

لقد أظهرت المفاوضات بين إيران  والولايات المتحدة حالة من التردد والتعثر  مع تسجيل بعض التقدم المحدود الذي لا يرتقي إلى مستوى التفاهمات الكبرى واهمها الملف النووي ومضيق هرمز..  فواشنطن تدرك أن الذهاب إلى مواجهة شاملة مع إيران يحمل مخاطر استراتيجية هائلة ليس فقط على مستوى المنطقة بل على الاقتصاد العالمي بأسره خصوصاً في ظل قدرة إيران على تهديد خطوط الطاقة والتأثير في أمن الملاحة الدولية وفي المقابل تبدو طهران أكثر ثقة بقدراتها السياسية والعسكرية مستفيدة من شبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية ومن فشل سياسة الحصار والعقوبات في إخضاعها.

وفي هذا السياق جاءت زيارة دونالد ترمب  إلى الصين  والتي كانت تهدف إلى إعادة تثبيت الحضور الأمريكي ومحاولة انتزاع تنازلات استراتيجية من بكين إلا أن النتائج جاءت معاكسة للطموحات الأمريكية، فقد رفضت الصين إدراج قضية تايوان على جدول البحث وفق الرؤية الأمريكية وأكدت تمسكها بسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها كما شددت على حق إيران المشروع في الدفاع عن نفسها وعن سيادتها الوطنية  ما شكل رسالة سياسية واضحة بأن بكين باتت لاعباً دولياً لا يقبل الإملاءات الأمريكية بل شريكاً أساسياً في إعادة رسم النظام العالمي الجديد.

أما زيارة فلاديمير بوتين إلى الصين فقد حملت أبعاداً استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي حيث تم الإعلان عن تفاهمات واستثمارات واسعة تشمل مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتعاون العسكري والتبادل التجاري وهذه الزيارة تؤكد أن موسكو وبكين تعملان على بناء محور دولي متكامل قادر على مواجهة الضغوط الغربية وكسر الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد والسياسة الدولية. كما أن هذا التقارب يعكس إدراكاً روسياً وصينياً بأن الصراع مع واشنطن لم يعد موضعياً أو مؤقتاً بل صراع طويل على شكل النظام العالمي المقبل.

وفي تطور بالغ الخطورة جاءت التجربة الروسية الجديدة وإطلاق صاروخ عابر للقارات يحمل قدرات استراتيجية متطورة ليؤكد أن موسكو انتقلت إلى مرحلة رفع مستوى الردع العسكري المباشر في مواجهة الغرب فهذا التطور لا يمكن فصله عن الصراع المفتوح بين روسيا وحلف شمال الأطلسي ولا عن الرسائل التي أرادت موسكو إيصالها لواشنطن والعواصم الغربية بأن أي محاولة لمحاصرة روسيا أو كسرها عسكرياً ستواجه بردع استراتيجي قادر على تغيير موازين القوى الدولية.

إن الإعلان الروسي عن تطوير واختبار منظومات صاروخية عابرة للقارات يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري فهو رسالة سياسية تؤكد أن العالم دخل فعلياً مرحلة سباق الردع الاستراتيجي من جديد وأن موسكو لن تسمح بفرض معادلات أحادية عليها أو على حلفائها، كما أن هذا التطور يمنح حلفاء روسيا وفي مقدمتهم إيران والصين هامشاً أوسع للمواجهة السياسية والعسكرية في وجه الضغوط الأمريكية ويؤشر إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعداً في التحالفات الشرقية مقابل تراجع القدرة الأمريكية على التفرد بالقرار الدولي.

وفي موازاة ذلك تبدو الإدارة الأمريكية في حالة تخبط سياسي وعسكري واضح بعد فشلها في تحقيق أهدافها تجاه إيران فكل التهديدات العسكرية لم تستطع فتح مضيق هرمز بالقوة أو فرض الاستسلام على طهران كما أن واشنطن اكتشفت أن أي حرب شاملة ستشعل المنطقة بأكملها وتهدد المصالح الأمريكية والغربية بشكل غير مسبوق.

كما كشفت التسريبات عن توتر واضح في المحادثات بين ترامب و نتينياهو نتيجة اختلاف الحسابات والأهداف حيث يدرك بعض أركان الإدارة الأمريكية أن الكيان الصهيوني يحاول دفع واشنطن نحو حرب شاملة تخدم مصالحه الخاصة فيما تخشى الولايات المتحدة من تداعيات الانزلاق إلى مواجهة غير مضمونة النتائج، وفي الداخل الأمريكي جاء قرار الكونغرس بتقييد أي إجراء عسكري ضد إيران دون موافقة مسبقة ليعكس حجم الانقسام والقلق داخل المؤسسة السياسية الأمريكية فهذا القرار يحمل دلالات عميقة أبرزها تراجع الثقة بقدرة الإدارة الأمريكية على إدارة حرب ناجحة والخشية من تكرار سيناريوهات العراق وأفغانستان إضافة إلى إدراك متزايد بأن إيران ليست دولة معزولة بل تمتلك أوراق قوة وتحالفات تجعل أي حرب معها مكلفة ومدمرة.

وفي محاولة للهرب من الفشل في الشرق الأوسط عاد ترامب إلى سياسة التهديد تجاه كوبا وكأن الإدارة الأمريكية تبحث عن ساحة بديلة تحقق فيها انتصاراً معنوياً يعوض الإخفاقات المتراكمة في المنطقة إلا أن هذه السياسة تعكس حجم الأزمة التي تعيشها واشنطن وتراجع قدرتها على فرض إرادتها حتى في مناطق النفوذ التقليدية.

أما بخصوص قرار وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على برلمانيين وأمنيين لبنانيين ومسؤولين محسوبين على حركة أمل فهو يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الإطار المالي أو القانوني فهذه العقوبات تبدو رسالة ضغط مبكرة موجهة إلى الداخل اللبناني بهدف منع أي موقف سياسي أو أمني يعارض المسار الذي تعمل واشنطن على فرضه من خلال الحكومة اللبنانية وبعض القوى الرسمية وخاصة في ما يتعلق بالمفاوضات الجارية والمتوقعة في التاسع والعشرين من أيار.

كما تعكس هذه العقوبات محاولة أمريكية لتطويع المؤسسات اللبنانية وإخضاعها لمنطق الابتزاز السياسي عبر استهداف شخصيات تعتبرها واشنطن قادرة على التأثير في القرار الوطني اللبناني أو في معادلة العلاقة مع المقاومة.

وفي المقابل، تشير التطورات الميدانية إلى أن حزب الله ما زال يمتلك قدرة كبيرة على إرباك الكيان الصهيوني رغم حجم الضغوط والحصار والاستهدافات وقد أظهرت المرحلة الأخيرة تطوراً واضحاً في أساليب المواجهة سواء من خلال استخدام المسيّرات الدقيقة أو العمليات النوعية التي أربكت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كما أن عملية الاقتحام التي نفذها أحد مقاتلي الحزب وأدت إلى مقتل ضابط إسرائيلي ثم انسحابه بسلام شكلت ضربة معنوية وأمنية كبيرة للجيش الإسرائيلي وأكدت أن المقاومة ما زالت قادرة على المبادرة والعمل خلف خطوط العدو رغم كل الإجراءات الأمنية والتكنولوجية واللافت أن تصريحات عدد من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي عكست حجم الأزمة النفسية والمعنوية داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية حيث بات الحديث يدور بشكل متزايد عن فقدان الردع وصعوبة مواجهة حرب استنزاف طويلة مع المقاومة في لبنان والمنطقة.

إن كل هذه المؤشرات تدفع إلى التساؤل: هل نحن أمام بداية مرحلة الهزيمة الاستراتيجية للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة؟

هذا السؤال لم يعد يطرح فقط داخل محور المقاومة بل بدأ يتردد داخل مراكز الفكر الغربية نفسها، فقد عبّر روبرت كاغان أحد أبرز منظري المحافظين الجدد في الولايات المتحدة عن قلقه العميق من تراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط معتبراً أن إيران قد تخرج من هذه المواجهة أكثر قوة ونفوذاً وأن واشنطن تواجه خطر فقدان قدرتها على التحكم بمسارات المنطقة.

إن المرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على تحولات كبرى عنوانها الأبرز تراجع الأحادية الأمريكية وصعود عالم متعدد الأقطاب تتقدم فيه قوى الشرق ومحور المقاومة لفرض معادلات جديدة، وفي ظل هذه التحولات تبدو المنطقة أمام لحظة تاريخية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات السياسية والعسكرية لعقود قادمة.

*باحث وكاتب سياسي/ فلسطين.

 الجمعة 22 أيار 2026

اخبار ذات صلة