مع قرب التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، تستعدّ المنطقة كلّها لدخول عهد جديد مختلف عن ذلك الذي عاشته منذ الثورة الإسلامية في إيران، التي يُفترض، مع التقدّم نحو الاتفاق النهائي خلال 30 إلى 60 يوماً، أن تكون متحرّرة من العقوبات والحصار والحروب، للمرّة الأولى منذ عام 1979. ويأتي هذا التحرّر بعدما ظلّت، منذ التاريخ المذكور، مُعرَّضة لكلّ ما أشيرَ إليه، بدءاً من الحرب العراقية – الإيرانية ما بين عامَي 1980 و1988، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية – الأميركية الأخيرة عليها، والتي كان يؤمل أن توجّه ضربة قاضية إلى نظام طهران.
وعلى الرغم من أنه يصعب التكهّن من الآن بما سيكون عليه شكل النظام الإقليمي بعد الاتفاق، والأدوار التي ستقوم بها الدول المعنيّة تحت مظلّته، إلا أن الأكيد أن هذا النظام سيعكس ميزان القوى القائم في لحظة توقيع مذكّرة التفاهم، وفي أساسه أن أميركا وإسرائيل لم تستطيعا تحقيق أهداف الحرب بالقوة.
ولأن هذه الأهداف هي في العمق إسرائيلية، فإن تل أبيب ستكون الخاسر الأوّل في الاتفاق، في حين يمكن لواشنطن الخروج بمكاسب اقتصادية من المشاريع التي ستُطلَق بعد الحرب، ولا سيما في قطاع الطاقة الإيراني، الذي لم تمانع طهران أصلاً، في أيّ تسوية كان يمكن أن تحصل قبل الحملة العسكرية عليها، أن تكون الولايات المتحدة طرفاً في استثماراته.
على أن خسارة إسرائيل ليست بالمعنى الذي تحاول هي الترويج له، أي بقاء التهديد الوجودي الإيراني مُصْلَتاً عليها، وإنما بمعنى إنهاء طموحها في الهيمنة على الشرق الأوسط، وإقامة منظومته الأمنية تحت عباءتها، ومنعها من تهديد دول الشرق الأوسط بالقوة الأميركية.
الوضع الجديد الذي سينشأ الآن كان يمكن أن يكون بدأ عام 2015، عند التوصّل إلى الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما، لولا أن مزّقه ترامب خلال ولايته الأولى عام 2018، بتحريض من رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو. واحتاج الأمر إلى 8 سنوات، بدأت بالضغوط الاقتصادية القصوى، وانتهت بالحروب، حتى يقتنع ترامب بفشل استراتيجيته إزاء إيران، وذلك نتيجة الأثر الذي كان يمكن للحرب، لو استمرّت أكثر، أن تتركه على مشروعه داخل الولايات المتحدة.
وتعكس الموافقة الأميركية على مذكّرة التفاهم حقيقة أن الاستمرار في الانجرار خلف نتنياهو، صار يحمل مخاطر أكبر من أيّ مكاسب انتخابية يمكن أن يوفّرها للجمهوريين اللوبي المؤيّد للحكومة الإسرائيلية في الولايات المتحدة، أو مكاسب مالية لترامب وجماعته من التحالف الذي يضمّ بعض أغنى أغنياء أميركا والعالم.
فثمّة حكام لدول نفطية كبرى في الخليج، وقطاعات اقتصادية واسعة في أميركا وخارجها، صاروا متضرّرين من استمرار الحرب، وعلى رأسهم كبريات شركات النفط الأميركية التي تسيطر على نفط الخليج، وقد يتيح لها الاتفاق التوسّع نحو نفط إيران وغازها، في حين قد تسبّب لها الحرب خسارة استثماراتها القائمة بالفعل في الدول الخليجية. وربّما هذا ما قصده ترامب حينما وضع على منصّته «تروث سوشال» منحنًى بيانياً لمؤشر «داو جونز»، يُظهِر تحقيقه قفزة كبيرة بعيد إعلان ساكن البيت الأبيض قرب توقيع مذكّرة التفاهم.
في المقابل، لا يبدو من الدقّة في شيء محاولة تصوير العهد الجديد في المنطقة بأنه عهد سيطرة إيران على الخليج. لكن من الطبيعي أن تكون للأخيرة، بعد تحرّرها من الحصار والحروب، مشاركة أكبر في إعادة هيكلة المنظومة الأمنية في المنطقة، كما من الطبيعي أن تتحوّل العلاقات بينها وبين الجوار الخليجي إلى الإيجابية، ما عدا مع من يستمرّ في المراهنة على محاولات إسرائيلية قد تتجدّد لاستهداف طهران بشكل أو آخر، وهي الحال التي كانت عليها أبو ظبي في الحرب الأخيرة.
وهنا، سيتعيّن على الإمارات أن تقبل أنها على الجانب الخاسر في هذه الحرب؛ وأن دورها السلبي المتضخّم في قضايا المنطقة، قد يتعرّض للتقليص، بل سيكون عليها أن تعطي أجوبة لإيران وربّما لغيرها عن واقع علاقتها الحميمة بإسرائيل، وكيف تضمن لطهران أو غيرها أن لا تؤثّر تلك العلاقة على أمنها القومي.
هذا الواقع الجديد في المنطقة، قد يكون هو مغزى ما أشار إليه ترامب في منشوره من أنه تحدّث قبل الاتفاق مع قادة كلّ دول الشرق الأوسط المعنيّة بالأزمة، ثمّ تحدّث مع نتنياهو. فهؤلاء جميعاً كانوا بحاجة، بطرق مختلفة، إلى توضيحات، وربّما تبريرات، للتراجع عن مواصلة الحرب. ولكنّ ترامب، في الواقع، نطق عنهم، ولا سيما منهم نتنياهو، سواءٌ أعجبهم أم لم يعجبهم، ولا سيما أن الاتفاق عبارة عن مذكّرة تفاهم وليس اتفاقاً نهائياً، وهو ما يمثّل نقطة لصالح إيران، مهما كانت بنود المذكّرة، وحتى لو تضمّنت التزامات إيرانية عامة في الملفّ النووي.
فذلك يعني أن الولايات المتحدة هي التي تراجعت عن الإصرار على التوصّل إلى صفقة نهائية قبل وقف الحرب. كما يعني أن إيران ستكون في موقع قوي خلال مفاوضات الـ30 – 60 يوماً، وستظلّ في موقعها القوي هذا في ما لو فشلت هذه المفاوضات، أو حتى في ما لو لم يتم توقيع مذكّرة التفاهم نفسها. (المصدر: الأخبار)