وكالة القدس للأنباء - متابعة
تعقد حركة «حماس» انتخاباتها الداخلية في ظلّ ظروف استثنائية وشديدة الحساسية، فرضتها تداعيات سنوات الإبادة الثلاث. ويتصدّر تلك التداعيات اغتيال قادة الصفَّين الأول والثاني في الحركة، وتدمير 90% من قطاع غزة الذي كان يعدّ الإقليم الأكثر نفوذاً وتأثيراً في صناعة قرار «حماس» وموقفها السياسي، ومثّل خلال العشرين عاماً الأخيرة الكفّة الأثقل في توجيه الأحداث وتصدير ردود الأفعال والمواقف على المستجدات الداخلية والإقليمية التي تحدّد تموضع «حماس»، وترسم منسوب الهدوء أو التوتر لأيام أو أسابيع أو حتى سنوات.
وتأتي الدورة الانتخابية الحالية - التي انتهت فعلياً عام 2025 قبل أن تُمدّد استثنائياً لعام إضافي -، في ظلّ اغتيالات طاولت رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، وخليفته يحيى السنوار، إضافة إلى نائب رئيس المكتب السياسي ومسؤول الضفة الغربية صالح العاروري. وفي أعقاب هذه الاغتيالات، شُكّل مجلس قيادة استثنائي - بتوجيه من الشهيد السنوار -، مهمّته إدارة المعركة السياسية والميدانية ومتابعة شؤون الحركة، في حال تعذّر التواصل مع السنوار أو استشهاده.
ومع دوران العجلة الانتخابية خلال المدة الماضية، ووسط إجراءات أمنية صارمة واستثنائية، أتمّت «حماس» في الأقاليم الثلاثة، أي غزة والضفة الغربية والخارج، عقد انتخاباتها الداخلية المنوط بها «ملء الشواغر»، أي إعادة تعيين قادة الساحات الخارجية، التي كانت تدار من قيادات تمّ تعيينها استثنائياً.
ووفقاً لمصادر «حمساوية» مطلعة تحدثت إلى «الأخبار»، فقد أجريت الانتخابات في مناطق القطاع كافة، وتمّ انتخاب قادة جدد للشعب والمحليات والأقاليم. وأسفرت هذه العملية عن اختيار القيادي خليل الحية مسؤولاً للحركة في غزة، فيما تمّ انتخاب زاهر جبارين مسؤولاً لساحة الضفة، وخالد مشعل مسؤولاً في الخارج.
وتُعدّ تلك الانتخابات تمهيداً لاختيار رئيس المكتب السياسي للحركة، الذي ينحصر التنافس على منصبه الآن، بحسب المصادر، بين خليل الحية وخالد مشعل، علماً أن القطاع حسم اختيار مسؤول آخر لإقليم غزة خلفاً للحية، في حال انتُخِب الأخير رئيساً للمكتب السياسي.
ويمكن القول إن الانتخابات الحالية هي الأكثر استثنائية وحساسية في تاريخ حركة «حماس». إذ أن القيادة الجديدة المنتظرة للحركة ستكون معنيّة باتخاذ قرارات مصيرية ذات صلة بمستقبل قطاع غزة، وبتموضع حركة «حماس» وسط الاستقطاب الإقليمي الجديد على خلفية الحرب على إيران ومحور المقاومة. وعلى الصعيد الغزي تحديداً، ثمّة عدد من الاستحقاقات والظروف التي تفرض نفسها على الواقع «الحمساوي»، لعلّ أبرزها ما يلي:
- فقدت المقاومة في غزة قوة تأثيرها في توازنات الحركة الداخلية بعد اغتيال كبار قادة «القسام» التاريخيين الذين كانت ترجّح أصواتهم وقراراتهم كفة الميزان. فكما أن فوز السنوار في دورتَي الانتخابات السابقتَين (عام 2016 و 2020) مثّل ترجمة لسيطرة التيار العسكري وخصوصاً للأسرى المحرّرين، وأسهم في انتقال كامل الثقل السياسي إلى غزة، فإن فقدان هذه الكتلة الصلبة سيشكّل اختلالاً في الموازين الداخلية.
- المطلوب من قائد المكتب السياسي للحركة اليوم، عبور أكثر المراحل السياسية صعوبة في تاريخ «حماس» والقضية الفلسطينية عموماً؛ فعلى الصعيد الداخلي، تقف الحركة اليوم على مفترق طرق يتعلّق بنزع سلاح المقاومة، والذي يعني نزع شرعية الوجود والتمدّد الجماهيري. وإذا كان من الضروري لـ«حماس» أن تحافظ على شرعية بقائها المتمثّل في المقاومة وسلاحها، فهي تجد نفسها معنيّة أيضاً بالحيلولة دون تجدّد الحرب في القطاع، خصوصاً لما يضمره رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، وفريق المتطرّفين في حكومته من نوايا إحياء مشروع التهجير بذريعة السلاح.
وفي ظلّ هذه الأوضاع، وفي انتظار ما سيؤول إليه التنافس، الذي تفيد المصادر «الحمساوية» بأن حسمه بات قريباً، تستمرّ الحركة ومعها بقية فصائل المقاومة في المناورة إزاء الضغوط الأميركية عليها، والهادفة إلى انتزاع آخر أوراق القوة منها، من دون ضمان تحقيق مطالبها، وعلى رأسها الانسحاب الإسرائيلي من غزة.
(المصدر: الأخبار اللبنانية)
