يوسف أبو سامر موسى*
لم يكن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وما رافقه من تصعيد في لبنان حدثاً عابراً في سياق الصراع الإقليمي، بل محطة مفصلية تعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا بعد؟
سقوط مشروع الشرق الأوسط الأمريكي
تشير مجريات المواجهة الأخيرة إلى تآكل واضح في مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الذي سعت واشنطن إلى تكريسه لعقود، عبر الهيمنة السياسية والعسكرية وفرض وقائع جديدة تخدم المصالح الإسرائيلية. إلا أن صمود إيران، وتماسك حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان، أسقط فرضية الحسم السريع، وأعاد تثبيت معادلة ردع جديدة قائمة على توازن القوة، لا التفوق المطلق.
تحولات استراتيجية عميقة
فما بعد العدوان ليس كما قبله. فإيران لم تكتفِ بالصمود، بل نجحت في إدارة معركة متعددة المستويات: عسكرية، اقتصادية، ونفسية. وكذلك، أثبت حزب الله أنه لا يزال رقماً صعباً في المعادلة اللبنانية والإقليمية، قادراً على الصمود والمبادرة، رغم الضغوط الداخلية والخارجية.
هذه المواجهة كرّست تحولاً استراتيجياً يتمثل في الانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة فرض التوازن، وهو ما ينعكس على سلوك الأطراف كافة في المرحلة المقبلة.
تثبيت قاعدة “وحدة الساحات”.
ومن أبرز ما أفرزته الحرب هو تثبيت قاعدة “وحدة الساحات”، حيث لم يعد بالإمكان عزل أي جبهة عن الأخرى، أو استفرادها. فما يجري في إيران يرتبط بلبنان، وما يحدث في غزة أو البحر الأحمر يتقاطع مع حسابات أوسع. هذه القاعدة أعادت تعريف الصراع، وجعلت أي مواجهة شاملة تحمل مخاطر إقليمية واسعة، وهو ما فرض على الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة حساباتهما.
مضيق هرمز وباب المندب: أوراق القوة الإيرانية
أدركت إيران أهمية أدوات الضغط غير التقليدية، فلوّحت بورقة مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، ما شكّل ضغطاً اقتصادياً على الولايات المتحدة وحلفائها، ودفع المجتمع الدولي إلى التحرك خشية الانزلاق نحو أزمة طاقة عالمية.
وفي السياق ذاته، جاءت الرسالة المرتبطة بباب المندب لتؤكد أن إيران قادرة على توسيع دائرة التأثير، وإرباك الملاحة المرتبطة بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية، ما يعزز موقعها التفاوضي ويمنحها أوراق قوة إضافية.
ارتدادات داخلية في واشنطن وتل أبيب.
لم تمر هذه المواجهة دون تداعيات داخلية على طرفي العدوان. فالإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، وجدت نفسها أمام أزمة متفاقمة، سواء على مستوى الانقسام الداخلي أو تراجع ثقة الحلفاء. كذلك، فإن القيادة الإسرائيلية واجهت تحديات غير مسبوقة، مع تزايد الانتقادات لسياسات بنيامين نتنياهو، واتهامه بالمغامرة غير المحسوبة.
هذه الارتدادات تعكس فشل الرهان على القوة وحدها، وتؤشر إلى تصدع في بنية التحالفات التقليدية.
الدور الصيني الروسي
لا يمكن فصل ما جرى عن الحضور المتنامي لكل من الصين وروسيا، اللتين لعبتا دوراً غير مباشر في دعم إيران، سياسياً واقتصادياً، ما ساهم في تعميق الأزمة الأمريكية. هذا التوازن الدولي الناشئ يعزز من فرص قيام نظام عالمي متعدد الأقطاب، ويحدّ من قدرة واشنطن على فرض إرادتها منفردة.
لبنان: استحقاقات ما بعد وقف النار.
في الداخل اللبناني، يفتح وقف إطلاق النار الباب أمام أسئلة حساسة. هل ستتجه الحكومة إلى خيارات تتجاوز التوازنات الداخلية، كفتح قنوات تفاوض مع الكيان الصهيوني؟ وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى أزمة ميثاقية، خاصة في ظل اعتراض قوى أساسية على هذا المسار؟
كما يبرز ملف القرار 1701 وسلاح حزب الله كأحد أبرز التحديات. فبعد هذه المواجهة، من الصعب تصور قبول الحزب بأي مساس بسلاحه، الذي يعتبره ضمانة الردع الأساسية. وبالتالي، فإن أي محاولة لفرض هذا الملف بالقوة السياسية قد تؤدي إلى توترات داخلية كبيرة.
الحكومة اللبنانية بين الضغط والفرصة
تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في الانصياع للضغوط الأمريكية، أو استثمار التحولات الجديدة لصالح تعزيز السيادة الوطنية. إن إدراج لبنان ضمن سياق المفاوضات الإيرانية–الأمريكية يفتح نافذة يمكن البناء عليها لتخفيف الضغوط، وإعادة صياغة موقع لبنان في المعادلة الإقليمية.
الخلاصة: مرحلة جديدة تتشكل ما بعد وقف إطلاق النار ليس مجرد هدنة، بل بداية لمرحلة جديدة تتشكل فيها موازين القوى على أسس مختلفة. لقد أثبتت المواجهة أن زمن الهيمنة المطلقة يقترب من نهايته، وأن معادلة الردع المتبادل باتت تحكم الإقليم.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح الأطراف في ترجمة هذه التحولات إلى استقرار نسبي، أم أن المنطقة مقبلة على جولات جديدة من الصراع؟ الإجابة ستتحدد بمدى قدرة القوى الفاعلة على قراءة المتغيرات والتكيف معها، بعيداً عن رهانات الماضي.
*كاتب وباحث سياسي /فلسطين.
السبت 18 نيسان 2026
