قائمة الموقع

السابع من أكتوبر وطوفان الأقصى: أثره على رسم التحولات العالمية وكسر السردية الأمريكية–الصهيونية

2026-04-15T10:15:00+03:00
يوسف أبو سامر*

شكّل السابع من أكتوبر لحظة مفصلية في التاريخ السياسي المعاصر، ليس فقط على مستوى الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل على مستوى إعادة تشكيل الوعي العالمي وتوازنات القوى الدولية. فقد مثّل “طوفان الأقصى” نقطة انعطاف حادة، كسرت كثيرًا من المسلمات التي سادت لعقود، وعلى رأسها السردية الأمريكية–الصهيونية التي احتكرت تفسير الصراع ووجهت الرأي العام الدولي وفق رؤيتها الأحادية.

أولى هذه التحولات تجلّت في أوروبا، حيث بدأت ملامح تغير استراتيجي بالظهور، مع صعود قوى سياسية معارضة في بعض الدول، مثل المجر، بما يعكس تراجعًا في الانصياع المطلق للسياسات الأمريكية. هذا التحول لا يمكن فصله عن تداعيات السابع من أكتوبر، الذي أعاد فتح النقاش داخل المجتمعات الأوروبية حول حقيقة ما يجري في فلسطين، وفضح التناقض بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية.

لقد أسهمت أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب مدمرة على غزة في إحداث شرخ عميق في الوعي الأوروبي، الذي طالما انحاز للرواية الصهيونية. مشاهد الدمار الواسع، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا بين شهيد وجريح، كشفت بوضوح طبيعة السياسات الإسرائيلية القائمة على الإبادة الجماعية، وأحرجت الحكومات الأوروبية أمام شعوبها. ونتيجة لذلك، شهدنا تحولًا تدريجيًا في المزاج الشعبي الأوروبي، باتجاه تعاطف أكبر مع القضية الفلسطينية، مدفوعًا بصور المعاناة الإنسانية التي لم يعد بالإمكان تجاهلها أو تبريرها.

هذا التحول لم يكن عاطفيًا فحسب، بل اتخذ طابعًا فكريًا وسياسيًا، حيث بدأت النخب الأوروبية بإعادة تقييم موقفها من إسرائيل، والاعتراف بأن ما يجري يتجاوز حدود “الدفاع عن النفس” إلى ممارسات ممنهجة تنتهك القانون الدولي. وقد لعبت المقاومة الفلسطينية دورًا محوريًا في هذا التحول، إذ نجحت في إعادة تعريف نفسها عالميًا كحركة تحرر وطني، بدلًا من الصورة النمطية التي سعت السردية الأمريكية–الصهيونية لترسيخها.

أما في الولايات المتحدة، فقد بدت آثار هذا التحول أكثر تعقيدًا، لكنها لا تقل أهمية. فقد شهد الداخل الأمريكي تصدعات غير مسبوقة في دعم إسرائيل، خاصة داخل الأوساط الأكاديمية والشبابية، وحتى داخل بعض دوائر صنع القرار. لم تعد الرواية التقليدية قادرة على الصمود أمام حجم التوثيق والحقائق المتداولة، ما أدى إلى تراجع نسبي في قدرة التيار الصهيوني على فرض رؤيته دون معارضة.

في هذا السياق، جاءت سياسات دونالد ترامب لتزيد من حدة التوترات الدولية، حيث اتسمت بنزعة فوقية واستعلائية تجاه الحلفاء قبل الخصوم. فقد تعامل مع أوروبا وحلف الناتو بروح استهزائية، ما أدى إلى تآكل الثقة بين الولايات المتحدة وشركائها التقليديين. ولم تتوقف تداعيات هذه السياسات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل مواقف متشددة تجاه المسلمين، وخطابًا تصعيديًا اتسم بالعدائية والتعميم، الأمر الذي عمّق الفجوة الحضارية وأثار انتقادات واسعة على المستوى الدولي.

كما تجاوز هذا النهج حدود السياسة إلى المساس بالرمزيات الدينية العالمية، حيث دخل في سجال حاد مع البابا فرنسيس على خلفية مواقفه غير المؤيدة لبعض سياسات ترامب، لا سيما ما يتعلق بالحروب والتوترات في الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران ولبنان. وقد بلغ هذا التوتر ذروته في سلوكيات اعتُبرت مسيئة، من بينها نشر صور ذات طابع ساخر تُظهره في هيئة رمزية دينية، وهو ما فُسّر على نطاق واسع باعتباره استهتارًا بالمؤسسة الدينية المسيحية ومكانتها العالمية، وأثار ردود فعل غاضبة في الأوساط الدينية والفكرية.

وفي سياق أوسع، تعكس هذه الممارسات توجهًا قد يقود، في حال استمراره، إلى نتائج عكسية على مكانة الولايات المتحدة عالميًا. إذ تشير المؤشرات إلى أن هذا النمط من السياسات قد يساهم في تسريع تفكك الهيمنة الأمريكية، وتعميق عزلتها الدولية، في ظل تزايد رفض الدول الانخراط في نهج أحادي يتجاهل خصوصيات الشعوب وثقافاتها. وهو ما قد يفتح المجال أمام نظام دولي أكثر تعددية، تتراجع فيه القدرة الأمريكية على فرض رؤيتها، مقارنة بما كانت عليه خلال العقود الماضية.

وقد تجلّت بوادر التمرد الأوروبي على هذه السياسات في مواقف بعض الدول، مثل فرنسا وإسبانيا، التي أظهرت قدرًا أكبر من الاستقلالية في قراراتها، ورفضت الانخراط الكامل في السياسات الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية. هذه المؤشرات تعكس بداية تحول في بنية النظام الدولي، نحو تعددية أكثر وضوحًا، وتراجع نسبي في الهيمنة الأمريكية.

من جهة أخرى، ساهمت التطورات الميدانية في فلسطين ولبنان في كسر صورة المقاومة كحركات منغلقة أو ذات طابع طائفي، حيث برزت نماذج إنسانية عابرة للانتماءات، بما في ذلك مشاركة أفراد من خلفيات دينية مختلفة في مواجهة الاحتلال. هذا التنوع أعاد صياغة مفهوم المقاومة في الوعي العالمي، كحالة إنسانية شاملة تتجاوز الانقسامات التقليدية.

في المحصلة، يبدو أن العالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، تتسم بإعادة توزيع موازين القوة، وتآكل السرديات التقليدية التي حكمت السياسة الدولية لعقود. وعلى المدى القريب، من المتوقع استمرار حالة الاستقطاب، مع تصاعد الضغوط الشعبية على الحكومات الغربية لتعديل مواقفها. أما على المدى البعيد، فإن هذه التحولات قد تؤسس لنظام دولي أكثر توازنًا، تتراجع فيه الهيمنة الأحادية لصالح تعددية تعكس تنوع المصالح والرؤى.

إن السابع من أكتوبر لم يكن مجرد حدث عابر، بل لحظة تاريخية أعادت تشكيل الوعي العالمي، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع والتغيير، ستظل تداعياتها حاضرة لسنوات قادمة.

*باحث سياسي/ فلسطين.

الثلاثاء 14 نيسان 2026

اخبار ذات صلة