قائمة الموقع

يوم الأسير الفلسطيني: مَن يقدر على إعدام الحرّية؟

2026-04-17T07:41:00+03:00
أيهم السهلي*

تقدّم بعض كلمات الأسرى، وإن كانت في مراحل متباعدة، فهماً لتفكيرهم وهمومهم. هنا نموذجان مُقتطعان من رسالتين لأسيرين:

"إن اهتمامك بدروسك وحرصك على تحصيل شهادة علمية هو واجب وطني وقومي وإنساني، وأي تقصير في هذا الواجب هو خيانة للوطن والأمة والإنسانية. إن على الإنسان أن يعمل من أجل خلق شخصيته ثم يتعامل مع الآخرين من خلالها، وإلا أصبح صفراً أو رقماً من الأرقام دون حياة». كتب القاسم هذا الكلام، وهو سجين منذ عام 1968، وظل في السجن حتى قتله الإهمال الطبي المتعمّد عام 1989 ــــــ من عمر القاسم إلى شقيقه مصطفى مؤرّخة في 1/6/1973.

"العزيزة الغالية أم غسان: تحمّليني فأنت تعرفين... لا أحب أن أكون واعظاً أو كاهناً، خاصة حين يكون الأمر يتعلق بنا، لكن الضرورات والمرحلة التي وصلت صحتك إليها قبل إجراء العملية الجراحية أضاءت مصباح الخطر، وكان لا بد من خرق القاعدة التي تقول «متوصيش حريص»، وفي نفس الوقت فهذا جزء مهم من التواصل العاطفي والوجداني، وليس على حسابه، فالتوازن بين ما هو بيولوجي واجتماعي وإنساني خاص أو عام ضروري حتى لا تكون عواطفنا مجرّد أناشيد حماسية أو ترانيم رومانسية»، ويختمها بالعبارة التالية: «ملاحظة: بلّغوني مؤخراً أنهم مدّدوا عقوبة العزل لشهر آخر تنتهي في 26/5» ــــــ من أحمد سعدات إلى زوجته عبلة الريماوي مؤرّخة في 23/4/2009.

حقائق في "يوم الأسير"

أكثر من 9600 أسير في سجون الاحتلال، بينهم 86 سيدة ونحو 350 طفلاً، وذلك حتى مطلع نيسان 2026، وذلك بحسب بيان مشترك صادر عن نادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، لمناسبة يوم الأسير الفلسطيني الذي تحل مناسبته اليوم، بعد أن أقرّه المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، وظل الفلسطينيون منذ ذلك الحين يحيونه بالفعّاليات والنشاطات، والتذكير بأوضاع الأسرى، وأحياناً بالاشتباك مع الاحتلال عند الحواجز وفي داخل المدن.

يحل هذا اليوم وفي سجون الاحتلال أيضاً أسرى عرب، يشملهم الرقم الكلي، معظمهم من لبنان وسوريا، اعتقلهم الاحتلال منذ 2023 حتى اليوم، هذا مع غياب العدد الدقيق لهم، واحتمال أن يزيدوا في المرحلة المقبلة ولا سيّما أن الاحتلال يخوض اشتباكات في جنوب لبنان ويتوغّل حيث أمكن، كما أنه يتوغّل في الجنوب السوري، ويقتحم بيوت السكان في بعض القرى ويقتاد منها شباناً بذرائع أو من دون.

تشير الأرقام التي شملها البيان إلى أن بين الأسرى 3532 أسيراً وأسيرة، يخضعون للاعتقال الإداري، أي بلا تهمة، بينهم 25 امرأة، و180 طفلاً يقبعون في سجني «عوفر» و«مجدو»، وطفلتان في سجن "الدامون".

ورغم أن «قانون الإعدام» الذي أقرّه كنيست الاحتلال «لن يسري بأثر رجعي»، أي إنه لن يشمل الأسرى الحاليين في السجون لكنّه سيُطبّق على الوقائع اللاحقة لدخوله حيّز التنفيذ. أمّا في ما يتعلق بأسرى «7 أكتوبر»، فقد صادقت لجنة في "الكنيست"؛ على مشروع قانون منفصل بعنوان «قانون محاكمة المشاركين في أحداث السابع من أكتوبر»، ينصّ على إنشاء محكمة عسكرية خاصة بهم، تتمتّع بصلاحية فرض عقوبة الإعدام، إلى جانب تدابير أخرى. ومن المهم الإشارة إلى أن أعداد هؤلاء غير معلومة، باستثناء 1251 أسيراً وفق معطيات إدارة سجون الاحتلال، تصنّفهم إسرائيل بـ«المقاتلين غير الشرعيين»؛ وهم غير المحتجزين في معسكرات تابعة لجيش الاحتلال مثل "سيديه تيمان".

يحلّ هذا اليوم وفي سجون الاحتلال أيضاً أسرى عرب،

يشملهم الرقم الكلي، معظمهم من لبنان وسوريا،

اعتقلهم الاحتلال منذ 2023 حتى اليوم،

هذا مع غياب العدد الدقيق لهم، واحتمال أن يزيدوا في المرحلة المقبلة

الحرية تسجن السجّان

مهما قرأنا عن السجن والسجناء لن ندرك معنى الألم المتعدد الجوانب الذي يعانيه السجن من أجل الحرية. من جانب يعرف هؤلاء معنى حبس الجسد، وطيران الروح في الأفلاك، ويدركون أن كل جبروت الإنسان لن يتمكن منهم مهما بلغ السجان في طغيانه. لكن من جانب آخر هناك ألم يحيط كل هذا، هي القوة المادية، في فلسطين، القوة الاستعمارية، التي «تتيح» لإنسان أن يسجن إنساناً آخر، أن يتحكّم بماضي وحاضر ومستقبل إنسان.

يحكم «قضاة» إسرائيل على فلسطينيين بأحكام تفوق المؤبّد الواحد إلى مؤبّدين وثلاثة وأكثر. وبعيداً عن القانون ومفاهيمه التي قد تبدو أحياناً غريبة في استناداتها، تبدو فكرة المؤبّدات أقرب إلى خيال مريض؛ وسواء بدأ هذا المرض في إسرائيل أم في مكان آخر، هناك من يريد في قرارة نفسه أن يتحدّى الموت ذاته، وأن يتحدّى الراحة والألم. لكن في مقابل ذلك أنّ محاولة الدولة، أي دولة كانت، سجن مناضل من أجل الحرية أو الرأي، هي محاولة مستحيلة لحبس الحرية. فمثل هذا السجين يخرج كل يوم من بين الأسوار، يكسر القضبان، يتفوّق على كل ما يقيده. يدرك السجّان ذلك جيداً، ولذلك مهمته الأخرى هي قتل الأمل لدى السجين، فالحياة قائمة، ولا يمكن له أن ينهيها إلا بالإعدام الذي بات مُشرّعاً الآن في إسرائيل. أمّا الأمل، فيجربون قتله بسحق إمكانية الخروج الجسدي من السجن.

ثمة أسباب كثيرة تجعل السجين متمسّكاً بالأمل، سواء أكان أماً أم أباً أم عائلة، حبيباً أم حبيبة، والوطن... هذه معان يعرفها السجّان في حياته اليومية، في حياته خارج السجن، لكنه لن يفهمها في روح سجين يلازمه كل يوم. ولو أن سجّاناً خاض تجربة السجن من أجل قضية حق، لتبدّلت بعض مفاهيمه، ولتعرّف السجّان إلى معنى الحرية الحقيقية، وإلى القيمة التي تمثّلها. ففي عُرف السجين السجّان أدنى وأحطّ من الجدار، فالأخير، كأن السجين لا يراه، وبينما يستخدمه للكتابة أو الرسم أو عدّ الأيام، يكسّر عليه «آمال» السجّان ومن خلفه مصلحة السجون ووزارة الأمن والحكومة ورئيسها والدولة وتاريخها.

تجربة الحرية الفلسطينية مليئة بما سبق، فلا يكاد سجين، أو «أسير» كما في فلسطين، إلا ولديه قصة تفسّر حريته، وتؤكد أن حبس الجسد هو الدلالة الوحيدة على السجن، وما يرتبط به تفاصيل مهمة مؤلمة ومؤذية، بلغت أحياناً حد قتل السجين، أو بدقّة أكثر إعدامه، مثل ما يحدث عندما تهمل مصلحة السجون الظروف الصحية للسجناء. هذا ما حدث مثلاً مع وليد دقة الذي ذاع صيته من سجنه بكلماته وكتبه المهمة التي كتبها في السجن، وبما علّمه لمئات السجناء الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية.

دقة ليس الوحيد، مثله باسم خندقجي الذي كتب أكثر من رواية في زنزانته، ونالت «قناع بلون السماء» جائزة البوكر لعام 2024. قبلهما في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي برز عيسى التميمي ومحمد الركوعي وزهدي العدوي، سجناء أبدعوا من داخل الزنازين برسم لوحات انتصار وحرية وأمل، كانت هذه اللوحات تخرج لترى النور، وتُطبع وتوزع داخل فلسطين وخارجها، فتعطي قوة وأملاً لمن في الزنزانة الأكبر – فلسطين، وخارجها.

نجح السجناء الفلسطينيون أيضاً بانتزاع حقهم بالتعليم وهم داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، فقدّموا تجربة تكاد تكون الأوحد في فرادتها، فأنهى بعضهم دراسة الماجستير والدكتوراه، وبعضهم بات يعلّم السجناء كأستاذ جامعي في السجن مثل القائد مروان البرغوثي.

عدا الأدب والفن والتعليم، خلق هؤلاء الأسرى من داخل سجونهم حياة، فكانت ميلاد وليد دقة، وكان غيرها من أبناء الأسرى الذين ولدوا بالنطف المُهرّبة، فكان هذا الأمر معجزة فلسطينية، ابتدعها عقل الحرية الذي فقط يكسّر الجدران، وقلب السجّان قبل عقله.

هذه التجربة التي تصح تسميتها «تجربة الحرية الفلسطينية» يعرفها الذين آمنوا بالنضال من أجل الحرية، والذين خاضوا تجربة السجن وانتصروا على الطواغيت خلف قضبان الحديد وخارجها... هؤلاء لا يفلّ قلوبهم الحديد، ولا يقوى على أرواحهم وقلوبهم وعقولهم السجن.

* كاتب فلسطيني

اخبار ذات صلة