قائمة الموقع

وعود أمريكا بحماية حلفائها كوعد إبليس بدخول الجنة

2026-04-13T11:39:00+03:00
يوسف أبو سامر*

على مدار عقود، شكّلت الولايات المتحدة الأمريكية مظلة أمنية لدول الخليج، مقدّمة نفسها كضامن للاستقرار وحامٍ من الأخطار الإقليمية. غير أن قراءة متأنية لمسار هذه العلاقة تكشف أن الوعود لم تكن سوى أدوات سياسية واقتصادية تُستخدم لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية، حتى بات تشبيهها بـ"وعد إبليس بدخول الجنة" توصيفًا يعكس حجم التناقض بين القول والفعل.

أولًا، لا يمكن تجاهل الحجم الهائل للاستثمارات العسكرية التي ضختها دول الخليج في الاقتصاد الأمريكي تحت عنوان "الحماية". مئات المليارات من الدولارات صُرفت على قواعد عسكرية، وصفقات تسليح، وأنظمة دفاعية، كثير منها لم يُستخدم فعليًا أو ثبت محدودية جدواه في لحظات الاختبار كما حصل حين الاعتداء "الإسرائيلي" على قطر . هذه الاستثمارات لم تكن مجرد تعاون دفاعي، بل تحولت إلى مصدر دخل ثابت يعزز الصناعات العسكرية الأمريكية ويُبقي دول الخليج في حالة اعتماد دائم.

ثانيًا، برزت صفقات السلاح والتكنولوجيا كأداة ابتزاز ناعمة، حيث تُسوَّق أنظمة متطورة بأسعار مبالغ فيها، بينما يتم تقييد استخدامها أو التحكم بها سياسيًا. وهنا تتجلى معادلة غير متكافئة: دول تدفع وتستهلك، مقابل قوة تتحكم وتوجّه دون التزام فعلي بالحماية.

ثالثًا، لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في تضخيم سردية أوهام "العدو الإيراني"، ليس فقط كخطر عسكري، بل كتهديد مذهبي وسياسي، بما يضمن استمرار حالة التوتر في المنطقة. هذه الاستراتيجية لم تقتصر على الردع، بل ساهمت في تعميق الانقسامات وإدامة بيئة الخوف، التي تُستخدم لتبرير صفقات السلاح والوجود العسكري.

لكن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة هذه المنظومة. إذ أظهرت الأحداث أن الولايات المتحدة، رغم انتشار قواعدها ومنشآتها، ليست قادرة دائمًا على حماية حتى مصالحها المباشرة، ناهيك عن حلفائها. هذا التراجع في القدرة والهيبة أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية.

في المقابل، تشير بعض الوقائع إلى أن إيران، رغم الخلافات العميقة معها، أبدت في محطات مختلفة استعدادًا لفتح قنوات الحوار والتعاون مع دول الجوار، إلا أن هذه المبادرات غالبًا ما وُوجهت بفتور، نتيجة ضغوط أو حسابات مرتبطة بالتحالف مع واشنطن.

وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا جنت دول الخليج من هذه العلاقة؟ هل تحقق الأمن فعلاً، أم أن المنطقة شهدت مزيدًا من التوترات والصراعات؟ وماذا لو أعادت هذه الدول تقييم خياراتها، واتجهت نحو بناء منظومة إقليمية قائمة على التعاون بدل الاستقطاب؟

وفي هذا السياق، يبرز طرح استراتيجي يتمثل في إمكانية تشكيل تحالف عربي–إسلامي واسع يمتد جيوسياسيًا من باكستان شرقًا إلى مصر غربًا، مرورًا بإيران والعراق وسوريا وتركيا واليمن ودول الخليج. إن هذا الامتداد، إذا ما أُحسن توظيفه، يشكّل قوسًا جغرافيًا متصلًا يربط أهم الممرات البحرية العالمية، من مضيق هرمز إلى باب المندب وصولًا إلى قناة السويس، ما يمنحه قدرة استثنائية على التأثير في حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة.

أما من الناحية العسكرية، فإن وجود مظلة نووية باكستانية، إلى جانب القدرات الصاروخية والتقليدية المتنامية لدى إيران، والعمق العسكري والبشري لكل من تركيا ومصر، يمكن أن يخلق توازن ردع حقيقي يحدّ من التدخلات الخارجية ويعيد صياغة مفهوم الأمن الإقليمي على أساس الاستقلالية. اقتصاديًا، يشكّل هذا التحالف كتلة ضخمة من الموارد الطبيعية والأسواق والطاقات البشرية، بما يتيح بناء منظومة تكامل اقتصادي وصناعي تقلل من الاعتماد على الخارج وتؤسس لتنمية مستدامة.

سياسيًا، يمثل هذا التوجه انتقالًا من حالة التشرذم إلى الفعل الجماعي، حيث يمكن لدول المنطقة أن تتحدث بصوت واحد في القضايا المصيرية، ما يعزز موقعها في النظام الدولي ويعيد التوازن الى علاقاتها مع القوى الكبرى. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا المشروع يبقى مرهونًا بقدرة هذه الدول على تجاوز الخلافات البينية، سواء السياسية أو المذهبية، إضافة إلى مواجهة الضغوط الخارجية التي ستسعى إلى منع قيام مثل هذا الكيان.

إن الموارد التي تُستنزف اليوم في صفقات مشكوك في جدواها، يمكن أن تتحول إلى أدوات بناء حقيقي داخل هذا الإطار المقترح، بما يخدم شعوب المنطقة ويعزز استقلال قرارها السياسي والاقتصادي. وهنا يطرح تساؤل جديد نفسه: ما هو موقف الولايات المتحدة وإسرائيل في حال نشوء مثل هذا التحالف؟ وهل ستبقى الحاجة قائمة إلى "الحماية" الخارجية، أم أن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من الاعتماد على الذات؟

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمتلك دول الخليج الجرأة لإعادة النظر في تحالفاتها، والانتقال من موقع التابع إلى موقع الشريك الفاعل ضمن محيطها الطبيعي؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل هذه الدول، بل شكل النظام الإقليمي بأسره.

* باحث سياسي/ فلسطين.

الأحد 12 نيسان 2026

اخبار ذات صلة